انتخابات عام2018 وحكومة عادل عبد المهدي:
لقد شهدت الانتخابات البرلمانية لعام 2018، متغيرات كثيرة ألقت بظلالها على المشهد السياسي العراقي بشكل واضح، ومنها استعادة المدن من سيطرة تنظيم الدولة بعد أن دمرتها الحرب وهجرت أهلها، بالإضافة الى ظهور الحشد الشعبي كقوة عسكرية وسياسية قوية وموازية للمؤسسة العسكرية، حيث استطاعت فرض اردتها السياسية بقوة السلاح، يضاف اليها تداعيات استفتاء كردستان على المشهد العراقي، مع ظهور قوة جديدة تتمثل بالمظاهرات في مدن ومحافظات الجنوب العراقي وبصورة غير مسبوقة، تندد بالطبقة السياسية والاحزاب الحاكمة، وترفع شعارات مناهضة للنفوذ الايراني ، وهنا يمكن لنا أن نقول بأن الطائفية السياسية في انتخابات2018، قد تراجعت شعبياً بسبب تردي الوضع الامني والخدمي في جميع المحافظات العراقية، ولكنها لم تتراجع سياسياً بسبب التزوير، بعد أن أصبحت هناك ثقافة ووعي جديد في مدن الجنوب العراقي يرى بأن الطبقة السياسية التي دعمتها طوال الفترة الماضية فشلت في توفير أبسط الخدمات لهم، فمناطق الجنوب لم تكون بحال أفضل من المناطق السنية المدمرة، فهي تعاني من الحرمان، والبطالة، والفقر، والفساد المالي والإداري، والسلاح المنفلت، وفساد مؤسسات الدولة، والاستحواذ الاحزاب الفاسدة على السلطة، كما أنهم فشلوا في أدارة وحكم البلاد، الأمر الذي غير مزاج الناخب العراقي، وأصبح هناك رفض للنفوذ الإيراني وللأحزاب السياسية الحاكمة وميليشياتها المسلحة.

إن المكون السني في أنتخابات عام2018، بدى متعب، ومنهك، وضعيف، ومنقسم، وتابع، فهو يعاني من سيطرة ميليشيات الحشد الشعبي على مناطقهم التي تم تدميرها جراء العمليات العسكرية بصورة شبه كاملة، مع عجز وفشل حكومي عن إعادة الاعمار، وتعويض المتضررين، وارجاع النازحين الى مناطقهم بعد أن رفضت ميليشيات الحشد الشعبي الخروج منها، يضاف اليها المعاملة السيئة والطائفية لأبناء هذه المناطق من قبل الميليشيات، أما المكون الكردي فكان أكثر تفككاً وانقساماً، فهو يعاني من مشكلة حقيقية في دفع رواتب الموظفين، خاصة بعد الاستفتاء الذي قلص نفوذهم، وسبب لهم انشقاقات وانقسامات داخلية كبيرة، وسبب شرخ كبير في العلاقة بين الحزبين الرئيسيين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والسمة الغالبة لهذه الانتخابات هي عزوف الناخبين عن المشاركة من جميع الطوائف والمكونات، بحيث اختلفت عن جميع الانتخابات السابقة.

إن الأنقسام كان الصفة المميزة لهذه الانتخابات، فقد انقسمت القوائم والكتل والتحالفات الانتخابية لجميع المكونات السنية، والشيعية، والكردية، وزادت حدة الخلافات والانقسامات السياسية والطائفية بشكل كبير نتيجة الانقسام في بنيتها الاساسية ضمن الحزب الواحد، كما فشلت الاحزاب والكتل السياسية في تشكيل قوائم وطنية عابرة للطائفية وللهويات بشكل حقيقي، بل فشلت في طرح مشروع وطني عابر للهوية الطائفية، والمذهبية، والدينية، لأن بنية الدولة ونظامها السياسي قائم على المحاصصة الطائفية، و لا يسمح بالتغير، رغم انقلاب الشارع عليها، وتغير مزاج الناخب العراقي، ولأن الولاءات لازالت تحكم الطبقة السياسية الفاسدة، وثمة عامل أيديولوجي يحكم التحالفات لهذه الاحزاب، التي ثبت تبعية الكثير منها لإيران، كما شهدت هذه الانتخابات عمليات تزوير غير مسبوقة، خصوصاً مع عزوف كبير وغير معهود للناخب العراقي من جميع المكونات الذين فقدوا الثقة بأي عملية تغير سياسي، طالما بقيت الطبقة السياسية هي المهيمنة على المشهد السياسي العراقي، كما تعرضت صناديق الاقتراع الى عمليات حرق مخطط لها، لإخفاء عمليات التزوير ومن يقف ورائها، خصوصاً بعد أعادة الفرز لكثير من المناطق والصناديق، بسبب فشل الحكومات المتعاقبة في توفير الحياة الحرة الكريمة للموطن العراقي الذي فقد الأمن والاستقرار.

