نظير الكندوري
في ظل حراك الشعب العراقي المستمر، يتداول الناشطون هذه الأيام، دعوات لتفعيل أسلوب جديد من أساليب النضال، ألا وهو “العصيان المدني”. صحيح أن هذا الأسلوب ليس جديدا على تجارب الشعوب التي مرت بظروف مشابهة لظروف بلادنا، لكنه ربما يكون اسلوبا جديدا على شعبنا العراقي. ذلك لأن هذا الأسلوب من النضال يحتاج إلى إجماع من افراد الشعب عليه، والإصرار على الاستمرار فيه حتى لو دفع من أجل ذلك تضحيات في قوتهم وقوت عيالهم للوصول إلى أهدافهم التي يريدونها. وبالتالي فهم يحتاجون إلى توحيد خطابهم ومطالبهم. وبالتأكيد – ولأجل إنجاح هذا الأسلوب النضالي – يحتاج إلى أن يعطي الشعب ثقته للجان المنظمة لهذا العصيان، والاستجابة لمقرراتها في إدارته، وصولا إلى أهدافه، بخلافه فالعصيان لن يصل إلى أهدافه.
لقد جربت شعوب العالم، وهي في طريقها لنيل حريتها واستقلالها، عددا من الفعاليات الشعبية حتى تصل إلى أهدافها، كل حسب ظرفه والتحديات التي تواجهه، ودرجة التدخل الخارجي الداعم للأنظمة الاستبدادية التي تعاني منها أوطانهم. وبالتالي فإن للشعب وقواها الفاعلة، حرية الاختيار بين تلك الأساليب الشعبية التي تتيح لهم الوصول لأهدافهم المشتركة. وفيما يتعلق بشعبنا العراقي، فإن التحدي الذي يعاني منه هو تحدي مركب ومعقد للدرجة التي ليس من السهل عليه، اتخاذ أسلوب واحد فقط للتصدي لهذا النظام، ويزيح عن كاهله ما ألم به من خراب، ولأجل ذلك، قام الشعب العراقي بتجربة أساليب عديدة حتى يصل إلى أهدافه.
فالشعب العراقي، أمام تحد مستمر منذ عام 2003، وهو الاحتلال الأمريكي، الذي لم يسقط النظام العراقي السابق بحسب، إنما عمد إلى إسقاط الدولة العراقية برمتها، ثم قام برعاية دستور كتب على تحت رعايته، شكل أساسا لنظام طائفي يحوي داخل طياته عوامل الفشل وأسباب الفرقة والتشظي. ثم بدأت مرحلة التغلغل الإيراني مستفيدا من هذا الدستور الطائفي، لتمكين أتباعه من السلطة في العراق، ونشر اذرعه في الدولة العراقية والمجتمع العراقي، وعمل على تأسيس مليشيات مسلحة قادت العراق للخراب الذي نعيشه حاليا.
ورغم انحسار النفوذ الأمريكي لصالح النفوذ الإيراني في العراق، إلا أن العراق ما زال هو ساحة صراع بينهما، يدفع ثمنه المواطن العراقي من أمنه وقوته وخراب بلده. وبالتالي فإن التحدي الذي يواجهه الشعب العراقي اليوم ليس تحدي شعب ضد نظام استبدادي فاسد فحسب، إنما يضاف إلى ذلك تحدي ارتهان السلطة في العراق لدول خارجية تريد تنفيذ اجنداتها في العراق. ولو كان صراع الشعب العراقي مع السلطة فقط، لشهدنا سقوطها منذ زمن بعيد، لكنها مازالت حتى الآن مدعومة من إيران، وما زالت الولايات المتحدة تدعمها – كونها مؤسستها – ولا تريد أن تفشل تجربتها (الديمقراطية) في العراق. وإذا ما أراد الشعب العراقي أن يصعد من أعماله النضالية تجاه هذه التحديات الثلاث، والمتمثلة بسلطة فاسدة مرتهنة للأجنبي، واحتلال إيراني من خلال ميلشياتها المسلحة والأحزاب التابعة لها، بالإضافة إلى النفوذ الأمريكي الداعم لنموذج هذه الدولة الفاشلة، فعليه اتخاذ وسائل نضالية تتناسب مع هذه التحديات الثلاث.
