إن زيارة الكاظمي لهيئة الحشد الشعبي، والاطراء الكبير على هذه الميليشيات، رغم الجرائم التي ارتكبتها والتي يندى لها الجبين الإنساني، تكشف الصورة الحقيقية عن توجهات رئيس الوزراء الذي لن يختلف عن سابقيه في حكم العراق، وهو يحاول أن يلعب على التوازنات، ويحاول مسك العصا من المنتصف، كما إن صمته عن الكلمة التلفزيونية المصورة لزعيم “ميليشيا العصائب قيس الخزعلي” بعد عملية الدورة واضحة وجلية، وتعطي صورة واضحة في كيفية خضوع حكومة الكاظمي في تعاملها مع الميليشيات، حيث قال مخاطباً الكاظمي: “يا رئيس الوزراء أنت مو رئيس وزراء منتخب من قبل الجماهير”، ولا حضرتك كان مطلب جماهيري، إن المتظاهرين هم طالبوا بك أثناء المظاهرات والاحتجاجات” و” أنما حضرتك نتيجة توافق قوى سياسية، اتفقت معك، مع مطلب المرجعية، مع مطلب الجماهير” كما أضاف “إن حكومتك حكومة مؤقتة، ويجب أن تكون مؤقتة، هدفها العمل على انتخابات مبكرة”، و “العبور بالبلد الى بر الأمان لمواجهة التحدي الاقتصادي، والصحي، أكثر من ذلك لا تختلق مواضيع، وإذا صارت مواضيع لا تدخل فيها، لأن هذه مو حجم حكومتك، وهذا معناه أنت راح تدخل مشاكل أكبر، وممكن تضيع كل القضايا، فموضوع القوات الامريكية واستهدافها من قبل فصائل المقاومة، أنت تريد تعالجه، كما قلت لك هذا لن يحصل في تاريخ”، و” وبالتالي الجميع يغلس عن الموضوع” ، أنتهى كلامه، وهذا يعني إن الخزعلي يرسم سياسية الدولة الخارجية والداخلية لحكومة الكاظمي، كما أنه يبين زيف ما يروج له بأن الحشد جزء من الدولة، وضمن منظومة القوات المسلحة، كما يبين الازدواجية في القرار السياسي والعسكري، ولا أعرف ما يمثل الخزعلي ليخاطب الحكومة بهذا الاسلوب الوقح، ويبدو بأن الحكومة تعمل تحت أمرة قادة الميليشيات فهنيئاً للكاظمي استعادة السيادة.

إن تدخل الميليشيات في رسم سياسية الدولة الداخلية والخارجية يعني إن هناك دولة داخل الدولة، كما أن استخدامها للسلاح لفرض ارادتها السياسية، وإجبار الزرفي على تقديم اعتذاره عن تشكيل الحكومة، يبين صراع الأرادات بين محورين شيعيين أحدهما: تيار شيعي تمثله الحكومة من ورائها الولايات المتحدة الامريكية، والأخر تيار شيعي تمثله الميليشيات ومن ورائها ايران، كما إن تقاطع المصالح والنوايا في مسألة خروج القوات الامريكية من العراق، وتهديد الميليشيات للنواب الذين سيمتنعون عن التصويت، جعل المشهد العراقي أكثر طائفية، بالإضافة الى إن استخدام الميليشيات القوة ضد المتظاهرين، بعد أن وقفت القوات الامنية والعسكرية تتفرج على هذه الجرائم، خصوصاً مع ازدياد عمليات الخطف، والاغتيال، لقادة الحراك بدون أي تبعات قانونية، أضعف موقف حكومة الكاظمي، وجعلها كالحكومات السابقة عاجزة مواجهة الميليشيات التي تعمل خارج ارادة الدولة، فكيف سيستعيد السيادة، ويفرض القانون وهيبة الدولة، بل على العكس إن ضعف إجراءات الدولة جعل الميليشيات أكثر عدوانية وجرأة في مواجهة أي أجراء حكومي مقبل.