إن مسألة تشكيل الحكومة في العراق هي مسألة معقدة، بسبب بنية النظام السياسي الطائفي الحاكم، وهيكلية الدولة بعد الاحتلال، والذي يعتبر أحد الأسباب الرئيسية التي قادت البلاد من فشل لأخر، لذا فقد مرت مسألة تشكيل حكومة عادل عبد المهدي بولادة عسيرة استمرت لمدة سبعة أشهر لعدم تحديد الكتلة الاكبر المخولة بتشكيل الحكومة، لذا تم التوصل الى مرشح توافقي بين الكتل الشيعية في مخالفة واضحة للدستور، الأمر الذي أضعف الحكومة بشكل كبير، كونه لا ينتمي الى كتلة سياسية، ولم تشكل عن طريق الكتلة الأكبر، ورغم ذلك فقد أخفق في تمرير الكابينة الوزارية في البرلمان بسبب الاختلاف على أسماء ثماني وزارات مهمة ومنها الوزارات الامنية، حيث لم يتم التوافق عليها بسبب الانقسام السياسي والطائفي حول التمثيل النسبي للأحزاب والمكونات، لأنها لا تتفق مع نظام المحاصصة التي قامت عليه العملية السياسية، رغم الشعارات التي رفعت حول استقلالية الحكومة في اختيار تشكيلتها الوزارية، كما ذهبت الوعود بحكومة التكنقراط، أو اختيار المرشحين للوزرات عن طريق الموقع الالكتروني الخاص الذي أطلقه رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي”، لأنه أصطدم بواقع طائفي مرير للعملية السياسية الفاشلة، كما إن الاحزاب والكتل السياسية تخلت عن وعودها بذلك بدوافع طائفية ومصلحية.

السياسات الطائفية لحكومة عبد المهدي وقمع مظاهرات تشرين عام2019:
في 12مايو/أيار عام 2018، تم اجراء الانتخابات البرلمانية العراقية، وفي2أكتوبر عام2018تم تكليف “عادل عبد المهدي” بتشكيل الحكومة أي بعد سبعة أشهر، وفي24أكتوبر صوت البرلمان العراقي على تمرير حكومته، وتم منح الثقة لـ(18)وزيراً في الكابينة الوزارية، وفي30نوفمنبر عام2019قدم استقالته لرئيس مجلس النواب، وفي1ديسمبر من نفس العام صادق البرلمان على استقالته، بعد أن مرت حكومته بالكثير من التحديات والصعوبات، ومنها في شهر أيار عام2019، أعلنت خلية الإعلام الأمني لقيادة العمليات المشتركة مقتل(4)، مدنيين وأصابت(17)، أخرين، في تصعيد لأنصار التيار الصدري لمحاسبة الفاسدين لبعض القيادات التي تنتمي الى كتلة الأحرار التابعة للتيار الصدري، حيث قاموا بحرق بعض المجمعات والمولات التابعة لهم، واقتياد البعض منهم للمحاكمة بعد أن خيرهم أما القبول بالإجراءات التي يتخذها التيار، أو يقوم بتسليمهم لحكومة عبد المهدي، وهنا نسأل ما هي الصفة القانونية للصدر للقيام بمثل هذه الاجراءات؟، وأين القانون والقضاء من هذا التصعيد؟، ولماذا لم تتخذ الحكومة الاجراءات اللازمة ضده، أنها الطائفية والازدواجية في التعامل.