ما تلك الوسائل؟
في بداية الاحتلال جربت شريحة واسعة من المجتمع العراقي، النضال المسلح ضد الاحتلال الأمريكي ونجحت في تكبيده خسائر كبيرة. لكن شرائح أخرى، انخدعت بالأحزاب التي جاءت مع المحتل، ظانين بأنها ستعمل على بناء دولة جديدة عادلة، ما لبث أن تبين لهم زيف تلك الأحزاب وتلك التجربة السياسية. ثم انتقلت الجماهير العراقية إلى أسلوب الاعتصامات لتوصيل صوتها ومظلوميتها للمجتمع الدولي عسى أن يتعاطف معها، لكن مع الأسف أدار المجتمع الدولي ظهره لها، ولم يتعاطف معها. فانفرد بهم النظام وأسرف فيهم قتلا وفتكا. حتى اندلعت ثورة تشرين بتظاهراتها السلمية لتهز أركان النظام وتفقده صوابه. فسارع النظام لقيادة حملة بطش وقتل وتغييب لناشطي التظاهرات، وأغرقتهم بدمائهم الزكية. ومع ذلك أصر شباب العراق، على مواصلة تظاهراتهم حتى الوصول إلى أهدافهم. لكن النظام خدع المتظاهرين هذه المرة بدعوتهم للمشاركة بالانتخابات المزيفة حتى يفسدهم ويسقطهم في أعين الجماهير. لكن حتى هذه الخدعة، لم تنطل على غالبية الجماهير المنتفضة، رغم انخداع البعض فيها.
اليوم الجماهير الرافضة لهذا النظام، وحفاظا على أرواحهم من آلة البطش السلطوية، تريد تصعيد نضالها بأسلوب أخر، قد جربته الشعوب المقهورة من قبل ونجحت في نيل استقلالها وحريتها، وهو أسلوب “العصيان المدني”. وهو أسلوب يستند على التفاعل السلبي مع أجهزة النظام، سواء كانت مؤسسات مدنية أو عسكرية، وصولا إلى تحقيق حالة الشلل في حركة النظام. فليس من المنطق أن يستمر نظام ما، وهو يتعرض للمقاطعة من كامل الشعب ويقاطع مؤسساته الرسمية. وقد نجح هذا الأسلوب على مر التاريخ الحديث وفي دول عديدة. فقد استخدمه غاندي في نضاله ضد الاحتلال البريطاني، واستخدمه نلسون مانديلا في جنوب أفريقيا ضد التفرقة العنصرية. وفي مجتمعاتنا العربية استخدمه المصريون عام 1919 ضد المحتل البريطاني، وتجربة نقابات العمال في بولندا ضد النظام الشيوعي بثمانينات القرن الماضي بقيادة ليخ فاونسا، وغيرها من التجارب الناجحة. لكن مع ذلك كانت هناك تجارب فاشلة دفعت الجماهير ثمنها عندما تخلت عن وحدتها ففقدت تأثيرها. وحدة الجماهير واصرارها على مطالبها الواضحة المرفوعة من قبل منظمي العصيان المدني، هي الأساس في نجاح أي عصيان مدني تقوم به الشعوب.
