أ‌. د. عدنان القطان / باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كان لنشأة الجومرد الأولى المتفتحة على الأجواء الأدبية والوطنية، أثر كبير في اهتماماته التاريخية بعدئذ، لاسيما اهتماماته بالتاريخ العربي الإسلامي، من خلال معالجته لسير وتراجم شخصيات عربية لها دورها في مواجهة المحاولات الرامية الى النيل من هذا التاريخ وتشويهه في العصر العباسي وفي مقدمتها الشعوبية.
وللجومرد مؤلفات منشورة ومخطوطة قسم منها منجز والآخر ليس كذلك بسبب الوفاة التي عاجلته، أما مؤلفاته المنجزة فهي :
أولا : المؤلفات المنشورة :
ا – “الدستور العراقي عام ١٩٢٥ في النظرية والتطبيق”. حصل به على شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس منشور عام ١٩٤١، باللغة الفرنسية.
ب – مأساة فلسطين العربية : أصدره باللغة الفرنسية في باريس عام ١٩٤٥، وقد كان يومئذ رئيسا لجمعية أصدقاء فلسطين.
ج – الاصمعي : حياته وآثاره (١٢٣ – ٢١٧ه/ ٧٤٠ – ٨٣٢م) (بيروت، ١٩٥٥).
د – هارون الرشيد : دراسة تاريخية سياسية بجزئين.
ه – يزيد بن مزيد الشيباني (القائد الأعلى لدولة هارون الرشيد).
و – أبو جعفر المنصور، مؤسس دولة بني العباس.

ثانيا : المؤلفات غير المنشورة :
للجومرد مؤلفات عديدة (مخطوطة) لم تنشر، وقد أطلعنا عليها. فقسم منها منجز والآخر كان في قيد الإنجاز، وندرج عناوينها هنا، وهي :
أولا : تاريخ الموصل
ثانيا : “العراق في طريق الثورة الاجتماعية”
ثالثا “محور النجاة”،
رابعا : سياسة العراق الخارجية
كما كانت لديه فكرة لتأليف كتاب بعنوان “القناديل الثلاثة”.
ونقدم عرضا موجزا لمؤلفات الجومرد، وكما يلي:
ا – المؤلفات المنشورة :

أولا : “الدستور العراقي لعام ١٩٢٥ في النظرية والتطبيق :
يتضمن الكتاب (مدخلا عاما) يتعلق بإعطاء نبذة مختصرة عن تاريخ العراق قبل التحرير العربي الإسلامي وبعده ثم أوضاع العراق العامة خلال العهد العثماني، فضلا عن إعطاء نبذة عن تاريخ العراق المعاصر بعد الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ – ١٩١٨، والعلاقة بين العرب والحلفاء عشية هذه الحرب، وطبيعة الاحتلال البريطاني للعراق، فضلا عن حالة العراق تحت الانتداب، والمعاهدات العراقية – البريطانية (١٩٢٢، ١٩٢٦، ١٩٢٧) المنتهية بمعاهدة (١٩٣٠) ثم “استقلال العراق” عام ١٩٣٢. كما تضمن المدخل فضلا عما سبق آراء المؤلف في مفهوم الدولة العراقية، ووضعها الداخلي مع لمحة تاريخية عن التركيبة الاجتماعية لسكان العراق، مع إعطاء نبذة عن معاهدة ١٩٢٢ وعلاقتها بانتخابات المجلس التأسيسي العراقي. وينتهي مدخل الكتاب المذكور بإعطاء صورة عامة عن مشروع الدستور، في المجلس التأسيسي والتعديلات التي أجريت عليه. وقد اقتصرت الخطة المنهجية للكتاب على أبواب ثلاثة وخلاصة. خصص الباب الأول منها للبحث عن شكل الدولة العراقية، وحقوق السكان في الدستور العراقي لعام ١٩٢٥، وقد تحدث الجومرد في الخلاصة عن الشعب العراقي والتجربة الدستورية، مبينا وجهة نظره في الإصلاحات حسبما معلن في دستور ١٩٢٥.

