نظير الكندوري

بعد انتهاء زيارة بابا الفاتيكان فرنسيس إلى العراق، والتي امتدت لأربعة أيام، يتم تداول سؤال مهم من قبل أغلب وسائل الاعلام التي غطت الحدث وهو هل استطاع البابا أن يحقق الأهداف التي جاء من أجلها إلى العراق؟ وللإجابة على هذا السؤال، نجد من الضروري أن يتم تسليط الضوء على الأهداف المعلنة والخفية للزيارة.
فكما هو معلن، فإن بابا الفاتيكان، كان يسعى لتحقيق انفتاح على العالم الشيعي، وارسال رسالة اطمئنان لمسيحيي العراق بعد نزوح أعداد مهمة منهم فاقت ثلثي عددهم في العراق، لأسباب تتعلق بمخاوفهم من الانتقام على أيدي المليشيات والعصابات المسلحة التي ظهرت بالعراق بعد الاحتلال عام 2003، وكان بابا الفاتيكان يأمل أن تسفر زيارته عن تلطيف أجواء العلاقة بين مسيحيي العراق ومسلميه!
ومن المؤكد، إن هذا كلام مردود عليه، لأن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في العراق كانت على أفضل حال قبل أن تنتشر المليشيات والجماعات المسلحة التي ظهرت كنتيجة مباشرة للاحتلال، والحكومة الطائفية التي تأسست بعده، وفيما يتعلق بالانفتاح على العالم الشيعي من خلال زيارة أهم مرجع شيعي بالعالم وهو علي السيستاني، فمن الواضح أنه كان يريد كسب ود الشيعة، والذي سينعكس إيجابا – كما يظن – على أحوال المسيحيين في العراق وفي المشرق بشكل عام، وفي هذا الأمر لا نعتقد أنه قد نجح كثيرا، ذلك لأن القرار الشيعي ما زال حتى الأن مرتهنا بيد إيران وليس بيد المرجع علي السيستاني، وأن الجهات التي اضطهدت المكون المسيحي، هي من الجماعات والمليشيات الموالية لإيران، والتي تتخذ من الخامنئي كمرجع لها وليس السيستاني، وبالتالي فهذه المحاولة ربما لن تنفع كثيرا المسيحيين في العراق.
لكن الأهداف الخفية التي حملها البابا في زيارته للعراق -كما نعتقد- تتعلق بالترويج إلى “الديانة الإبراهيمية”، وهي بدعة جديدة مفادها أن الديانات الثلاث، الإسلامية والمسيحية واليهودية، جميعها تتقاسم أصلا مشتركا واحدا، وهو انتسابها للنبي إبراهيم عليه السلام، وبالتالي فهي دعوة لتوحيد هذه الأديان وممارسة دين وحدوي جديد، اسمه الديانة الإبراهيمية، لكن حقيقة أمر هذه الدعوة، تتجاوز أهدافها الدينية، إلى أهداف سياسية تتبناها وتدفع بها “إسرائيل” والولايات المتحدة، وبعض الجماعات الانجيلية الفاعلة في أوروبا، وتقود هذه الدعوة في المنطقة العربية، أحدى الدول الخليجية الفاعلة، لأجل أن تنعكس اثار هذه الدعوة على زيادة وتيرة التطبيع بين العرب و”إسرائيل” لتنتقل من صيغتها الرسمية الحالية بين الأنظمة العربية و”إسرائيل”، إلى مستوى التطبيع مع الشعوب عبر استغلال الموضوع الديني، وكلنا نعلم ما للدين من تأثير بالغ على الشعوب، يفوق التأثير السياسي. والفكر الصهيوني على يقين، أن التطبيع لن يكون ذو قيمة، إذا لم يتم تأطيره بطابع ديني ودوافع عقائدية، تجعله مقبولا من شعوب المنطقة، لكي تتحول الدولة المغتصبة لأراضي عربية وإسلاميةإلى دولة صديقة لنا مشتركات كثيرة معها أهمها الدين.
ففي هذا الجانب، نعتقد أن البابا قد حقق نجاحا جزئيا على هذا الصعيد من خلال لفت الانتباه إلى مدينة أور على اعتبارها المدينة التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام، ودعا أتباع الديانات الثلاث للحج إلى زقورة أور على اعتبارها أول معبد للديانة الإبراهيمية. لكنه بنفس الوقت، فشل حتى الآن في الحصول على توقيع السيستاني على “وثيقة الإخاء” التي يروج لها كما فعلها في أبوظبي مع شيخ الأزهر. وفي اعتقادنا أن السبب في ذلك يرجع إلى أن إيران التي تمسك بزمام القرار الشيعي بالعراق، لا يمكنها أن تعطي هذه الجائزة للمعسكر الغربي بدون ثمن، رغم عدم اعتراضها بشكل كبير على التطبيع في حقيقة الأمر، فهي تريد ثمنا من الغرب يوازي الأهمية التي يعلقونها على مثل هذه الوثيقة والسماح لمثل هذه الديانة الجديدة بالانتشار في العراق وباقي الدول العربية.

