الباحث: حسين صالح السبعاوي
أحاطت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين بلاسخارت مجلس الأمن الدولي في الرابع من تشرين الأول الجاري بتقريرها الدوري عن أوضاع العراق السياسية والأمنية والاقتصادية، ورغم فقدان الشعب العراقي الثقة بتقارير بلاسخارت المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي باعتبارها – بلاسخارت – جزءا من المشكلة بسبب انحيازها للقوى السياسية ضد مصالح الشعب العراقي وتطلعاته نحو حكومة وطنية بعيدا عن الفساد والمحاصصة الطائفية والحزبية ، إلا أنه في هذا التقرير قد ذكرت ممثلة الأمين العام نقاط مختلفة عما كانت تذكره في تقاريرها السابقة سواء في الشأن السياسي أو الأمني والاقتصادي وهنا لابد من الإشارة إلى أهم ما جاء في هذا التقرير المختلف عما سبقه من تقارير:
١- لقد قدمنا الكثير من المبادرات والنصائح للقوى السياسية في العراق، لكن للأسف كان دون جدوى مع غياب الشعور بالمسؤولية الوطنية لجميع القوى المتناحرة اتجاه العراق.
٢- استخدمت القوى السياسية جماهيرها بالنزول إلى الشارع، حيث بدأ مؤيدو الأحزاب السياسية، وكثير منهم مسلحون ينشطون بشكل متزايد، ولم يكن المرء بحاجة لكرة بلورية ليتنبأ بما يمكن أن يفضي اليه ذلك الوضع. في إشارة إلى أن الوضع خطير وواضح لا يحتاج إلى تنبأ أو أي تحليل.
٣- إن انعدام الثقة بين السياسيين يديم اللعبة الصفرية، وهي لعبة يتم فيها تجنب الالتزام بحلول ملموسة، مما جعل فرص النجاح معدومة.
٤- أكدت بلاسخارت أن العراق يمر بمخاطر حقيقية للغاية سيؤدي إلى وقوع مزيد من الفتن وسفك الدماء، وأشارت أيضا إلى أن “خيبة الشعب العراقي بالقوى السياسية قد وصلت عنان السماء”، وهذه إشارة إلى أن العملية السياسية تعيش حالة انفصام ما بينها وبين الشعب العراقي.
٥- أكدت أيضا أن الانسداد السياسي سيد الموقف ولا يوجد بوادر لأي انفراج بسبب تعنت الأطراف السياسية مع غياب الإحساس بالمسؤولية.
٦- وفي الجانب الاقتصادي ذكرت أن ” الفساد هو سمة أساسية للاقتصاد العراقي الحالي، وهو متغلغل في كافة مؤسسات الدولة، وهذا أمر مقرٍّ به على نطاق واسع”.
٧- وفيما يخص الانتخابات فقد شككت ممثلة الأمين العام حول الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة وعزت ذلك إلى عدة أسباب ( عدم قدرة ممثلية الأمم المتحدة مراقبة الانتخابات، وكيفية إقناع الناخب العراقي على أن الانتخابات القادمة ستكون وطنية ، وهو يرى نتائج الانتخابات الحالية، وعدم الاطمئنان للقوى السياسية القبول بنتائج الإنتخابات ومن ثم عودة الصراع بينهما كما هو الآن ) .
هذه أهم النقاط التي جاء بها تقرير بلاسخارت والذي شمل السياسة، والأمن، والإقتصاد وقد اختلف تقييمها لهذه النقاط أعلاه عما كانت تذكره في التقارير السابقة التي كانت تقدمها للمجلس.
من الجدير بالذكر أن هذا التقرير قد تجاهل قضايا حقوق الإنسان في العراق مثل التغييب القسري، والمعتقلين، والمهجرين والنازحين، مع غياب تام لعمليات التغيير الديموغرافي الذي تمارسه الحكومات المتعاقبة في بغداد منذ ٢٠٠٣ وإلى الآن، لكن ومع هذا الاجتزاء في التقرير إلا أنه أغلق الباب لأي محاولة إصلاح للمنظومة السياسية في العراق سوى إشارتها لدعوة الحوار التي تبناها رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي والتي يرفضها الإطار التنسيقي جملة وتفصيلا بل الإطار يعتبر أن الكاظمي هو جزء من المشكلة ولن يكون جزءا من الحل.
عندما يصف تقرير الأمم المتحدة بأن العراق يعيش حالة انسداد سياسي ولا يوجد في الأفق أي انفراج، مع فوضى أمنية، وفساد عام مستشر في كافة مفاصل الدولة، مع الإشارة إلى أن الانتخابات ما عادت هي الحل لهذه المشاكل، وأن القوى السياسية لا تملك أدنى إحساس بالمسؤولية، وشعب قد فقد الثقة مطلقا بالعملية السياسية، فماذا يعني ذلك؟
يعني: أن ممثلة الأمين العام قد وضعت الكرة في ملعب المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمن، كما وضعت العملية السياسية في مهب الريح، وقطعت الطريق على أي محاولة لتجميلها تحت غطاء الاصلاح أو تبرير ما يجري في العراق منذ ٢٠٠٣ والى الآن بسبب الممارسات اللامسؤلة من قبل الأحزاب ومليشياتها، وهذا يؤكد أن العراق بحاجة ماسة إلى عملية سياسية جديدة بعيدا عن المحاصصة الحزبية والطائفية ، تعتمد مبدأ المواطنة في إدارة الدولة، والكفاءة والنزاهة في تولي المسؤولية في مواقع الدولة، وهذا يتطلب من القوى السياسية الوطنية تجاوز الخلافات الفرعية فيما بينها لتصبح ممثلا شرعيا للشعب العراقي حتى يلتف حولها عموم الشعب والسير نحو هدف استراتيجي واحد وهو الخلاص من العملية السياسية الطائفية التي دمرت العراق ونهبت خيراته.
ويبقى السؤال: هل ما يسمى بالمجتمع الدولي جاد في مساعدة الشعب العراقي وانقاذه من هذه العملية السياسية بعد هذا التقرير؟
الجواب: أعتقد ما زال الشك ينتاب الشعب العراقي بجميع قواه السياسية الوطنية بأن المجتمع الدولي – وخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا – راغب في إحداث أي تغيير حتى لو توفر الرفض الشعبي بشكل قاطع وذلك بسبب تضارب التغيير مع مصالحه سواء في العراق أو في عموم المنطقة.
مقال خاص براسام

