جاسم الشمري
واستمرارا لموضوعنا الذي نشر الجزء الأول والمتعلق بالاعتداءات الصهيونية في فلسطين قبل العام 1948، وأثناء البحث في الموضوع، وجدت معلومة مهمة ورأيت ضرورة التطرق لها قبل إكمال الاعتداءات الصهيونية في فلسطين، وهذه المعلومة تتعلق بمجزرة البراق.
وجاء في الموسوعة اليهودية الصادرة عام 1917، أن الحائط الغربي أصبح جزءاً من التقاليد الدينية اليهودية حوالي عام 1520 للميلاد نتيجة للهجرة اليهودية من إسبانيا وبعد الفتح العثماني عام 1517.
وفي عهد الانتداب البريطاني على فلسطين زادت زيارات اليهود لهذا الحائط حتى شعر المسلمون بخطرهم، ووقعت ثورة البراق بتاريخ 23/8/1929م.
بعد أداء صلاة الجمعة في آب 1929 هاجم العرب الضواحي التي يسكنها يهود، فكانت نيران البوليس البريطاني لهم بالمرصاد، وحلقت الطائرات في سماء المدينة، فيما تحركت السيارات المصفحة في مدينة الرملة نحو المدينة المقدسة، وسرعان ما عم الهدوء وخلت الشوارع في البلدة القديمة، وبين الفينة والفينة كان يسمع صدى إطلاق نار، حيث استمرت الغارات العربية على القرويين اليهود في مناطق تقع على بعد أميال من القدس.
عمت أخبار ما جرى في القدس أرجاء المدن والبلدات العربية فانطلقت الجماهير في مسيرات غاضبة اتجه بعضها في غارات على أحياء اليهود، وبعضها إلى مراكز حكومة الانتداب والبوليس البريطاني، ونشبت اضطرابات في الحي القديم من حيفا تخللتها غارات على “هدار هاكرمل” ضاحية حيفا اليهودية الشهيرة.
في بيسان شن المتظاهرون العرب هجوماً على اليهود القاطنين في المدينة، وفي يافا أسفر غليان الشارع العربي عن شن هجمات عدة على مستعمرات يهودية، واستطاعت قوة من البوليس البريطاني أطلقت النار على الجمهور اليافاوي الغاضب صد هجوم على الحي اليهودي الواقع بين يافا وتل أبيب. إلا أن سكان هذا الحي هاجموا العرب وقتلوا ستة مواطنين على رأسهم إمام أحد المساجد. ووقع هجوم يهودي آخر على مسجد عكاشة في القدس، وانتهكوا حرمة هذا المسجد القديم الذي ينظر إليه السلمون باحترام بالغ ودنسوا أضرحة الأنبياء التي يضمها.
وبلغت الأحداث ذروة عنفوانها في مدينة الخليل، فما أن وصلت أنباء ما جرى في القدس حتى قام المتظاهرون بمسيرات صاخبة، وهاجموا مدرسة يهودية وقتلوا شاباً فيها، وفي اليوم التالي هاجم عرب الخليل الحي اليهودي في المدينة ومنازل اليهود المتفرقة البعيدة عن مركز المدينة، وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن ستين يهودياً وجرح أكثر من خمسين، وفي صفد هاجم العرب حياً يهودياً وقتلوا وجرحوا نحو خمسة وأربعين يهودياً، وأضرموا النار في عدة منازل وحوانيت تعود لليهود.
بعد أيام هزت فلسطين، أخذت الأحوال تتجه نحو الهدوء، وقد أسفرت أحداث ثورة البراق – وهي أول ثورة تشتعل في فلسطين ضد الوجودين الصهيوني والبريطاني – عن سقوط 133 قتيلاً يهودياً وجرح 339 بينهم 198 إصابة خطيرة. فيما بلغ عدد القتلى العرب 116 وعدد الجرحى 232 جريحاً وذلك حسب (تقرير شو) الذي اعترف بأن معظم إصابات العرب كانت على أيدي القوات البريطانية (المصدر: موسوعة المصطلحات والمفاهيم الفلسطينية، المركز الفلسطيني للدراسات الإقليمية، 2008).
واستكمالا للاعتداءات الصهيونية المنشورة في الجزء الأول نذكر هنا بقية تلك الاعتداءات التي وقعت قبل العام 1948، ومنها:
– مجزرة حيفا:
بتاريخ 27/3/1939م، فجرت عصابة “إتسل” قنبلتين في مدينة حيفا؛ فاستشهد 27 عربياً، وجرح 39 آخرون.
– مجزرة قرية عين الزيتون:
عام 1945 بلغ عدد سكانها 820، ومنازلها 127 منزلًا. تقع على الطريق العام المؤدي إلى صفد، وتعتبر من ضواحي صفد، فيها منازل حجرية وعيون ماء. عام 1944 كان 280 دونمًا مخصصة للحبوب و477 دونمًا مروية، أو مستخدم للبساتين.
في 3 كانون ثاني 1944 ألقت مجموعة صهيونية عدة قنابل على عدة منازل في القرية وقتلت أحد أبنائها.
– مجزرة أحد أسواق حيفا:
بتاريخ 20/6/1947م، وضعت عناصر من “إتسل” و”ليحي” قنبلة في صندوق خضار مموه في سوق مدينة حيفا، وأسفر الانفجار عن استشهاد 78 عربياً وجرح 24 آخرون.