ثانيا : مأساة فلسطين العربية :
اعتمد الجومرد في مؤلفه على مصادر عديدة، ووثائق أساسية ورسمية متناولا فيه القضية الفلسطينية منذ جذورها الأولى حتى عام ١٩٤٥. وقد قدم من خلاله قضايا أساسية، أهمها أن فلسطين ليس بالإمكان أن تعد “أرضا لليهود” بل إن الصهيونية ليس لها أي حق بفلسطين وأرضها. كما طرح مسألة في غاية الأهمية، وهي أن حل ما يسمى بـ “المسألة اليهودية” على حساب فتح فلسطين العربية (لليهود)، تتعارض مع منطق التاريخ وتطوره. كما فند مزاعم “وعد بلفور” الذي أصدرته الحكومة البريطانية في تشرين الثاني ١٩١٧، لاسيما خلال ارتباطه ببنود الانتداب البريطاني علي فلسطين، ومن خلال تعارضه مع البند (٢٢) من الميثاق سواء ذلك عند إقرار المؤسسات أو عند التطبيق. مؤكدا على وجوب أن يؤدي تطبيق الانتداب في آخر المطاف الى إعطاء الاستقلال لهذا القطر العربي.
وفضلا عن ذلك فقد تصدى الجومرد الى قضية الهجرة الصهيونية “التي كانت ضد الإرادة العربية وضد القوانين التي لم ترع حرمة حقوق سكان عرب فلسطين. وكانت الغاية من الكتاب بالأساس، هي إطلاع الرأي العام الغربي والفرنسي منه بشكل خاص على الجوانب العادلة لكفاح العرب العادل إزاء الغزو الصهيوني الجديد المتحالف مع الامبريالية بغية الحفاظ على هوية فلسطين العربية. يعد هذا الكتاب من طلائع الكتب التي صدرت في تلك الفترة عن القضية الفلسطينية باللغة الفرنسية، ونال اهتمام الصحافة الفرنسية والعراقية، في وقت كان الصهاينة ينتهزون أية فرصة للدعاية وتزييف الحقائق.

ثالثا – الأصمعي حياته وآثاره :
يتضمن الكتاب كلمة للجومرد، ومقدمة سماها بـ “نظرة في تاريخ البصرة من ١٤هـ – ٢١٧هـ”، من حيث بناؤها وعمرانها ونهضتها الاقتصادية وحركتها الفكرية. وتطرق الى دور الشعوبية وأخطارها على العروبة والإسلام. وجاء في الكلمة تقديما للكتاب أن الأصمعي لم يكن مجهولا لدى قراء العربية، كما لم يكن في حياته محايدا ولا منطويا على نفسه وعلمه وأدبه، بل كان عضوا فعالا في مجتمعه غزير الحيوية متدفق النشاط واسع الحركة.
فقد تصدى للشعوبيين في محاولاتهم لطمس معالم الشخصية ودورها الروحي والقومي الأصيل في صراع فكري عنيف.
احتوى الكتاب على ستة أقسام، كان الأول منها مخصصا لمولد الأصمعي ونشأته ودراسته وأساتذته. وتضمن الثاني شخصيته وأخلاقه والثالث مكانته العلمية. أما القسم الرابع فكان للحديث عن الأصمعي في دار الخلافة (١٧٣هـ – ١٨٧هـ)، مبرزا فيه أثره في مصرع البرامكة. وخصص الخامس للحديث عن المرحلة الأخيرة من حياة الأصمعي. وتعرض في القسم السادس لدراسة مؤلفاته وشعره ورواياته.
وكان الجومرد يهدف فيه الى ابراز خصائص الأصمعي وجهوده في خدمة اللغة العربية وآدابها، مما أعطاه مكانة خاصة في عصره، وعده أحد الأبطال العرب في الدفاع عن القومية والعروبة.

