الباحث: حسين صالح السبعاوي

يعد التحالف البريطاني – الأمريكي من أقوى التحالفات الدولية التي أُنشأت أثناء الحرب العالمية الأولى ١٩١٧ وقد أُنشأ هذا التحالف ليكون على حساب أوروبا والسيطرة على المنطقة العربية وخاصة العراق ودول الخليج العربي وقد تأسس هذا التحالف على التعاون الإستراتيجي في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن.
ولم نجد أي خلاف وقع بين الدولتين طيلة المائة عام المنصرمة في هذه المجالات الثلاث، ففي:
١- الجانب السياسي: كما هو معلوم فإن الدولتين عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، وطيلة عضويتهما لم نر أي خلاف بينهما في قرارات مجلس الأمن، ولم تستخدم أي دولة منهما الفيتو ضد الأخرى سواء على مستوى القضية الفلسطينية أو فيما يخص احتلال العراق ومحاصرته عام ١٩٩٠ أو في جميع القضايا العربية بالدرجة الأولى والدولية بالدرجة الثانية، على خلاف بقية الأعضاء الدائميين في المجلس، بل إن بريطانيا قد تخلت عن الكثير من المصالح مع الدول الأوروبية من أجل الحفاظ على تحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقابلتها الولايات المتحدة بنفس الأسلوب من أجل الحفاظ على هذا التحالف الإستراتيجي.
٢- الجانب الاقتصادي: تمثل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر سوق تصدير منفرد في بريطانيا، حيث بلغ إجمالي تجارة الواردات والصادرات بين بريطانيا وأمريكا إلى أكثر من ١٠٧ مليار دولار في عام ٢٠٠٧، وتشترك الولايات المتحدة وبريطانيا في أكبر شراكة استثمار أجنبي مباشر في العالم. وقد بلغ إجمالي الاستثمارات الأمريكية المباشرة في المملكة المتحدة ٣٢٤ مليار دولار عام ٢٠٠٥، في حين بلغ الاستثمار البريطاني المباشر في الولايات المتحدة ٢٨٢ مليار دولار.
قال وزير الخارجية الأمريكي عام ٢٠١٣: ” لسنا أكبر مستثمرين لبعضنا البعض في كل من دولتينا فحسب، فالحقيقة أن ما يقارب المليون مواطن أمريكي يذهبون للعمل في بريطانيا لصالح الشركات الأمريكية الموجودة في المملكة المتحدة، لذلك فنحن مرتبطين معاً بشكل واضح يجعل العلاقات بيننا أكثر قوة”.

إن العلاقة الاقتصادية بين أمريكا وبريطانيا تأسست بشكل قوي أثناء الحرب العالمية الثانية عندما تعاونا على تأسيس (مركز تموين الشرق الأوسط ) عام ١٩٤١ في القاهرة لتخفيف المصاعب الاقتصادية التي واجهتها بريطانيا في الشرق الأوسط، وقد ساهمت الولايات المتحدة بإدارة هذا المركز عام ١٩٤١ وتمكنت عن طريق المركز الإشراف الكامل على المنطقة، وقد اعتمدت أمريكا على قانون الإعارة والتأجير الأمريكي، ويلاحظ أن سياسة أمريكا اتجهت وفق هذا القانون خلال سنوات الحرب نحو دعم بريطانيا إدراكاً منها بأن أي انهيار لبريطانيا يمثل خطرا على أمنها.
لا شك أبدا في أن بريطانيا قدمت مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة على مصالحها مع الاتحاد الأوروبي رغم أن بريطانيا جزء من أوروبا وليست جزء من القارة الأمريكية، ولهذا السبب لم تنضم بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي إلا بعد فترة طويلة على تأسيسه.

٣- الجانب الأمني والعسكري: بدأ التحالف العسكري بين بريطانيا وأمريكا منذ الحرب العالمية الأولى عندما انحازت الولايات المتحدة لدول التحالف التي كانت تضم بريطانيا، وكاد دول المحور أن تنتصر على الحلفاء لو لا دخول أمريكا الحرب مع الحلفاء ضد دول المحور، وكادت أن تسقط بريطانيا بيد ألمانيا لولا تحالفها مع الولايات المتحدة التي بدخولها الحرب حسمت المعركة وكان النصر حليف الحلفاء عام ١٩١٧، كما دعمت الولايات المتحدة التوسع البريطاني في منطقة الشرق الأوسط على حساب الدولة العثمانية مما سهل لبريطانيا احتلال أغلب دول المنطقة بما فيها العراق عام ١٩١٦ وتدمير الدولة العثمانية، وهكذا استمر التحالف بينهما في الحرب العالمية الثانية التي انتهت بهزيمة ألمانيا وحلفائها وكذلك لولا دخول أمريكا الحرب عام ١٩٤٣ مع بريطانيا لكانت بريطانيا قد سقطت واحتلتها ألمانيا وحلفائها.

