الباحث : حسين صالح السبعاوي
يعاني العراق من فوضى أمنية عارمة منذ الإحتلال الأمريكي له سنة ٢٠٠٣ وإلى الآن ويعتبر قرار الحاكم المدني بول بريمر بحل الجيش العراقي ومؤسساته الأمنية هو من أهم الأسباب التي أدت إلى هذه الفوضى .
لا يعرف أحدا اليوم عدد المليشيات المتواجدة في العراق، فالمليشيات الأولى مثل بدر وجيش المهدي قد فرّخت عشرات المليشيات الفرعية التابعة لها، كما قامت الأحزاب الطائفية بتشكيل مليشيات أخرى جديدة ولم يكتف الحزب بمليشيا واحدة له فأصبحت لدينا عشرات المليشيات كل منها تابع لحزب أو لرجل دين معمم يديرها ويستثمر فيها، كما أصبحت هذه المليشيات تمارس جرائمها ضد الشعب العراقي دون أي رادع لها، بل وتعتبر نفسها فوق القانون والدستور فهي تقتل وتعتقل وتنهب المال العام والخاص وتبتز المواطنين بل تبتز حتى السياسيين في الدولة فهي تكمم الأفواه وتحرق القنوات الفضائية غير الموالية لها بينما القوات الأمنية تقف بجانبها إما متفرجة أو مساندة لها، والغريب أن هذه المليشيات كلها تسمي نفسها بلفظ الجلالة أو بأسماء مقدسة مثل حزب الله، وربع الله، وجيش المهدي…إلخ.
ومن الجدير بالذكر أن جميع هذه الجماعات المسلحة مرتبطة بإيران سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وولائها لإيران يفوق ولائها للعراق .
إن الفوضى الأمنية هي نتاج طبيعي للفوضى السياسية التي يعيشها العراق وهذه الفوضى السياسية هي مشروع أمريكي تنفذه إيران بأدواتها العراقية لتفتيت الدولة العراقية وتمزيقها ونشر الطائفية والكراهية بين أبناء الشعب العراقي ليبقى في هذا الصراع العقيم، والرابح فيه هو آخر من يخسر بعدما يغرق بدماء أبناء جلدته من الشعب، ومن العجب أن يعوّل بعض العراقيين على الولايات المتحدة لحل المشكلة العراقية وكأن إيران تدخلت بالشأن العراقي وهيمنت عليه بدون موافقة أمريكا وبدون رضاها! إن ما يجرى من فوضى في العراق هو برضا أمريكي وتنفيذ إيراني، وإن التخادم بين أمريكا وإيران هو السبب في تدمير أكثر من أربع عواصم عربية والبقية تنتظر موعدها حسب ما مرسوم لها من خطط أمريكية إيرانية لتدمير المنطقة العربية على بكرة ابيها .
وما لا يعرفه الكثير من العراقيين أن لإيران عدة مراكز أمنية واستخبارية إضافة إلى الحرس الثوري الإيراني جميعها تعمل في العراق وأحيانا يكون عمل هذه الجهات متقاطعا مع بعض مما تسبب في زيادة وتيرة الفوضى الأمنية في العراق، فقد نشر موقع ميدل إيست آي البريطاني ( MIDDEL EAST EYE ) في شهر آذار لسنة ٢٠٢١ أن لإيران ٤ أجهزة استخبارية تعمل في العراق وهي :
١- وزارة الاستخبارات والأمن القومي .
٢- جهاز أمني يعرف بـ “بيت رهبري ” وهو قسم يتولى الملفات الحساسة المتعلقة بالمرشد الأعلى علي خامنئي .
٣- وجهاز استخبارات الحرس الثوري .
٤- جهاز خاص يرتبط بمكتب المرشد الأعلى .