الوضع القانوني للعصيان المدني
وهناك من يتخوف من المواطنين العراقيين، من أن المشاركة بالعصيان المدني سوف يجعلهم تحت طائلة القانون، أو سيتم محاسبتهم قانونيا. ونقول لهؤلاء، أن النظام العراقي يعرف أنه غير قادر على فعل ذلك، لأنه سوف يفضح نفسه أمام المجتمع الدولي. فجميع دساتير دول العالم، بما فيها العراق، قد أقرت للشعوب حق ممارسة هذا النوع من النضال، وانه أمر شرعي ما دام لم يستخدم فيه العنف والاعتداء على الممتلكات. وفي هذا الشأن قال الخبير القانوني علي التميمي، إن “العصيان المدني مكفول دستوريا لإرغام السلطة على تنفيذ مطالب شرعية وفق شروط معينة”. وأضاف، إن “شروط العصيان المدني، هي أن يكون سلميا غير مخالف للقوانين من حيث الفوضى أو التخريب، وأن يكون مؤقتا وليس دائما”. وأوضح التميمي، بأن “العصيان العام، يشمل كل شرائح المجتمع، وهو من أرقى صور الاحتجاج لإرغام السلطة على تنفيذ المطالب وسحب الاعتراف والتفويض الشعبي منها”. وعلى هذا الأساس القانوني، فأن مشاركة المواطن العراقي في هذا العصيان المدني، هي مشاركة وطنية تهدف لتحقيق اهداف الشعب في رسم مستقبل العراق الجديد، على عكس ما تريد أن تصوره لنا وسائل إعلام النظام واحزابه.
اهداف الحراك
ومن المهم جدا أن يعرف الشعب التي يريد أن يقوم بالعصيان المدني، ما هي اهداف هذا العصيان وبشكل دقيق، فالعصيان المدني في حقيقة أمره، هو وسيلة وليس غاية، يريد الشعب أن يصل من خلاله، إلى غاياتهم الوطنية وتحقيقها. وفي حالتنا العراقية، فإن الأهداف واضحة لكل العراقيين، يمكن تلخيصها بالنقاط التالية:
– تخليص العراق من هذا النظام السياسي الفاسد وإقامة نظام جديد بديل عنه يمثل العراقيين بكل نزاهة وشرف.
– حل الميليشيات المساندة لهذا النظام وتجريم أية جماعة تحمل السلاح غير المؤسسات الأمنية التابعة للدولة.
– التخلص من التبعية لدول الجوار، وارجاع الحكم إلى الشعب ليحكم نفسه بنفسه.
لكن للوصول إلى تلك الأهداف السامية، لا بد من صياغة أهداف مرحلية تؤدي بنا للوصول إلى تلك الأهداف النهائية. والتي يمكن تلخيصها بجملة النقاط التالية:
– في البدء يجب أن يجتهد منظمي العصيان المدني، على إيصال صوت الجماهير العراقية إلى المجتمع الدولي، وتعريفهم بحقيقة عدم اعتراف العراقيين النظام السياسي الذي يحكم بلدهم، ويعتبرونه فاقدا للشرعية، بسبب استئثاره بالحكم، عبر انتخابات يعلم الجميع بأنها مزورة، وأنه ساهم بقتل شعبه، ومكن الميليشيات من قتلهم، ولم يقدم القتلة للمحاكم، بل أنه يرعى المليشيات المسلحة التي تقتل العراقيين وبعلمه، من خلال تجهيزهم بالسلاح وحمايتهم من المحاسبة قانونيا، ويؤمن الشعب العراقي، بأن هذا النظام قد فشل في تحقيق الازدهار للشعب، وذلك باعتراف رئيس الجمهورية برهم صالح، وغيره من المسؤولين.
– بعد ذلك، تقوم اللجان المنظمة للعصيان المدني، بالبناء على حقيقية فشل النظام، والعمل على سحب الشرعية منه، وسحب الاعتراف الدولي به كممثل عن الشعب العراقي، من خلال مخاطبة المجتمع الدولي بمنظماته الفاعلة ودول العالم الكبرى، وحثها على التعامل مع نخبة نظيفة يتم انتقائها من المجتمع العراقي، كممثلين عن الشعب بشكل مؤقت يقودون مرحلة مؤقتة، يتم فيها بناء نظام سياسي جديد، عبر كتابة دستور عراقي جديد على أيدي خبراء عراقيين معروفين بنزاهتهم، ومن ثم اجراء انتخابات بإشراف دولي ليتم تأسيس حكومة وبرلمان يمثلان الشعب العراقي حقيقة لا ادعاء.
