د. فارس الخطاب

لا يجب أن يخطأ من يظن أن زيارات رؤوساء الوزارات العراقية منذ عام ٢٠٠٥م وحتى وزارة محمد شياع السوداني الأخيرة إلى طهران هي زيارة “دولة لدولة”، بالتأكيد هذا غير وارد سواء من تعامل طهران مع هذه الزيارات أو مع الذاهبين إليها وقد كان وسيكون تفسير هذا الموضوع واضحاً من مشاهد ومخرجات كل زيارة.
أثار تصريح النائب عن دولة القانون مهند الخزرجي، عقب زيارة السوداني الى إيران، بأنها “حققت ابعاداً مهمة” وأنها ” حملت أبعادا سياسية وأمنية واقتصادية تعزز عمق العلاقات الاستراتيجية بما يضمن مصالح الشعبين الشقيقين بمختلف المجالات” ، حفيظتي ، لسبب بسيط يعرفه كل عراقي وهو أن الدور الإيراني في العراق لم يحقق مصلحة الشعب العراقي بل على العكس تماماً ، حتى في موضوع تزويد الغاز الإيراني للعراق لأغراض توليد الطاقة الذي لولا حالة الخنوع المطلقة من قبل سياسيي “الصدفة” في العراق لما بقي العراق يستورد هذا الغاز لمدة عشرين عاماً وبمبالغ خيالية تفوق أسعار هذه المادة عالمياً وإقليمياً، ولإن إيران لا تريد أن يعيد العراق كهرباءه الوطنية بما ملكه ويملكه من مئات المليارات أو أكثر بقيت مولدات الكهرباء الأهلية في كل مناطق العراق هي التي يعتمد عليها العراقيون مقابل زائر الكهرباء الحكومية الخجول لبضع ساعات يومياً.
السبب الثاني الذي يدحض أي تحليل يذكر أن رؤوساء الوزراء العراقيين يذهبون إلى طهران من أجل مصالح الشعب ، هو تصريح رئيس الوزراء الزائر ، محمد شياع السوداني نفسه؛ إذ أكد أن العنوان الرئيس لهذه الزيارة هو “حفظ أمن إيران وعدم التساهل مع أي إخلال به” ، في حين كانت قوى عراقية وفي مقدمتها قيادة كردستان تنتظر من رئيس وزراء الحكومة الإتحادية أن يعبر عن إستياء وإستنكار القصف والهجمات الإيرانية على مواقع وتنظيمات كردية عراقية وكردية إيرانية كحد أدنى مفترض لهيبة هذه الحكومة تجاه شعبها وشعب كردستان العراق على وجه الخصوص.

لا أحد يقبل أن تكون أراضيه مصدراً لتهديد دول الجوار، لكن على هذه الدول أن تحترم سيادة العراق وأن تفاتح حكومة بغداد بأي معلومات تتوافر لديها عن نشاط مصادر التهديد لتقوم هذه الحكومة بدورها المطلوب، أما أن تتعامل إيران باستهتار يفضى إلى قتل وجرح عراقيين وآخرين يتخذون من أراضي كردستان مركزاً للإيواء الإنساني فهذا ما لا يمكن قبوله شعبياً وربما على مستوى الخارجية العراقية كون وزيرها من الحزب الديمقراطي الكردستاني، وستثبت الأيام أن السوداني قدم لطهران تعهدات بإنهاء مشكلة الأكراد الإيرانيين بإجراءات عملية أقلها نقل معسكرات الأكراد الإيرانيين إلى مناطق بعيدة عن كردستان العراق.

نظرة بسيطة إلى علاقة إيران بكل من تركيا وباكستان تُظهر الفرق بين هذه العلاقات وبين السلوك الإيراني مع جيرانها العرب وبخاصة جداً مع العراق، وقد استفادت طهران من التغيرات التي حصلت في العراق بعد احتلاله عام 2003، فقد أدى سقوط النظام الوطني العراقي إلى فراغ استراتيجي ملأته قوات الاحتلال الأميركي بدايةً لكنها لم تستطع الإستمرار بالقيام بهذا الدور بسبب الخسائر الكبيرة التي أوقعتها المقاومة العراقية بهذه القوات مما جعلها توكل الأمر إلى إيران ذات الموقع الجيو- سياسي المهم في الجغرافيا العراقية.

لقد كانت طهران مستعدة تماماً للقيام بهذا الدور كإستعداد واشنطن للقيام بدور المستثمر الاستراتيجي الرئيس في العراق؛ فكان البرنامج الإيراني يعتمد على ترتيب وتوحيد البيت الشيعي العراقي لضمان كسب العملية الانتخابية التي خطط لها الأمريكيون وضمان التفوق العددي في مجلس النواب العراقي، كما رفضت طهران بقوة موضوع الأقاليم باستثناء وضع كردستان الموجود أصلاً قبل الاحتلال ، وكان سبب المعارضة الإيرانية هو الخوف من الحس العروبي لشيعة العراق أولاً، والخشية من تأثيرات دول الخليج العربي على كسب ود ومصالح الشيعية في جنوب العراق الغني بالنفط، وأخيراً لقناعتها أن أتباعها في العراق سيقبضون على حكم العراق كله بمساعدتها فما الحاجة لتقسيم إلى أقاليم محفوفة بالمفاجآت؟.

إذن مشكلة العراق الجديد أنه بين يدي المستثمر الاستراتيجي “الولايات المتحدة” والموجه الإقليمي “إيران”، وقد أدمن ساسته الجدد أيضاً على اللعب على حبال الدولتين لضمان استمرارهم في كابينات برلمانية ووزارية يسرحون فيها ويمرحون بمليارات الدولارات وسط قضاء مسيس ورئاسات ثلاث مثلت دائما ومنذ عام ٢٠٠٥م رموزاً للارتهان للأجنبي وفقدان للذمة في تحمل مسؤولياتهم، حتى بات العراقي الآن لا يأبه أن حكمه إيراني الهوا أم أمريكي الولاء.

لا يحتاج العراق في ظل حكمه الذي تعمدت واشنطن منذ احتلالها للعراق أن تجعله رهناً للإرادة الإيرانية ، لا يحتاج رغم كل ما تقدم أن يتصرف وبعد عشرين عاماً من الهيمنة الإيرانية أن يضع بيضه كله في السلة الإيرانية، وحان الوقت ليس الآن بل منذ سنوات طويلة أن يوجد لنفسه شيئا من التوازن مع دول الجوار الأخرى وبقية دول العالم ، فلم يعد في خزائن العراق ما يستنفذ بعد سلسلة من الممارسات التخريبية الإيرانية وفقدان القيم لدى الطبقة الحاكمة في العراق وعلى اختلاف مسمياتها منذ عقدين من الزمن ، لابد للطبقة السياسية الحاكمة وبكل عناوينها أن تعرف مكانتها عند القادة الإيرانيين والتي لا تتعدى كونها مكانة تبعية مطلقة وتبعية ذليلة.

مقال خاص براسام