رابعا : هارون الرشيد : “دراسة تاريخية اجتماعية سياسية”
يعد الخليفة هارون الرشيد الشخصية الأولى في سلسلة الشخصيات التاريخية التي نالت اهتمام الجومرد، وكتابه عنه في جزئين جعله في مدخل وتسعة أقسام. تضمن الجزء الأول منه المقدمة وأربعة أقسام منها. وقد بين الجومرد الأسباب التي دعته الى الكتابة عن شخصية الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي عده ضحية لافتراءات الشعوبية، التي شوهت سجل حياته، وخلقت من شخصه اسطورة تلتف حولها نوادر المجون والخلاعة. في حين كان الرشيد حريصا على الاهتمام بشؤون الدولة العربية الإسلامية. ورؤيته لسيادة العرب تكاد تحتضر بين أيدي أناس يحوكون حولها الدسائس حتى تدارك الأمر بنفسه ووضع أخيرا حدا لدسائسهم على العروبة والإسلام.
وتضمن الكتاب توطئة تحدث فيها الجومرد عن المنافسة بين بني هاشم وبني امية على القيادة، وظهور الدعوة العباسية وقيام دولة بني العباس وبناء بغداد. وتضمن القسم الأول مولد هارون الرشيد ونشأته، وخصص القسم الثاني عن ولاية العهد والخلافة للرشيد، أما القسم الثالث فكان عن بداية خلافته، ثم تحدث في القسم الرابع عن شخصية الرشيد.
أما الجزء الثاني فقد تضمن الأقسام الخمسة الباقية من الكتاب، وقد تحدث في القسم الخامس منها عن الحركة الفكرية من علوم وآداب في أيام الرشيد. وكان القسم السادس للبحث في أنظمة دولة الرشيد، وتضمن السابع البحث في سياسة دولة الرشيد الداخلية والخارجية، في حين خصص القسم الثامن للبرامكة والأسباب التي دعت الرشيد الى استئصال شأفتهم. أما القسم التاسع فكان عن دور الرشيد في إدارة الدولة بأسلوب عربي ثم مرضه وموته.

خامسا : يزيد بن فريد الشيباني، القائد الأعلى لجيوش دولة هارون الرشيد.
يعد هذا المؤلف من أبرز مؤلفات الجومرد التاريخية، وهو يتضمن مقدمة وثمانية فصول. أوضح الجومرد في المقدمة أن سيرة يزيد بن فريد الشيباني الذي يعد رمزا من رموز القادة الذين يفخر بهم تاريخ الامة العربية، يمكن أن يقتدى بها في النضال والكفاح والتحرر والذود عن الكرامة في حاضرنا. ولقد استهدف الجومرد بمؤلفه هذا التعمق في التاريخ العربي وتحقيق التفاعل بين الماضي والحاضر لتأخذ الامة مكانتها بين الأمم الأخرى والناهضة التي تعمل على دفع الشر والأذى عن نفسها، وتجتهد في غرس قيم الخير وخدمة الإنسانية جمعاء.
يحتوي الكتاب على مقدمة وستة فصول وخاتمة. وجاء في المقدمة : ان أبا جعفر المنصور هو أبرز خلفاء بني العباس ومؤسس دولتهم، وهو، “من ألمع دهاة العرب” دفعت به الأقدار في مرحلة صعبة من المراحل التاريخية للامة العربية حين أخذت الأخطار تعصف بكيان الدولة العباسية في بداية تأسيسها فجعلت المنصور بمستوى تحدي هذه الأحداث، متحليا ببعد نظر وصبر وبصيرة سياسة نادرة. وقد ذكر الجومرد أن سيرته “سيرة رجل في امة ترينا كيف يكون البذل والجهد وكيف تصنع البطولات وتساس الأمم والشعوب وتقام المفاخر، بل سيرة تعطينا قيمة الفرد في مجتمعه”.
يعد مؤلف الجومرد هذا من المؤلفات القيمة، لما استند عليه من مصادر أساسية ومراجع عربية واجنبية فرنسية وانكليزية. وقد جسد في مؤلفه سيرة المنصور الذي شهد له التاريخ “بأنه أحد أبطال التاريخ العربي الخالدين ودهاة سياسة الامة وبناة أمجادها، وقد تتبع الجومرد بعمق وإدراك الحقائق مبرزا دور المنصور في الدفاع عن العروبة والإسلام”.
لقد امتازت مؤلفات الجومرد المنشورة بجمال الأسلوب وسلاسته، وبتحليله العميق والمدروس للأحداث والوقائع التاريخية. فقد كان يجمع بين المصادر الأساسية العربية ويعتمد عليها كالمسعودي والجاحظ وغيرهم، ويستطلع في الوقت نفسه الأخبار ويدرس ويحلل أراء النقاد والمؤرخين – كما سنرى في مقال خاص عن الأبعاد في كتاباته التاريخية، بعد أن نعرض مؤلفاته الغير منشورة -.