كيف يتم الضغط على المجتمع الدولي ليتبنى طروحات العراقيين؟
لنكن صرحاء مع انفسنا، ونقر بحقيقية إن المجتمع الدولي لا يتحرك لمساندتنا ومساعدتنا، إلا إذا توافق ذلك مع مصالحه، وبالتالي يجب أن نتحرك وفق هذه الحقيقة ونعمل بمقتضاها، وأن نرسل رسالة للمجتمع الدولي من خلال هذا العصيان المدني، بأن مصالحكم بالعراق هي مع الشعب العراقي وليس مع هذا النظام، ويتم ذلك من خلال أساليب عديدة منها:
– الضغط على السوق النفطي العالمي واحداث حالة خلل فيه ورفع لأسعاره، عبر إضرابات القطاع النفطي، وخلق حالة من الشلل في انتاج العراق لهذه المادة، الأمر الذي سيلفت نظر الدول المستهلكة للنفط، وتحاول إيجاد حلول لاستمرار تدفق النفط العراقي إليها.
– الاستمرار والمطاولة في العصيان المدني، سيجعل النظام العراقي في حالة شلل وغير قادر على الإيفاء بالتزاماته الدولية، وخاصة مع دول الجوار، فمثلا العصيان المدني قادر على وقف تجارة العراق مع دول الجوار مثل تركيا وإيران والأردن وباقي الدول، من خلال التحاق سائقي الشاحنات بحركة العصيان، أو غلق طرق التجارة البرية والطرق الدولية أمام سير الشاحنات، أو أيقاف أمدادات النفط عبر الشاحنات وعبر الانابيب بمساعدة العاملين والمشرفين عليها.
– تشكيل لجان محلية ومناطقية تنسق بين بعضها البعض، لإدارة فعاليات العصيان، ومحاولة تخفيف آثاره السلبية على المواطنين، وتعظيم آثاره على سلطة النظام.
– تفعيل الجانب الإعلامي لنقل رسالة الشعب الذي يقوم بالعصيان المدني، ونقل رؤيته وأهدافه، للحصول على تعاطف شعبي ورسمي دولي معه.
– فرز عناصر سياسية من منظمي حركة العصيان، للتواصل مع المنظمات الدولية، وحكومات العالم، لتوصيل رسالة الشعب العراقي والضغط عليهم لسحب اعترافهم بهذا النظام والطعن بشرعيته.
ما هي العوامل المساعدة؟
أن تفعيل هذا الأسلوب من النضال، وفي هذا الوقت بالذات، له تأثير أكبر من الأوقات الأخرى، ذلك من خلال استغلال حالة العداء المستفحل بين إيران، والدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة. إيران التي كانت تراهن على تغير الإدارة الأمريكية ومجيئ جو بايدن للرئاسة، اصبح رهانا فاشلا بعد أن أوضحت الإدارة الجديدة، بإنها ماضية في تحجيم هذا النظام. وأحد أهم نقاط تحجيمه، هو تغيير النظام العراقي المرتهن بالكلية لإيران، بالإضافة إلى ذلك، فإن كثير من دول الإقليم لها مصلحة في استعادة العراقيين لحكمهم الوطني والتخلص من إيران، وإن كانت لا تصرح بذلك حاليا، فهذا لا يعني عدم رغبتها في حدوث تغيير إيجابي في العراق. وإذا ما أيقنت تلك الدول، أن الشعب العراقي مصر على تصعيد نضاله وبشكل قوي، فسنرى حتما، دعم تلك الدول، ليس حبا في الشعب العراقي، بل لأن مصالح دولهم تتفق مع تحجيم النظام الإيراني في دول المنطقة وفي العراق خصوصا.
أخيرا، إن الشعوب الحية هي الشعوب التي لا تقبل أن تعيش بالضيم، وتبقى تحاول نيل حريتها ممن سلبها، بكل الوسائل الممكنة، والشعب العراقي هو أحد تلك الشعوب الحية التي تنتمي لتاريخ طويل من الحضارة، ومن المستغرب أن يتم التحكم في بلدهم من قبل نظام متخلف فاسد، فاقد لإرادته كالنظام الحالي الذي يحكم البلد.

