الباحث: حسين صالح السبعاوي

عرف عن العراق أنه بلد عصي عن التطبيع وأن الكيان الصهيوني هو العدو اللدود والدائم طالما ظل يحتل فلسطين والمقدسات الإسلامية وعلى رأسها المسجد الأقصى، وأن التعامل أو التعاون معه يعد خيانة كبرى للعراق ويعاقب الخائن بأشد العقوبات وفق القوانين العراقية، إلا أنه بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق عام ٢٠٠٣ ومن جاوؤا بهم معهم ممن يسمونهم بالمعارضة، بدأ بعض من هؤلاء بترويج للصهاينة وإمكانية التطبيع معهم – وبكل وقاحة – ضارباً عرض الحائط مشاعر الملايين من الشعب العراقي الرافضين للتطبيع والذين تربوا عبر سنين من الزمن على أن الصهاينة هم العدو وأن العراق لابد أن يكون له دور كبير في تحرير فلسطين ودعم القضية الفلسطينية.
ما يحز في النفس أن الأغلبية من الشعب العراقي ما زال صامتا تجاه هذه تصرفات الداعين إلى التطبيع رغم رفضه المبدئي للتطبيع، واعتقد أن السبب في هذا السكوت هو ما يعانيه الشعب العراقي من هيمنة إيران وحلفائها على القرار العراقي وعلى مقدرات الدولة، وما ارتكبوه من جرائم إبادة وتهجير وتنكيل ضد الشعب الرافض لدعاة التطبيع.
بمقابل المطبعين ظهر من هو أسوء منهم وهم المزايدون من حلفاء إيران ممن يدعون مقاومة المشروع الصهيوني ويرفضون التطبيع معه، في الوقت الذي لم نر منهم من أطلق رصاصة واحدة ضد هذا الاحتلال، بل ساندوا الكيان الصهيوني بإبادة الفلسطينيين القاطنين في العراق عموما وفي بغداد خاصة، حيث قتلوا منهم من قتلوه وهجّروا واعتقلوا مئات آخرين، بل وسخروا ثروات العراق لخدمة الكيان الصهيوني عن طريق إيران، فقد أصبح المتسلطين على حكم العراق أدوات يحركها النظام الإيراني كما يشاء لتحقيق مصالحه في تصدير مشروعه المشؤوم المبني على الطائفية وإشعال الحرائق وإثارة الفتنة بين أبناء المجتمع العراقي .
إن من يرفض التطبيع عليه – من باب أولى – أن يرفض الاحتلال لبلده، أما أن يعتبر الاحتلال الإيراني لبلده هو بمثابة (فتح إسلامي) بينما يملئ الدنيا ضجيجا ضد التطبيع فهذه هي الازدواجية بعينها، والمزايدة المرفوضة التي تجعل من دعاة التطبيع يتمسكون أكثر بمشروعهم التطبيعي، وإن من يرفض التطبيع فعليه أن يتصالح مع أبناء المجتمع ويتوقف عن التهجير والقمع والتنكيل بهم.

أساليب التطبيع في العراق :
١- لم يزل التطبيع يمارس على استحياء بسبب الرفض الشعبي العام له وبسبب ما يحمله العراق من ثقافة الممانعة للمشروع الصهيوني وما يحمله الشعب من إرث كبير وقديم لرفض الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما في فلسطين من مقدسات يحترمها الشعب العراقي وعلى رأسها المسجد الأقصى .

٢- يمارس التطبيع تحت ستار المؤتمرات التي تعقدها بعض مما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني التي ظاهرها شيء وباطنها شيء آخر، وتعقد هذه المؤتمرات تحت عناوين غير مباشرة مثل المؤتمر الذي عقد في أربيل ٩ ايلول ٢٠٢١ تحت عنوان ( السلام والإسترداد ) الذي تبنته جمعية أمريكية وتبين فيما بعد أن بعض الحاضرين في المؤتمر لم يكونوا على علم بأن أهداف المؤتمر هو التطبيع مع الكيان الصهيوني .

٣- التطبيع عبر المشاريع الإقتصادية وخاصة الأنابيب النفطية : هناك محاولات من قبل حكومة الكاظمي لإعادة إحياء مشروع أنابيب النفط الموصل – حيفا الذي تأسس عام ١٩٣٢ والذي أغلق بعد حرب عام ١٩٤٨ مع الكيان الصهيوني، لكن هذه المرة يتم عبرة مد أنابيب النفط من البصرة إلى ميناء العقبة في الأردن ثم إلى ميناء حيفا في الكيان الصهيوني وهذا المشروع قائم الآن والعمل فيه قد وصل إلى مراحل متقدمة .

٤- التطبيع مع الكيان الصهيوني في مواجهة إيران : وهذه أكبر كذبة يروجها دعاة التطبيع وكأن الكيان الصهيوني سوف يحرر العراق من الهيمنة الإيرانية، علما أن الفرس والصهاينة عدوان استراتيجيان للعراق عبر التاريخ وكلاهما يريدان تدمير العراق.

٥- التطبيع تحت شعار التعايش : هذه الشعارات الرنانة ما عادت تنطلي على أحد وكيف تتعايش مع من يحتل بلدك ثم كيف تتعايش مع من يقتلك ويسرق بلدك من أين يأتي السلام مع هؤلاء المحتلين إن هذا النوع من التعايش مرفوض وخلاف الفطرة الإنسانية والسنن الكونية والشرعية وهو أشبه بتعايش القط والفأر وتعايش الكلب والذئب وإن في تعايش هذه الكائنات لهو مفسدة على البشرية وكذلك التعايش مع المحتل القاتل السارق لمقدرت الوطن وان سلوك المطبعين مع الكيان الصهيوني هو أشبه بسلوك هذه الكائنات.

٦- من تدليس المطبعين أنهم يأتون بسقط المتاع من كل المكونات العراقية ليوهموا المجتمع بأن قضية التطبيع متوافق عليها بين كافة مكونات المجتمع.
إن قضية التطبيع ليست قضية سياسية أو اقتصادية بل هي قضية أمن قومي وقضية مبدأ، فلا يحق لأي شخص او أي حزب سياسي طرحها أو الترويج لها، كما لا يحق لأي حكومة أن تطبع مع العدو الصهيوني، بل لا يمكن حتى طرحه للاستفتاء.
إن القيم والمبادئ التي يحملها الشعب العراقي من رفض لكل أنواع الاحتلال سواء كان هذا الاحتلال ايرانيا لأراضي العراق أو صهيونيا لأراضي فلسطين، وإن القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة في وجدانه ولا يمكن لشواذ هذه الأمة أن يغيروا هذه الحقيقة، وإن ما يؤمن به العراقيون عموما هو أن إيران والكيان الصهيوني عدوان لدودان للعراق والأمة العربية والإسلامية عبر التاريخ وسيبقى هذا العداء مستمرا حتى تحرير كامل فلسطين من الاحتلال الصهيوني وتراب العراق من الاحتلالين الأمريكي والإيراني.

مقال خاص براسام