يبدو بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حساباتها في المنطقة وقد بدى ذلك واضحاً من خلال الزيارات المكثفة للمسؤولين الأمريكان لمنطقة الشرق الأوسط والتي تزايدت في الفترة الأخيرة بشكل ملفت للنظر خاصةً بعد زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “وليام بيرنز”، ومستشار الأمن القومي “جيك سوليفان”، ثم تلتها زيارة “أنتوني بلينكن” وزير الخارجية الأمريكي لإسرائيل خلال الفترة الماضية، لتبدأ بعدها زيارات أخرى لقيادات عسكرية شملت رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال “مارك ميلي”، الذي زار شمال سوريا وإسرائيل، وقد تمخض عن هذه الزيارة زيادة قواتهم في شمال سورية لتصل الى(1500)مقاتل، ثم تلتها زيارات مكوكية لوزير الدفاع الأمريكي “لويد أوستن” والتي شملت ثلاثة دول مهمة في المنطقة هي مصر والأردن وإسرائيل، ثم جاءت زيارته الغير معلنة الى العراق ولقائه برئيس الحكومة “محمد السوداني” وبعض القيادات السياسية الأخرى بما فيها قيادات في كردستان العراق، وقد تزامن هذا الحراك مع لقاءت مهمة يجريها وزير الخارجية الأمريكي “أنتوني بلينكن” في واشنطن مع وزير الشؤون الإستراتيجية للكيان الصهيوني “رون ديرمر” وكذلك مع مستشار الأمن القومي تساحي “هنغبي”، لرسم سياسية موحدة للتعامل مع الملفات الساخنة في المنطقة ومنها الملف النووي الإيراني.

إن هذا الحراك السياسي والعسكري لم يأتي مصادفةً وإنما يجري في ظروف مهمة واستثنائية تمر بها المنطقة، بسبب تصاعد الأحداث والتطورات في فلسطين المحتلة (الضفة الغربية)، وكذلك التصعيد فيما يخص تطورات الملف النووي الإيراني بعد أن وصلت محادثات “فيينا” الى طريق مسدود، على الرغم من إن الهدف المعلن لهذه الزيارات هي دعوة جميع الأطراف لخفض التصعيد والتوتر، وخاصةً في الضفة الغربية مع اقتراب شهر رمضان المبارك، ولكن في حقيقتها هو دعم واضح للكيان الصهيوني الغاصب، بالأضافة الى تأكيد واشنطن على التزامها العسكري بالشرق الأوسط من خلال إظهار دعمها لحلفائها الرئيسيين بالمنطقة لمواجهة التهديد الإيراني وعلى رأسهم الكيان الصهيوني، لذا فهذه الزيارات هي رسالة تطمينية لدول المنطقة بأن واشنطن ستكون حاضرة وبقوة لدعم حلفائها في المنطقة لمواجهة العربدة الإيرانية، بما فيها المساعدة لربط الدفاعات الجوية لهذه الدول لمواجهة أي تهديدات محتملة، لذا فقد حملت هذه الزيارات الأمريكية من والى المنطقة رسائل كثيرة منها:

الرسالة الأولى: الضغط على إيران: إن هذه الزيارات المكوكية للمسؤولين الأمريكان في المنطقة تأتي لزيادة الضغط على إيران التي تعاني من وضع أقتصادي مزري وصعب جداً، كما تعاني من وضع أمني غير مستقر بسبب حركة الاحتجاجات التي أنطلقت في16سبتمبر/أيلول عام 2022، وشملت الكثير من المدن الإيرانية في شمال كردستان والتي جاءت على خلفية قتل الناشطة “مهسا أميني” والتي لا تزال مستمرة منذ أشهر، كما إن هناك أتهامات حقيقية لإيران وتورطها بالحرب الروسية الأوكرانية، من خلال تزويد روسيا بطائرات مسيرة طراز (شاهد 136)، ناهيك عن قيام إيران بزيادة محزونها من اليورانيوم المخصب الى أكثر من (21) ضعف عن النسبة المقررة والمسموح بها، ناهيك عن العثور على جزيئات من اليورانيوم عالية التخصيب في ثلاث موقع إيرانية سرية غير معلن عنها سابقاً لدى وكالة الطاقة الذرية، بالأضافة الى وجود ذرات من اليورانيوم في بعض المواقع كانت نسبة التخصيب قد وصلت فيها الى (83،7) مما يعني بأن إيران تقترب من تصنيع القنبلة النووية ، بالأضافة لنفوذها الاقليمي المزعزع لاستقرار المنطقة، وقيامها بتطوير برنامج الصواريخ الباليستية بالتعاون مع روسيا الأمر الذي بدأ يهدد أوروبا بشكل حقيقي، كما إن هناك تهديدات أوروبية بوضع الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، وهناك رسالة وجهت الى إيران من قبل فرنسا وألمانيا وبريطانيا تقول بأن إيران كذبت فيما يخص أنشطتها النووية، ويجب عليها إن تجيب عن جميع أسئلة وكالة الطاقة الذرية، وجميع هذه المعطيات تشير الى إن إيران قد تكون أقرب الى الحل العسكري من أي وقت مضى.