لقد شهد الأول من تشرين الأول/أكتوبر عام2019، خروج مظاهرات عارمة في بغداد والمحافظات الجنوبية تنادي بسقوط النظام السياسي الحاكم، الأمر الذي كان خارج حسابات الطبقة السياسية الحاكمة، حيث خرج الشعب في انتفاضة واسعة شاركت فيها مختلف شرائح المجتمع العراقي، تطالب بحقوقها المسلوبة، بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة، التي تفتقر الى شرعية المنجز المقدم للشعب، حيث استمرت الاحتجاجات لمدة سبعة أيام ثم توقفت بسبب زيارة الاربعينية، لتعود مرة أخرى في25من الشهر نفسه لتستمر الى يومنا هذا، بعد أن فشلت الاحزاب السياسية والميليشيات المسلحة والاجهزة الامنية في أيقاف هذه المظاهرات أو الحد من انتشارها، خصوصاً بعد أن لجأت الى الكثير من الاساليب الملتوية والمتعددة لاحتواء المظاهرات، بما فيها شراء الذمم، والولاءات بالأموال، وتوزيع الاراضي، والمناصب، وتبني سياسية الاعتذار، لبعض السياسيين الطائفيين “كهادي العامري” الذي أعترف بأنهم أخفقوا وفشلوا في تقديم حياة حرة كريمة للشعب العراقي ولناخبيهم، وكل هذا كان عبارة عن محاولات لركوب الموجة واحتواء الحراك، لأن الفاسد والفاشل في الحكم عليه إن ينسحب ولا يرشح نفسه لرئاسة الوزراء.

لقد كشفت هذه المظاهرات الاقنعة التي ارتداها بعض السياسيين وتستر بها طوال الفترة الماضية، ومنها نصرة المظلوم، وإعطاء المهلة تلو المهلة لمحاسبة الفاسدين، في محاولة منهم لاحتواء وتجيير الحراك لمصالحهم الحزبية والشخصية الضيقة، ومنهم أنصار التيار الصدري الذين ساندوا المظاهرات في بدايتها ثم قاموا بالانقلاب عليها، فعمدوا الى استخدام القوة لفض مظاهرات خصوصاً بعد اجتماع “مدينة قم الإيرانية”، الذي جمع قادة الميليشيات مع “مقتدى الصدر” الذي دعا الى مظاهرات لإخراج القوات الامريكية، كما تم الاتفاق على أنهاء الحراك، وانسحاب جماعة التيار الصدري منه، بعد أن تم حرق الخيم في مدينة النجف وبغداد في محاولة لأنهاء الحراك، ولكن رغم جميع هذه المحاولات فقد استمر الحراك، حتى بعد استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، الذين خرجوا بصدور عارية وبصورة سلمية، يطالبون بحقوقهم ورافضين التواجد الايراني على الاراضي العراقية، والسؤال ماذا فعلت حكومة عبد المهدي لمحاسبة أنصار التيار الصدري؟، وماذا كان واجب القوات الامنية في النجف وبغداد؟.

بعد أن فشلت الحكومة والاحزاب السياسية الحاكمة وميليشياتها المسلحة في احتواء وأنهاء المظاهرات لجأوا الى استخدام القوة فقد قامت القوات الأمنية والميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب والتابعة لإيران باستخدام الرصاص الحي بصورة مباشرة، في بغداد، وكربلاء، والناصرية، والبصرة، واستخدمت الغازات السامة المسيلة للدموع، التي أدت الى الكثير من حالات الاختناق بسبب سميتها العالية، كما استخدمت الهراوات، والرصاص المطاطي على مناطق حساسة من الجسم، وخاصة منطقة الرأس، والعين، وعندما تم توجيه الاتهام لوزارة الدفاع باستيراد هذه الاسلحة، نفى وزير الدفاع ذلك الاتهام وقال: “بأن وزارة الدفاع لم تستورد هذه الاسلحة” والسؤال من الجهة التي تستطيع استيراد هذه القنابل خارج الدولة لتستخدم ضد المتظاهرين؟، ومن هي؟، ولماذا صمتت الحكومة على ذلك؟.