إن القرار السياسي والامني مصادر من قبل الميليشيات فلا هيبة للدولة؟، ولا هيبة القانون؟، كما إن العملية العسكرية التي انطلقت في البصرة لتجريد العشائر من السلاح، أو لحصر السلاح بيد الدولة، بعد اغتيال العديد من الناشطين والناشطات قد باءت بالفشل، علماً إن قرار الإبقاء على قطعة سلاح واحدة في كل بيت بجنوب العراق، يبين ازدواجية الحكومة في التعامل مع المناطق، فقد تم تجرد المناطق السنية من أي قطعة للدفاع عن النفس، وبنفس الوقت يحاسبونهم على عدم قتالهم للإرهاب، ويتهمونهم بالتواطؤ مع الارهابين ،فالقانون في العراق يطبق على السنة فقط، فالأكراد لهم دولتهم، والشيعة فوق القانون، وما جرى مع “عشيرة العساكرة” في محافظة “ذي قار” وتهديدها للحكومة، بل وإجبارها على تقديم الاعتذار، الذي نقله رئيس جهاز مكافحة الارهاب هو دليل لا يقبل الشك على ازدواجية الحكومة في التعامل مع الشعب العراقي، وهنا نسأل أين حصر السلاح بيد الدولة؟، لماذا تراجعت حكومة الكاظمي أمام سلطة العشيرة المدعومة من الميليشيات المسلحة؟، لماذا لم تقم القوات بتحرير المختطف؟، لماذا قدمت الاعتذار؟، لماذا لم تقدم قتلة المتظاهرين للعدالة؟، أنها الطائفية السياسية للنظام السياسي الحاكم.

لقد تعاملت حكومة الكاظمي في كثير من الملفات بطائفية واضحة، بسبب بنية وهيكلية النظام السياسي الطائفي، وفساد الطبقة السياسية السنية وتبعيتها، فعندما يتم مصادرة استحقاقات المكون السني، أو يتم التنازل عنها في دولة المحاصصة، فهذا يعني تفريط بحقوق المكون الذي يعاني أصلاً من التهميش والاقصاء، فوزارة الشباب مثلاً هي للمكون السني، ولكن تم التفريط من قبل الفاسدين، كما إن المؤسسة العسكرية والأمنية أصبحت انعكاس للنظام السياسي الطائفي الحاكم، حيث تقدمت الهوية الطائفية على الهوية الوطنية، حيث يعاني المكون السني من التهميش والاقصاء بشكل كبير، حيث لا تتجاوز نسبة السنة في القوات المسلحة والاجهزة الامنية(3%)، في مخالفة واضحة للدستور، ومبدأ التوازن في المؤسسات، وما حصل في قبول طلاب الكلية العسكرية الأولى بدورتها المرقمة(111)، تبين بالدليل القاطع بأن الفعل مقصود، عندما تم تغيب محافظة الموصل، والأنبار، عن القبول في هذه الدورة، كما تم استبعاد الطيارين السنة عن طائرات(F16) لأسباب طائفية، وكذلك الترقيات التي شملت الشيعة وخلت المناصب العليا من أي رتبة تعود للمكون السني، وكذلك التعينات في الأجهزة الامنية، فجهاز المخابرات هو للمكون السني ولكنه سلب منهم في زمن حكومة المالكي وسلم للشيعة وأسند للغرباوي ثم للكاظمي، وهذه جميعها مظاهر من الاقصاء الطائفي المقيت، والتي عادت للدولة بقوة.