فشل البابا بأهداف زيارته المعلنة ونجاحه جزئيا بأهدافه الخفية
وعلى هذا، فإن البابا يبدو أنه فشل فشلا ذريعا بكل الأهداف التي أعلنها كأسباب لزيارته، ولكنه نجح جزئيا في أهدافه الخفية. فمن جانب المسيحيين الذي جاء لإنصافهم وتوفير الحماية والطمأنينة لهم لغرض عودتهم، لا يبدو أنهم على استعداد للثقة برسائل الاطمئنان البابوية، وهم يرون أن لا شيء إيجابي سيحدث على الأرض في ظل وجود هذا النظام والمليشيات الإيرانية، وتنظيم داعش الذي ما يزال نشطا في مناطقهم. كما أن التغيير الديمغرافي ضدهم ما زال مستمرا. وفي هذا الصدد، أكد رئيس أساقفة في مدينة أربيل ماتي وردة قائلا: “من المؤكد أن زيارة البابا لن تساعد البلد كثيرا”، مضيفا أن المسيحيين في العراق “يعيشون في ظل نظام سياسي واقتصادي فاسد، وأن البابا سيسمع كلمات جميلة، لكن عندما يتعلّق الأمر بالحياة اليومية، فالأمر سيكون مختلفا عن هذه الكلمات”.
المسيحيون العراقيون لم يكونوا متفائلين بزيارة البابا بالقدر الذي تفاءلت به وسائل الاعلام المرافقة له، فهم لا يعتقدون أن مطالبات البابا من النظام العراقي بإنصاف المسيحيين ستسفر عن حل لمشاكلهم وإزاحة التهديدات عنهم، والسبب يعود إلى أن النظام نفسه والمليشيات المدعومة من قبله، هي من قامت باضطهادهم، ولن يتغير شيء على الأرض ما دام النظام الحالي قائما.
بالمقابل، استطاع البابا أن ينجح في أهدافه الخفية المتعلقة في التمهيد لبدعة “الديانة الإبراهيمية” حينما أقام صلاة مشتركة مع بعض رجال الدين من الطوائف المختلفة عند زقورة أور، ومن خلالها ارسل رسالة للعالم بأن هذا المكان له قدسية، وهو أولى بالحج من أي مكان أخر، لأنه شهد ميلاد إبراهيم عليه السلام -كما يدّعون-، وبالتالي فإن هذا ينسحب إلى وجوب تطبيع العراق مع “إسرائيل” على اعتبارها الدولة التي تعلن نفسها “الدولة اليهودية”، مستغلين في هذا الأمر، الظرف العراقي الصعب اقتصاديا، وأن هذا التطبيع سيعود على العراق بالفرص الاستثمارية وتشجيع السياحة من كل العالم لا سيما من “إسرائيل”.

احباط العراقيون من موقف البابا؟
في سياق كلامه تحدث البابا عن السلام ورسالة السلام للعراقيين، وطالب بحق رجوع النازحين والمهجرين المسيحيين والإيزيديين، واستعادة أراضيهم وممتلكاتهم من سالبيها، لكنه لم يتطرق إلى باقي النازحين والمهجرين العراقيين من السنّة الذين تفوق معاناتهم معاناة المسيحيين والإيزيديين بمراحل كثيرة. والبابا الذي أقام صلاته الإبراهيمية في زقورة أور في محافظة الناصرية، على بعد بضعة كيلو مترات من ساحات التظاهر التي يقتل فيها الشباب بدم بارد على ايدي المليشيات، لم يكبد نفسه عناء ذكرهم أو إبداء التعاطف المعنوي معهم، رغم عدالة مطالبهم وأحقيتها، ورغم أنهم مصرون على تظاهراتهم السلمية منذ أكثر من سنة ونصف. وبدلا من ذلك التقى البابا بمختلف رموز المليشيات والأحزاب التي سفكت دماء المتظاهرين واضطهدت العراقيين بكل اطيافهم بما فيهم المسيحيين العراقيين، وهو بذلك يعطي شرعية لهذا النظام غير آبه بمعاناة العراقيين. ومن فرط حماسة هذا النظام بالموقف البابوي، سارع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إلى إعلان يوم زيارة بابا الفاتيكان للعراق 6 مارس من كل عام “يوما وطنيا للتسامح”.
لقد أُحبط العراقيين من موقف البابا، وبالأخص منهم طليعتهم المناضلة من المتظاهرين الذين ارسلوا له عشرات الرسائل ليشرحوا فيها معاناة الشعب العراقي والألم الذي سببه لهم النظام وميليشياته، وكانوا يتوقعون منه أن ينقل تلك الصورة إلى العالم ليفضح ممارسات هذا النظام، بعد أن أغلقت وسائل الاعلام أبوابها أمام تغطية احتجاجاتهم ونضالاتهم، ولكن تجاهل البابا كل تلك المناشدات ولم يشر إليهم ولو بكلمة، بل إنه خاطب الفاسدين والقتلة بضرورة القضاء على الفساد وإشاعة السلام، وهو يعلم تماما بأن من يقوم بالفساد وينتهك حرمة السلام في العراق هو هذا النظام بكل أحزابه وميليشياته.

مقال خاص براسام