– مجزرة الخصاص:
بتاريخ 18/12/1947م، نفذت قوة من “البالماخ” هجوماً مسلحاً على قرية الخصاص الواقعة في الجزء الشمالي من سهل الحولة، وقتلت عشرة أشخاص، جميعهم من النساء والأطفال.
– مجزرة ” العباسية
العباسية قرية عربية فلسطينية، تبعد عن مدينة يافا 13 كيلو متراً شرقاً. بلغ عدد سكانها عام 1945 م “5650” نسمة. مساحتها “101” ألف متر مربع، ومساحة أراضيها 20540 ألف متر مربع.
في يوم السبت 13/12/1947م؛ نفذ تنظيم ” الأرغون ” الإسرائيلي هجوما على قرية العباسية، وكان الإسرائيليون المهاجمون متنكرين في زي جنود بريطانيين؛ إذ كان جيش الانتداب البريطاني ما يزال يسيطر على فلسطين، وقد أطلقوا النار على العباسية، وفجروا عدداً من منازل القرية، وأطلقوا النيران على عدد من السكان الذين كانوا يجلسون أمام مقهى القرية، ووضع القتلة مجموعة من القنابل الموقوتة، وزرعت العبوات الناسفة في عدد من المنازل. ووصل إلى المكان العديد من جنود الاحتلال البريطاني، لكنهم لم يتدخلوا، بل قاموا بتطويق العباسية تطويقاً جزئياً، وتركوا للقتلة طريقاً للهرب من الجهة الشمالية. وكان عدد المهاجمين الإسرائيليين أربعة وعشرين.
بلغ عدد ضحايا هذه المجزرة 7 شهداء، وسبعة جرحى مصابون بجروح خطيرة، توفي اثنان منهم لاحقاً، وكان بينهم طفل في الخامسة من عمره، وأمه في العشرين من عمرها، أصيب خمسة نتيجة لانفجار العبوات الموقوتة، في الأيام التي تلت المجزرة.
– مجزرة باب العمود في مدينة القدس:
بتاريخ 29/12/1947م، قتل 14 عربياً، وجرح 27، بانفجار برميل محشو بالمتفجرات وضعته عصابات “أرغون”.
وفي اليوم التالي، ومن قبل نفس العصابات وبنفس الطريقة وفي نفس المكان قتل 11 عربيا وبريطانيان.
– مجزرة الشيخ بريك قرب حيفا:
بتاريخ 30/12/1947م، هاجمت قوة من العصابات الصهيونية قرية الشيخ بريك، وقتلت 40 شخصاً من سكانها.
– قنبلة في القدس:
وفي اليوم نفسه، 30/12/1947م، ألقى أفراد من عصابة “أرغون” الإرهابية قنبلة في القدس، أسفر انفجارها عن استشهاد 11 عربياً ومقتل بريطانيان.
– مجزرة بلد الشيخ:
تقع القرية في سهل حيفا، وكان طريق حيفا جنين العام يمر من شقيها، وكان فيها مدرج للطائرات في الطرف الشمالي للقرية.
وفي عام 1945 كانت بلد الشيخ ثاني كبرى قضاء حيفا، وعدد سكانها آنذاك 4120 نسمة، وكان فيها مدرسة ابتدائية ومقبرة الشهيد عز الدين القسام. أما اقتصادها؛ فيعتمد على الزراعة والمواشي؛ حيث كان فيها 4410 دونمات من المزروعات مخصصة للحبوب و368 دونمًا مرويا أو مستخدما للبساتين.
بتاريخ 31/12/1947م، قامت قوة من “البالماخ” قوامها 170 مسلحًا بهجوم مسلح على قرية بلد الشيخ، عشية رأس السنة الميلادية، حيث طوقوا القرية دمروا عشرات البيوت والممتلكات؛ ما أسفر عن سقوط 60 شهيداً من بينهم العديد من الأطفال والنساء، وأخليت القرية جزئيا من أهلها. وكانت “خطة دالت” تقضي بأن يحتل “لواء كرملي” بلد الشيخ. وفي 24 نيسان حاصرت وحدات من “الهاغاناة” القرية مرة ثانية واحتلتها. وأخلى الجيش البريطاني سكانها، بما فيهم النساء والأطفال.
خططت بريطانيا مع الحركة الصهيونية العالمية لاحتلال فلسطين وذلك من أجل تثبيت وجودها في منطقة الشرق العربي، وحماية مصالحها الاقتصادية وبسيطرة على قناة السويس التي تمثل الشريان الاقتصادي لبريطانيا، من أجل التحكم في التجارة العالمية وحماية تجارتها في المستعمرات المتواجدة في شرق أسيا خصوصا الهند، وفي نفس الوقت بناء جسر يفصل بين المشرق والمغرب العربي، ولن يكون ذلك إلا بتأسيس كيان يهودي في قلب العالم العربي يشكل حصنا منيعا للوحدة، وينفذ أجندتها السياسة. (رشيد مقدم: المخطط الاستعماري البريطاني الصهيوني نحو فلسطين).
وهكذا تتضح أمامنا أن المخططات الصهيونية ظهرت في العام 1948 لكنها خططت قبل العام 1917 ونفذت عبر وعد بلفور المشؤوم.
مقال خاص براسام