لقد أصبح الترشيح للمناصب في الدولة العراقية يقوم على أساس الولاء للحاكم، والطائفة، والحزب، وليس على أساس الكفاءة والحرفية في القيادة، ثم يخرج لنا المالكي في لقاء تلفزيوني يقول فيه بأن المنطقة الغربية هي ضمن صفقة القرن، ويطلب منهم الوقوف بوجه هذا المخطط، وكأنما المكون السني كان يعيش في ظل دولة عادلة يقودها الجعفري، والمالكي، والعبادي، وعبد المهدي، وأخيراً الكاظمي، الذي يحاول أن يضع لمسات لا قيمة لها على أرض الواقع ومنها رفع فقرة الطائفة من استمارة القبول في الكلية العسكرية، ووضع المحافظة بدلها وهذا لن يغير من الواقع الطائفي شيء يا رئيس الوزراء، وكان المفروض أن تأمر بإضافة نسب محددة من هذه المحافظات المهمشة للالتحاق بهذه الدورة، علماً إن الميليشيات والاحزاب لها نسب للقبول في هذه الكليات العسكرية رغم أنف الحكومة، لذا فالجميع رؤساء الحكومات طائفيين ولا يختلفون ألا في درجة تنفيذها حسب مصالحهم للتقرب من هذه الجهة أو تلك، وكذلك رغبة الاحتلال الامريكي أو الايراني في ذلك، وحسب مرجعيتهم الدينية والسياسية.

لقد عملت الحكومات المتعاقبة على تحويل المؤسسة العسكرية العراقية لمؤسسة طائفية غير محترفة، يقوم ولائها على الحزب والطائفة، مما أدى الى قيام مؤسسة ضعيفة وغير رصينة ورأينا كيف انهارت هذه القوات في مدينة الموصل، وهربت أمام بضع مئات من تنظيم الدولة، حتى تحولت هذه المؤسسة العريقة لمراكز قوى متصارعة على النفوذ والمصالح، ورأينا كيف يذهب الضباط المتخرجين من الكلية العسكرية الى المراقد في كربلاء والنجف ليتم تريد قسم أخر غير قسم التخرج من الكلية، في طقوس مذهبية ودينية وطائفية، يجعلنا أمام قوات عسكرية طائفية وحزبية مقيتة، بعد أن تم دمج الكثير من منتسبي الميليشيات الى هذه الاجهزة التي استخدمت في مواجهة التهديدات الداخلية بدل التهديدات الخارجية، مما نزع عنها صفة الوطنية، وأقحمها في صراعات عرقية وطائفية بسبب طائفية الحاكم ونظامه السياسي.

إن قيام الكاظمي بأطلاق سراح خلية “صواريخ الكاتيوشا” وإطلاق سراح المتهمين بقضية “جامع مصعب بن عمير” في محافظة بديالى، رغم الادلة والشهود على هذه الجريمة، وكذلك اطلاق سراح المتهمين بسقوط مدينة الموصل، ومنهم قائد عمليات نينوى “الفريق مهدي الغراوي” بعد انتهاء مدة محكوميته الصورية، وكذلك هروب المتهم بمجزرة “جسر الزيتون” في الناصرية، “الفريق جميل الشمري” بعد أن صدور مذكرة بمنعه من السفر، وعدم فتح التحقيق حول المغيبين والمختطفين السنة وتسفيه هذا الملف، ومحاولة أتخاذا أجراء بجعل هؤلاء شهداء لأنهاء هذا الملف، والتستر على القتلة والمجرمين، ومنهم قتلة المتظاهرين، يجعلنا نثير الكثير من علامات الاستفهام؟؟، ومنها إن القانون أصبح أداة سياسية بيد الجهات النافذة في الدولة، وأصبح التجريم في العراق على أساس الهوية الطائفية، وهذا يعني إن لا حكومة ولا قانون قادر على أنصاف الضحية، مما يدفع الاطراف الى الانتقام بعيداً عن الدولة مما يؤسس لمرحلة قادمة من العنف، والغريب هو سكوت ممثلين المكون السني على هذه الجريمة الجديدة، والسكوت المريب لحكومة الكاظمي التي تواطأت مع القتلة والمفسدين، وأصحبت شريكة ومتواطئة معهم.