الرسالة الثانية: رسالة الخيار العسكري المحدود: وهنا نقول بأن الخيار الدبلوماسي هو المفضل لدى أدارة “بايدن” للتعامل مع إيران، ولكن عندما يفشل هذا الخيار فيمكن أن نقول بأن الخيار العسكري يمكن أن يعود مرة أخرى للتعامل مع إيران، وهناك مؤشرات ومعطيات كثيرة لذلك خاصةً العمل العسكري المحدود، والذي يمكن أن يقوم به الكيان الصهيوني منفرداً بالاتفاق مع واشنطن، ويمكن أن يكون من قبل واشنطن بصورة منفردة، أو يكون عمل عسكري مشترك من قبل الطرفين، خصوصاً وإن واشنطن فعلت الخطة(ب) للتعامل مع إيران والتي أطلقت عليها تسمية “دعم الحارس” والتي تدعم الحل العسكري في التعامل مع إيران في حال فشل الحل الدبلوماسي، وقد تم تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة بين القوات الأمريكية والكيان الصهيوني أطلق عليها تسمية “سنديان البازلت” بتاريخ 23 يناير/كانون الثاني الماضي، حيث تعتبر هذه المناورات هي الأكبر والأوسع وتعكس مدى القلق الموجود لدى قيادة البلدين فيما يخص الملف النووي الإيراني.

لق شارك في هذه المناورات (6400) جندي أمريكي، وحاملة طائرات “يو . إس. إس جورج إتش دبليو بوش”، التي تضم طائرات مقاتلة (أف15،أف16، أف18، أف22، أف 35) وقاذفات استراتيجية ثقيلة (بي52)، بالاضافة لسفن، وغواصات، كما شاركت فيها(142)طائرة مختلفة الانواع، ومن بينها طائرات تحمل أسلحة نووية، وطائرات التزود بالوقود طراز “رام”، وطائرات” بوينغ كيه سي-46 إيه”، وطائرات الاستطلاع، وطائرات مسيرة، وقوات برية من كلا الجيشين لاختبار مدى جاهزية القيادة المركزية الأمريكية والقوات الإسرائيلية المشتركة للهجوم على منشآت نووية في دولة أقليمية معادية، وكيفية مواجهة جبهات متعددة، كما جرى التدريب على تعزيز التعاون والتنسيق المشترك بينهما لشن غارات جوية، وضرب أهداف معقدة، ومواجهة التهديدات البحرية، كما جرى أستخدام قذائف صاروخية بعيدة المدى من منظومة هيمارس الأمريكية، كما جرى التدريب على أختراق منظومات الدفاع الجوي، وتدمير الأهداف المحمية تحت الأرض، وهذا يعني بأن الزيارات الأمريكية للمنطقة قد تأتي ضمن السياق التصعيدي لاحتمالية مواجهة محدودة إيران.

الرسالة الثالثة: تطمين حلفاء واشنطن الذين تزعزعت ثقتهم بإدارة بـ”ايدن”: يبدو بأن إدارة الأمريكية قد أكتشفت أخيراً بأنها فشلت في أحتواء إيران فيما يخص التوصل الى اتفاق جديد فيما يخص الملف النووي الإيراني، بعد أن وصلت مفاوضات “فينا” الى طريق مسدود بين الجانبين الأمريكي والإيراني، خصوصاً وإن دول الخليج العربي رأت بأن التقارب الأمريكي-الإيراني للتوصل الى أتفاق جديد جاء على حساب المصالح الخليجية في المنطقة، الأمر الذي دفع الكثير من هذه الدول الى بناء علاقات متسارعة ومهمة مع الصين وروسيا، وخاصة المملكة العربية السعودية التي رأت بأن واشنطن غير جادة في التعامل مع المخاوف الحقيقة لدول الخليج العربي خاصةً بعد هجمات “أرامكو”، وسحب بطاريات الباتريوت الأمريكية من الرياض، وقد زادت الفجوة في العلاقات بينهما عندما رفضت المملكة زيادة إمدادات الطاقة لتعويض النقص الحاصل عن أيقاف الصادرات الروسية، علماً بأن العلاقات مع الصين أثارت حفيظة الولايات المتحدة الامريكية التي صرحت بشكل علني على لسان الرئيس “بايدن”، أثناء لقائه بقادة دول الخليج العربي في قمة الرياض، بأن واشنطن لن تسمح للصين وروسيا بمليء الفراغ الناجم عن الخروج الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط وتوجهها لآسيا الوسطى لمواجهة التمدد والنفوذ الصيني هناك، مما يعني بأن هذه الزيارات هي رسالة واضحة لحلفاء واشنطن في المنطقة تقول بأننا باقون، وملتزمون بمواجهة التهديد الإيراني المتزايد، خصوصاً بعد اقترابها من امتلاك قنبلة نووية، وإن هذه المنطقة لا زالت تشكل أهمية كبيرة لصانع القرار الأمريكي، وأنها لن تسمح لإيران بأمتلاك السلاح النووي.

