شاهو القره داغي

بالتزامن مع استقبال العراق لآلاف الزوار الايرانيين القادمين للمشاركة في زيارة الاربعينية، اعلنت فصائل “الحشد الشعبي” عن احباط مخطط لحزب البعث جنوبي البلاد، يستهدف المراسم الدينية لأربعينية الإمام الحسين التي تصادف منتصف الشهر الحالي، والتي يشارك فيها مئات الآلاف من داخل العراق وخارجه قادمين إلى مدينتي كربلاء والنجف.
ذكر بيان “الحشد الشعبي” أن “عملية استباقية واسعة، تم من خلالها إحباط مخطط معاد ضد أمن بلدنا وزيارة الأربعين يقوده حزب البعث المحظور” مع تأكيد الحشد على اعتقال “شبكة فاعلة، منهم أعضاء قيادات قطرية وقيادات فروع وشعب” في حزب البعث العراقي.
كان تفاعل الشارع العراقي سريعاً مع إعلان الحشد الشعبي، وخاصة أنها جاءت بعد الأحداث الدموية التي شهدتها العاصمة بغداد ومحافظة البصرة عندما واجهت عناصر الحشد الشعبي المتظاهرين السلميين من أنصار التيار الصدري بالرصاص الحي ما أدى إلى وقوع عشرات الضحايا ومئات الجرحى في صفوف المدنيين.
لم يقدّم الحشد الشعبي معلومات تفصيلية عن هذا المخطط والمشاركين فيه، كما أن باقي الأجهزة الأمنية والاستخبارات لم تنشر معلومات عن هكذا مخطط (خطير) يستهدف زوار الاربعينية، مما زاد من الشكوك حول صحة بيان الحشد الشعبي. كما أن الصور المنشورة من قبل الحشد الشعبي أظهرت مجموعة من الأدوات البدائية مع مبلغ بسيط من المال لا يمكن من خلالها إدارة مخطط تخريبي يستهدف الزوار في أربع محافظات كما تدعي الحشد الشعبي.
من جهتها سارعت الأطراف التابعة للميليشيات إلى مباركة العملية وتصويرها كإنجاز أمني عظيم للحشد الشعبي، حيث أعلن أبو آلاء الولائي زعيم ميليشيا كتائب سيد الشهداء عن مباركة العملية واعتبرها دليلا على القدرات العالية لتشكيلات الحشد الشعبي التي جعلت منه سدا منيعا لأمن العراق وشعبه ومقدساته، وأعلن النائب عن ميليشيا عصائب أهل الحق “علي تركي الجمالي” بأن
‏”عناصر الخلايا البعثية التي تم إلقاء القبض عليها من قبل قوات الحشد الشعبي عادوا من كردستان ودول الجوار لاستهداف الزيارة الاربعينية في أربع محافظات”، وأشادت النائب عن “دولة القانون” عالية نصيف، بالعملية ووصفتها بـ”صولة حشدنا المبارك والتي أطاحت بمخطط بعثي، مؤكدة على أنه “في كل مرة يثبت الحشد أهمية بقائه ووجوده”.
من خلال البحث عن الاسماء التي تم اعتقالها من قبل الحشد الشعبي بتهمة الانتماء إلى حزب البعث والتخطيط لاستهداف زوار الاربعينية يتضح أنها اسماء لأساتذة جامعيين وحقوقيين وشيوخ عشائر وشخصيات معروفة داخل المجتمع ولديها آراء وتوجهات معينة قد لا تتوافق مع رؤية الميليشيات والفصائل المنتشرة في المحافظات العراقية، ومن هنا يتضح أن الحشد الشعبي يعمل على تحقيق مجموعة من الأهداف من خلال هذا الإعلان وخصوصًا في هذا التوقيت ومنها:
أولا: محاولة جدية لإعادة بناء سمعة وصورة الميليشيات داخل المجتمع العراقي بصورة عامة والشيعي بصورة خاصة، بعدما تورطت هذه الجماعات المسلحة بصورة مباشرة في قمع أنصار التيار الصدري واستخدام كل وسائل العنف ضد المتظاهرين السلميين للمرة الثانية بعد أحداث تشرين والتي ساهمت في تغيير نظرة المواطنين لفصائل الحشد الشعبي بصورة جذرية، حيث عملت الفصائل المسلحة خلال الفترة السابقة على تقديم نفسها كحامية للمجتمع من خطر تنظيم داعش وحصرت وظيفتها بمحاربة التنظيم ومنع عودته، إلا أن الأحداث الأخيرة نسفت هذه الصورة وأكدت أن سلاح الفصائل مسخر لحماية المقرات والمصالح الحزبية للشخصيات السياسية وتحقيق الأجندة الخارجية على حساب مصالح المواطنين، وهي تعمل جاهدة على إعادة بناء سمعة الحشد وتصويرها مجددا على أنها الحصن الأخير للمجتمع ضد داعش والبعث والمخططات الخارجية.

ثانيا: بالنظر إلى الشخصيات المعتقلة وخلفياتها السياسية والفكرية يظهر بوضوح أن الحشد الشعبي أراد معاقبة هذه الشخصيات بحجة الانتماء إلى حزب البعث، وهذا مؤشر خطير ويتطلب تحرك جدي من قبل الحكومة وأجهزة الدولة، حيث أصبح بإمكان الحشد استهداف كافة الأصوات المعارضة للميليشيات والناشطين والصحفيين واعتقالهم بتهمة “البعث” والتمهيد لتصفية خصومهم بهذه الحجة وإقناع المجتمع بهذه السيناريوهات التي يصعب على العقل تصديقها.

ثالثا: إظهار الأجهزة الأمنية والعسكرية الرسمية بمظهر ضعيف مقابل تقوية صورة الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، لزيادة شرعنة هذه الميليشيات وتبرير تواجدها في كافة المحافظات العراقية، حيث تحاول هذه الفصائل أن تعطي انطباعا ايجابيا لدورها وحضورها داخل المجتمع وأنها تساهم في تفكيك المؤامرات والمخططات ضد المجتمع والدولة وأنها قادرة على القيام بمهام تعجز عنها أجهزة الدولة الرسمية وبالتالي قطع الطريق أمام المطالبات بدمج أو حل سلاح الميليشيات واعتبارها ضرورة لبقاء الدولة.

رابعا: تخويف المجتمع العراقي وخاصة الشيعي ودفعه للتمسك بالميليشيات والفصائل المسلحة وخلق أجواء متوترة والتسويق لوجود مؤامرة داخلية وخارجية على الشعائر الدينية للعراقيين، وخاصة مع تصاعد الدعوات لطرد الحشد الشعبي من المنطقة الخضراء وإبعادهم عن المنافذ الحدودية والمناطق الحساسة وإنهاء سطوتهم على المجتمع العراقي.
إن لجوء الحشد الشعبي إلى خلق هذه السيناريوهات التي لم تقنع الشارع العراقي لإعادة بناء الثقة وتحسين وترميم سمعته مجددا مؤشر واضح على إفلاسه وشعوره الواضح بنفور المجتمع من السلاح المنفلت بعد تكرر حوادث تدخل الميليشيات لضرب وقمع المدنيين من جهة، ونهب ثروات العراق من جهة أخرى.

مقال خاص براسام