شاهو القره داغي 

 

شهد العراق خلال الأيام الماضية عدة حوادث سياسية و أمنية و عسكرية ، أكدت مجدداً و بشكل واضح وجود ازدواجية كبيرة لدى أجهزة الدولة و الأجهزة الأمنية في التعامل مع المجرمين، وخاصة عندما تتجنب مؤسسات الدولة توصيف الفعل الاجرامي بالإرهابي خوفاً من ردة الفعل السياسية للكتل و الأحزاب التي توفر الغطاء السياسي للمجاميع الإرهابية التي تُمارس العنف و الإرهاب في المجتمع العراقي بشكل مستمر.

تحاول الميليشيات و المجاميع المسلحة و الأطراف التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة استعراض قوتها و إمكانياتها عن طريق ممارسة الإرهاب والقصف بالصواريخ لإثبات وجودها و إرسال رسائل سياسية للأطراف الداخلية و الخارجية لتؤكد من خلالها على قدرتها على استهداف خصومها في أي مكان ، وخاصة في ظل العجز الحكومي عن ملاحقة و مواجهة هذه الميليشيات التي أصبحت تمتلك حصانة كاملة تحميها من الملاحقة القانونية. حيث تتباهى الميليشيات بامتلاكها حصانة شرعية ودينية عن طريق التذكير المستمر بفتوى المرجع الشيعي علي السيستاني بخصوص تأسيس ميليشيات الحشد الشعبي، بالإضافة إلى الحصانة السياسية التي توفرها الأطراف السياسية التي تُمثل الحشد الشعبي في البرلمان العراقي وداخل العملية السياسية ، والتي تُعرقل أي جهد حكومي لتحجيم قوة الميليشيات بحجة التخويف من وقوع الحرب الاهلية و الصدام الشيعي- الشيعي و إضعاف المكون الشيعي في العراق.

تورطت ميليشيات الحشد الشعبي قبل أسابيع بإطلاق ستة صواريخ من موقع قرب الموصل على  مطار أربيل الدولي في استهداف واضح للقوات الامريكية المتمركزة في المطار حسب المسؤولين في إقليم كردستان. وقد أخطأت الصواريخ أهدافها لكنها لم تسبب وقوع إصابات بشرية . كانت العملية رسالة واضحة من وكلاء إيران بأنهم قادرون على ازعاج مصالح الولايات المتحدة الامريكية في كامل العراق وليس في بغداد وحدها ، وخاصة أن الهجوم جاء بعد يوم واحد من تلويح أمريكي بإمكانية إغلاق سفارتها في بغداد و الانتقال إلى أربيل والعمل من هناك .

وفي يوم السبت 17 أكتوبر الحالي أقدم المئات من أنصار ميليشيات الحشد الشعبي الموالي لإيران على إحراق و تخريب و تدمير مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد رداً على دعوة المسؤول التنفيذي الأول للحزب “هوشيار زيباري” قبل أسبوعين الحكومة العراقية إلى “تنظيف المنطقة الخضراء من التواجد الميليشياوي الحشدي باعتبار الحشد قوة خارجة عن القانون “.

وعلى الرغم من الإعلان المسبق عن نية الهجوم على المقر و حرقه من قبل الميليشيات و نشر الدعوات لأنصارها للمشاركة عبر المواقع الخاصة بها ، إلا ان القوات الأمنية فشلت في منع هذه المجاميع من تنفيذ تهديداتها و ضلت تتفرج على مشاهد الاجرام داخل العاصمة دون أن تتدخل و تمنع العناصر الميليشياوية من القيام بتدمير المقر و حرقه ، في مشهد واضح على نفوذ و قوة و سيطرة عوامل اللادولة على مؤسسات الدولة الرسمية التي باتت تظهر في حالة ضعف و هوان في مثل هذه المواقف الخطيرة .

وفي نفس اليوم انصدم العراقيون بمجزرة أخرى لميليشيات الحشد الشعبي ، عندما عثرت شرطة محافظة صلاح الدين على 8 جثث لعراقيين اختطفوا مع 4 آخرين ، وقد وقعت الجريمة في مناطق سيطرة ميليشيات عصائب أهل الحق التابعة لقيس الخزعلي  – وهي إحدى المكونات الرئيسية التي تُشكل ميليشيات الحشد الشعبي-.