وتعمل جميع هذه الأجهزة بأوامر مباشرة من خامنئي أو من أقرب مساعديه، ويسيطر كل جهاز على عشرات الفصائل المسلحة والقادة السياسيين والأمنيين والمؤسسات الإعلامية والدينية، ورغم أن عمل هذه الأجهزة تعتمد بشكل عام على المليشيات الشيعية، إلا أنها عملت أيضأ على تجنيد عراقيين من السنة والأكراد ومسيحيين وإيزيديين وكثيرا ما يحدث إختلاف بين هذه الأجهزة وتابعيها في التوجيهات والرؤى والأهداف مما يسبب زيادة في الفوضى ومزيد من التوتر يكون ضحيته أبناء الشعب العراقي .
أما الحكومة العراقية فهي لا تجرأ على فعل أي شيء مع هذه المليشيات وهي عاجزة عن حماية المواطنيين منهم ولهذه الجماعات سجونها الخاصة بها لا يستطيع أي مسؤول في الدولة الوصول إليها .
أما جريمة انتحال صفة رجال الأمن فأصبحت ظاهرة منتشرة في العراق خصوصا أنهم ينتحلون صفة ضباط كبار في وزارتي الدفاع والداخلية وقد نشر تقرير استخباري في بغداد في أكتوبر ٢٠٢٠ أن ظاهرة انتحال صفة ضباط الأمن أصبحت ظاهرة متفشية وقد قام جهاز الأمن الوطني بالتعاون مع بعض المواطنين المتضررين من هؤلاء المنتحلين باعتقال ٢٧ شخصاً جميعهم ينتحل صفة ضابط أمن، والسبب هو كثرة استقطاب وزارتي الدفاع والداخلية للمنتسبين الجدد وكذلك ولادة تشكيلات عسكرية جديدة، وقد مارس هؤلاء عملية ابتزاز واسعة ضد المواطنين وخاصة مع التجار وميسوري الحال، وقد ساهموا بنقل ضباط ومراتب من مكان إلى آخر مقابل رشوة مالية كما تدخلوا في غلق مجالس تحقيقية ضد متهمين بالقتل أو بالفساد، ويشير التقرير إلى أن إنتشار هذه الظاهرة قد بلغت ذروتها في عهد حكومة عادل عبد المهدي وفي وزارة الدفاع في عهد الوزير نجاح الشمري في سنة ٢٠٢٠، وما لم يذكره التقرير أن تبني سياسة الدمج للضباط في وزارة الدفاع والداخلية لعناصر المليشيات كانت سبباً في إنتشار الفساد وقلة الكفاءة والمهنية في الوزارات الأمنية، لأن جميع هؤلاء لم يتخرجوا من الكليات العسكرية والأمنية التي تمنح درجة ملازم يحمل بكالوريوس علوم عسكرية، ومن المؤكد أن المحتل الأمريكي قد ساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في هذا الدمار للمؤسسات العسكرية والأمنية العراقية بعدما كانت قدوة يقتدى بها في العالم العربي حيث تخرج من هذه الكليات الكثير من الضباط والقادة في الدول العربية .
لقد تسببت الفوضى السياسية والأمنية في العراق إلى أن يصرح رئيس الجمهورية ولعدة مرات بأن النظام السياسي في العراق غير قابل الاستمرارية ولا بد من عقد سياسي جديد، وكذلك ظهر رئيس الوزراء وهو يصرح بنفس تصريحات رئيس الجمهورية من أن النظام السياسي في العراق مهدد بالزوال بسبب الفوضى الأمنية التي سببها المليشيات المسلحة، وكل يوم يظهر مسؤول رفيع في الدول العراقية سواء في الحكومة أو البرلمان وهو يحذر من انهيار النظام السياسي في العراق ، وعندما تصدر تصريحات من هذا النوع ومن أعلى المستويات في الدولة فهذا يثبت أن هؤلاء المسؤولين ما هم إلا دمى تديرها المليشيات وأن الحاكم الفعلي للعراق هي هذه الجماعات المرتبطة بإيران .
مقال خاص براسام