حلف الشمال الأطلسي (NATO )
تأسس الحلف عام ١٩٤٩ بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومعها في بداية التأسيس ١٢ دولة أوروبية من ضمنها بريطانيا، والآن أصبح عدد أعضاء الحلف ٣٠ دولة قابلة للزيادة لكن جميع هذه الدول لا تملك القرار السياسي والأمني في الحلف سوى أمريكا وبريطانيا ،أما البقية فمجرد أعضاء وليس لهم أي دور قيادي بما فيهم فرنسا التي تعتبر العضو المؤسس الثالث للحلف، ورغم أن الحلف قد تبنى الدفاع عن جميع أعضائه إلا أن القرار فيه أمريكي – بريطاني بإمتياز، والذي يرسم سياسات حلف الناتو هما الاثنان فقط، وقد عارضت فرنسا هذه السياسة في إدارة الحلف وأثارت الشكوك حول قوة العلاقة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، إلى جانب الشكوك حول مصداقية دفاع الحلف لبقية الأعضاء خاصة من قبل الإتحاد السوفيتي آنذاك، مما أدى هذا الخلاف إلى اعتماد فرنسا على تطوير الردع النووي الفرنسي المستقل وانسحابها من الهيكل العسكري لحلف الناتو عام ١٩٦٦ وبقيت لمدة ٣٠ عاما خارجه ثم عادت إلى الحلف بعد سقوط جدار برلين في أوروبا.
من هنا ندرك حجم وقوة التحالف الأمني بين بريطانيا وأمريكا وأثره على المنطقة العربية وخاصة العراق.

العراق بين احتلالين:
تعرض العراق لاحتلالين في تاريخه الحديث، الأول من قبل بريطانيا عام ١٩١٧ وقد دعمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الاحتلال باعتبارها عضوا في دول التحالف في الحرب العالمية الأولى واستمر هذا الدعم الأمريكي إلى أن أعلن العراق استقلاله عام ١٩٣٢ وأصبح عضوا في عصبة الأمم، ولم يقتصر هذا الدعم الأمريكي على الجانب العسكري فحسب، بل كان دعما متكاملا سياسيا واقتصاديا كما هو الحال في سبب تأسيس مركز تموين الشرق الأوسط الآنف الذكر. أما الاحتلال الثاني فقد وقع عام ٢٠٠٣ من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا، وقد انفرد هذين الحليفين بعيدا عن قرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة في هذا الاحتلال، ودون وجود قرارات دولية تسمح لهما بالقيام بأعمال عسكرية ضد العراق ناهيك عن احتلاله.

رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية قامت بتشكيل تحالف دولي ضم أكثر من ٣٠ دولة إلا أن هذه الدول كانت مجرد واجهة لتبرير الاحتلال، بدليل حجم القوات المشاركة في هذا التحالف الذي بلغ عددها في الأعمال العسكرية ١٧٧ ألف جندي منهم ١٣٠ ألف جندي أمريكي، و٤٥ ألف جندي بريطاني – أي ١٧٥ ألف جندي من أمريكا وبريطانيا – أما الألفين الباقيين من القوات فكانت موزعة على الثلاثين دولة المشاركة في (التحالف) المزمع.

لماذا التحالف البريطاني – الأمريكي متماسك؟
هناك عدة عوامل جعلت التحالف البريطاني -الأمريكي متماسكا طيلة هذه الفترة التي تجاوزت المائة عام منها:
١- العامل الديني: كلاهما ينتميان إلى الكنيسة الإنجليكية والتي هي فرع من الكنيسة البروتستانتية التي تعتبر المصدر الديني لكليهما رغم وجود انتماءات أخرى لبقية الكنائس المسيحية مثل الكاثوليكية، لكن تعتبر الإنجليكية – البروتستانتية هي المرجع الديني الرسمي لهما وتمثل الأغلبية من ديانة الشعبين.
٢- عامل اللغة: كلاهما ينطقون باللغة الإنجليزية التي تعتبر اللغة الرسمية لكلا الدولتين.
٣- المصالح المشتركة: بني التحالف الإستراتيجي بينهما على أساس المصالح المشتركة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.
٤- التاريخ المشترك: إضافة لعامل اللغة والدين هناك تاريخ مشترك بين الدولتين مثل النظام القانوني المشترك، وروابط القرابة التي تعود إلى مئات السنين، وتشمل سلالات القرابة والأجداد بين الأمريكيين والإنجليز، الأمريكيين والأسكتلنديين، وكذلك الإيرلنديين والوليزيين، حيث تعيش أعداد كبيرة من المغتربين في كلا الدولتين في وقتنا الحالي.
عززت الولايات المتحدة وبريطانيا هذه الروابط ذات الجذور العميقة خلال الحرب العالمية الثانية فيما عرف بـ”العلاقات الخاصة” أثناء الحرب العالمية، وقد وصف المؤرخ بول جونسون هذه العلاقة اعتماداً على المنظور بعيد المدى بأنها ( حجر الزاوية للنظام العالمي الحديث والديمقراطي)، كما أكدت بريطانيا في أوائل القرن العشرين علاقتها مع الولايات المتحدة باعتبارها “أهم شراكة ثنائية” في تاريخ الدولتين.

ما الذي نتج عن التحالف البريطاني – الأمريكي؟
١- تدمير الدولة العثمانية وإنهاء وجودها في أوروبا والدول العربية.
٢- احتلال العراق بشكل مباشر ودول الخليج العربي واليمن ومصر والسودان بشكل غير مباشر.
٣- تفكيك الوحدة الأوروبية وسلب قرارها الأمني والسياسي من خلال الهيمنة على حلف شمال الأطلسي وعدم السماح لها بتشكيل مؤسسة أمنية تحمي الوحدة الأوروبية.
٤- تفكيك الإتحاد السوفيتي وتحويله إلى مجموعة دول ضعيفة متناحرة يصعب على روسيا الآن توحيدها، وتدمير حلف وارسو الذي كان يحمي الإتحاد السوفيتي وحلفاءه.
٥- الوقوف في وجه التمدد الصيني الآن وقطع الطريق لأي محاولة لإعادة الثنائية القطبية، وقد أضيفت أستراليا للتحالف البريطاني – الأمريكي الآن والذي يطلق عليه ( اوكوس) لمواجهة أي محاولة من الصين أو من فرنسا وتقويض نفوذهما في المنطقة.

مقال خاص براسام