تحولت المناطق المُحررة من داعش إلى مناطق مُدمرة مليئة بالإرهاب و الخوف و العمليات الانتقامية ، حيث يخشى المواطنون العودة إلى مناطقهم في حال تم السماح لهم لأنهم سيعيشون في نفس الظروف التي كانت موجودة في ظل تنظيم داعش ، وخاصة أن الميليشيات تنظر إلى مواطني هذه المناطق بنظرة طائفية مليئة بالحقد و الانتقام و تتنقص الفرص لإبادة المواطنين و قتلهم بأبشع الطرق كما حصل في حادثة الفرحاتية  في صلاح الدين و التي لم تكن الجريمة الأولى و لن تكون الأخيرة في ظل بقاء الميليشيات في هذه المناطق .

حادثة استهداف مطار أربيل الدولي و جريمة الفرحاتية و احراق وتدمير المقرات الحزبية و القصف المستمر لو وقعت على يد جماعات أخرى غير الميليشيات لتم اعتبارهم جماعة إرهابية و لتدخلت الأجهزة الأمنية بكل قوة و أعلنت عن اعتقال المجرمين بسرعة فائقة و قدمت الفاعلين إلى العدالة و كشفت عن هوياتهم دون أي تردد، ولكن ميليشيات الحشد الشعبي و وكلاء إيران في العراق يملكون الحصانة الكاملة التي تمنع ملاحقتهم قانونياً وهذا يعني أن الإرهاب في العراق الحالي يمتلك حصانة سياسية و دينية.

بإمكان أي جماعة إرهابية ممارسة كل أنواع الجرائم و الاستهداف الطائفي و عمليات الحرق والتدمير و القصف بكل حرية و دون أن تتعرض للملاحقة و العقوبات بشرط أن تمتلك تمثيل سياسي في البرلمان أو داخل العملية السياسية مثل ميليشيات الحشد الشعبي التي أصبحت تُمارس نشاطات سياسية و أمنية و عسكرية و اقتصادية في أغلب المحافظات العراقية.

الأجهزة الأمنية و الحكومية و اللجان التحقيقية التي تتشكل يومياً و القضاء و المؤسسات الأخرى جميعها عاجزة عن توجيه أصابع الاتهام إلى الميليشيات الولائية بسبب الحصانة التي تحمي هذه الميليشيات من المحاسبة او المسائلة او الملاحقة من أي جهة كانت، وهذا يوضح أن مستقبل العراق قاتم في ظل استمرار هذه المنظومة السياسية الفاسدة القائمة على المحاصصة والتي تُرسخ هذا النوع المنحرف من الحكم و إدارة الدولة.

لا يمكن تحقيق الاستقرار و التطور و إعادة بناء الثقة بين المواطنين و المنظومة السياسية في ظل هذه الازدواجية التي يتم تبنيها من قبل الدولة في التعامل مع الجرائم و الإرهاب، وخاصة بعد انتهاء الحرب على داعش. حيث يتطلب هذه المرحلة تعاملاً حساساً و دقيقاً من قبل الدولة لإنهاء مظاهر الظلم و الإجرام و التعامل بصورة متساوية و عادلة مع جميع العراقيين بغض النظر عن هوياتهم او طوائفهم او مذاهبهم ليتحقق العدالة و السلم المجتمعي و يعود التعايش و السلام مجدداً.

يجب تجريد الميليشيات و العصابات المسلحة و الاذرع العسكرية للأحزاب السياسية من الحصانة الممنوحة لهم، سواءً كانت الحصانة دينية او سياسية او قانونية  وإبراز قوة الدولة في التعامل مع تصرفات الميليشيات كتعاملها مع باقي الجماعات من الطوائف الأخرى. وفي حال عدم تحقيق هذا الامر فإن العراق ذاهب للأسوأ من الناحية السياسية و الأمنية و الاجتماعية و ستغيب الدولة ويترسخ حكم الميليشيات بشكل أكبر و أوسع .

 

 

مقال خاص براسام