شاهو القره داغي

أعلن زعيم التيار الصدري في العراق (مقتدى الصدر) بأنه قد يصبح في حِلّ من قسمه القاضي بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة ، في حال تأكد أن التيار الصدري سيتمكن من الفوز بالأغلبية و برئاسة الوزراء .
في 22 من نوفمبر الحالي غرد الصدر قائلاً: «إن وجدت أن الانتخابات ستسفر عن أغلبية «صدرية» في مجلس النواب، وأنهم سيحصلون على رئاسة الوزراء، سأتمكن بمعونتكم وكما تعاهدنا معاً من إكمال مشروع الإصلاح من الداخل، سأقرر خوضكم الانتخابات، فالسبب الذي أدى إلى قسمي بعدم خوض الانتخابات سيزول وأكون في حل من قسمي».
وعلى الرغم من امتلاك التيار الصدري لـ 56 نائبا في البرلمان العراقي، وعدة وزارات ، و الأمانة العامة لمجلس الوزراء، و نائب رئيس مجلس النواب، وعدة محافظين، و أكثر من 120 مديرا عاما، و ميليشيا مسلحة، والعديد من السفراء و الوكلاء، والاشتراك في تنصيب رئيس الوزراء، إلا ان زعيم التيار الصدري يرى بأنه يحق له التفكير مستقبلاً بالاستحواذ على منصب رئاسة الوزراء لنفسه و تياره بحجة التمهيد لتحقيق المشروع الإصلاحي الذي يروج له نظرياً بينما لا أساس له على أرض الواقع أو في تصرفات أتباع التيار الصدري او ممثليه داخل مؤسسات الدولة.
المواطن العراقي شعر باليأس و فقدان الأمل عندما سمع بنية الصدر في الحصول على اغلبية برلمانية والفوز برئاسة الوزراء في الانتخابات القادمة. وبدأ الجميع بتخيل حال العراق في ظل سيطرة الصدر على رئاسة الوزراء و التحكم بمفاصل الدولة ، واتفق الجميع على السيناريو المظلم و القاتم للعراق في حال تحقيق هذا السيناريو البائس الذي سيؤدي الى المزيد من الانحدار و الفوضى و الصراعات المسلحة و حكم الميليشيات، وخاصة أن زعيم التيار الصدري الذي يروج للإصلاح، هو نفسه مسؤول عن تفريخ أغلب الميليشيات المتوحشة التي تحولت إلى كابوس بالنسبة للعراقيين. حيث خرجت ميليشيات عصائب اهل الحق و النجباء من تحت عباءة مقتدى الصدر و ميليشياته.
يذكرنا هذا المشهد برواية (1984) للكاتب الإنجليزي جورج أورويل الذي كُتبت عام (1948) ورسم الكاتب من خلاله خيالاً سوداوياً لمستقبل قاتم يهيمن فيه حزب واحد ورؤية واحدة ومنهج واحد و يقيد فيه الحريات و ينتشر فيه صور (الأخ الكبير) الذي يراقب الجميع عن طريق شاشات التلفاز في كل مكان، والجميع يتجسس على الجميع .
حسب رواية اورويل فإن حكومة الأخ الأكبر تتكون من 4 وزارات: وزارة الحقيقة: ومهمتها تزييف التاريخ. ووزارة السلام: و مهمتها الحرب والتحالفات. ووزارة الوفرة: مهمتها التخلص من الانتاج الفائض. ووزارة الحب: مهمتها التعذيب وغسل الدماغ.
والامر الأخطر هو “شرطة الفكر ” التي تراقب و تستبق أي محاولة للتفكير المعارض لتفكير السلطة ، حيث تلاحق الشرطة الناس على الشبهة بسبب امتلاكهم افكاراً مخالفة للنظام.
من الممكن للمواطن العراقي ان يستشرف مستقبل العراق في ظل سيطرة التيار الصدري على مفاصل الحكم عن طريق قراءة رواية (1984) للكاتب جورج أورويل ، حيث ان الاحداث ستكون متقاربة ، وخاصة بالتزامن مع محاولات تمرير مجلس النواب العراقي لمشروع قانون (الجرائم المعلوماتية ) التي يُراد منها قمع الحريات الشكلية الموجودة في العراق و معاقبة كل الأصوات الحرة و منع انتقاد المسؤولين و رجال الدين والسياسيين المتورطين بالفساد بحجة حماية قيم المجتمع.
في ظل سيطرة السيد مقتدى الصدر على مقاليد الحكم و التحكم برئاسة الوزراء ، سيتكفل الميليشيات التابعة له بتعطيل التفكير و استخدام العقل داخل المجتمع العراقي ، وسيحل محل العقل عبارة “طيع و اسكت حبيبي” ، حيث تنتفي الحاجة الى العقل والتفكير و يحل محله الطاعة العمياء للتعليمات و التوجيهات و الأوامر التي تُصدر والتي سيتم تغليفها بغلاف و غطاء ديني لتمريرها بسهولة و تحويلها إلى أوامر سماوية يصعب مخالفتها من قبل المواطنين.
منذ 17 عام وهم يحاولون بكل الطاقات و الإمكانيات و استخدام كل موارد الدولة و المؤسسات الدينية و الأمنية و الاجتماعية لإنشاء جيل جديد مُغيب تماما و مُخدر بالشعارات الدينية و نظرية المؤامرة و خاضع للتوجيهات السياسية و الفتاوى الدينية دون استخدام العقل. وعلى الرغم من سيطرتهم على كل الموارد و استخدام كل أساليب الاغراء و شراء الذمم و استخدام القوة و الإرهاب ، إلا انهم في النهاية تفاجأوا بجيل مختلف تماماً عن ما كانوا يخططون لرؤيته مستقبلا.
يُفكر الآخرون في الجانب الاخر من العالم في طريقة غزو الفضاء و استكشاف المجرات الأخرى و تحويل الخيال إلى واقع فعلي بفضل العلم و التكنلوجيا المتطورة ، بينما في العراق هناك من يسعى ويحاول جاهداً إعادة العراقيين إلى العصور الوسطى و إعادة إحياء الاصنام المقدسة و إسكات الأصوات و إطفاء الانوار للعيش مجدداً في عصر الظلم و الظلام تحت إدارة قائد ميليشياوي لا يمتلك أي مؤهلات سياسية او اكاديمية تؤهله لقيادة قرية واحدة وليس بلد كامل بحجم العراق والتحكم بمصير أكثر من 40 مليون مواطن.
هذه المراحل في تاريخ الأمم من المراحل الطارئة التي يسود فيها الجهل و الغباء و التخلف، وكما كانت البلاد مهد الحضارات ، فإنها تحولت اليوم إلى منبع لقادة الجهل و الفساد . ومن المتوقع ان يحدث الأسوأ في حال سيطرة السيد على كامل مفاصل الدولة ، وهروب كل أصحاب الطاقات والعقول والكفاءات وتحول البلاد إلى قرية متخلفة تفقد كل عوامل ومعالم الدولة السليمة التي يحلم العراقيون برؤيتها مستقبلاً. وهذا يعني أن مشروع الأخ الأكبر يحمل بذور فنائه في داخله، ولا يمكنه الاستمرار إلى الابد بل سيبقى طارئاً و شاذاً على الوضع الطبيعي المأمول من قبل العراقيين.

مقال خاص براسام