الرسالة الرابعة: للحكومة العراقية: لقد حملت زيارة وزير الدفاع الأمريكي الغير معلنة للعراق رسائل متعددة للداخل العراقي، ومنها بأن العراق لا يزال تحت الوصاية الأمريكية، والدليل على ذلك هو أنه لم يعلم القيادات العراقية بهذه الزيارة ليجري استقباله كما جرى مع دول المنطقة في الأردن ومصر وإسرائيل حسب البروتوكولات الرسمية، على الرغم من تأكيد الناطق بأسم الحكومة العراقية “باسم العوادي” بأن الزيارة كانت بعلم وموافقة الحكومة العراقية، وأنها لم تكن مفاجأة، وتم أبلاغ الجانب العراقي بها وهذا يثير الكثير من علامات الاستفهام، كما أنها حملت رسالة واضحة الى حكومة بغداد تأكد التزام واشنطن بالحفاظ على تواجدها العسكري في العراق، كما إنه تعهد بمواصلة العمل على محاربة تنظيم الدولة، وأكد على الشراكة الاستراتيجية مع حكومة بغداد “نحو عراق أكثر أمناً وأستقراراً وسيادة”، متناسياً بأنه لم يحترم السيادة العراقية عندما وصل الى أحد القواعد العسكرية الأمريكية بدون علم الحكومة في بغداد، كما أنها حملت رسالة واضحة لحكومة السوداني تقول بأنه يجب عليها أن تحسم أمرها فيما يخص التبعية لإيران، بما فيها الالتزام بنظام سويفت للتعاملات المالية، للحد من تهريب الدولار لإيران التي يمكن أن تتعرض لضربة عسكرية محدودة مالم يتم التوصل الى تفاهمات جديدة ومقنعة فيما يخص المشاكل العالقة معها.

الرسالة الخامسة: الى ميليشيات الحشد الولائي: لقد حملت هذه الزيارة رسالة واضحة لميليشيات الحشد الولائي التابعة لإيران تقول بأننا باقون في العراق وأننا لن ننسحب على الأقل في المدى القريب والمتوسط، رغم كل التهديدات التي صدرت من قادة الميليشيات الولائية، بأخذ الثأر بعد مقتل “أبو مهدي المهندس”، و”قاسم سليماني”، ومنها التعهد بإخراج القوات الأمريكية من العراق، ولكن هذه التهديدات بقيت حبراً على ورق، وأصبحت شعارات ترفع بين الحين والأخر لتحشيد الشارع بدون أن تكون لها قيمة حقيقة في الواقع العراقي، خصوصاً وإن أمتيازات السلطة قد بعثرت هذه الشعارات، وأصبحت جزءً من الماضي، سيما وقد أصبح لدى قادة هذه الميليشيات مصالح كثيرة بعد أن وصل مرشحهم الى رئاسة الوزراء، لذا فهذه الزيارة هي رسالة واضحة للميليشيات بأن عليها أن تحسم أمرها في قضية المواجهة المحتملة مع ايران أذا أردت الاستمرار في الحكم، وإن واشنطن سوف تتعامل مع هذه الميليشيات بناءً على موقفها من الوجود الأمريكي في العراق!، ومن المصالح الأمريكية في المنطقة وعدم تحول الأراضي العراقية لتكون منصات اطلاق ضد المصالح الأمريكية والصهيونية، وكذلك من التصعيد المحتمل مع إيران، خصوصاً وإن هذه الميليشيات قد تعرضت لضربات جوية بالوكالة في الفترة الماضية في الداخل والخارج، وتبين بأن هذه الضربات قد نفذت من قبل الكيان الصهيوني بتوجيه أمريكي، وخاصة في “قاعدة الصقر” في منطقة الدورة جنوب بغداد، بالأضافة الى الضربات المتكررة للميليشيات الولائية على الحدود العراقية السورية.