قراءة تحليلية في المشهد السياسي العراقي

قاأني وتدخله في الشأن الداخلي العراقي:

إن ما تشهده الساحة السياسية العراقية اليوم من جولات وزيارات متكررة لإسماعيل قاأني وقيامه باتصالات واجتماعات واسعة ومستمرة مع أتباعه في العراق هي قطعاً لخدمةً المصالح الإيرانية ومشروعها الإقليمي، وهي تدخل صريح بالشأن العراقي الداخلي، كما إن هذه اللقاءات تمثل انتهاك سافراً للسيادة العراقية، فلا يحق لشخص عسكري أن يقيم علاقات أو يجري أجتماعات مع جهات سياسية ومدنية في دولة أخرى خارج الأطر الدبلوماسية، بل والأدهى من ذلك بأن هذه الشخصية مصنفة على قوائم الارهاب الأمريكية، ومع هذا يتم التعامل معها في العراق بأريحية عالية من قبل الدوائر الرسمية ومؤسسات الدولة العراقية، بل إن هذه الشخصية مؤثرة في القرار العراقي أكثر من القيادات العراقية في حكومة الكاظمي، لذا يجب أن يكون هناك قانون ومؤسسات دولة حقيقة تمنع التدخل بالشأن العراقي الداخلي ألا عن طريق القنوات الرسمية، بل ويجب أن تحاكم الشخصيات العراقية والطبقة السياسية وقادة الميليشيات المسلحة التي ترتبط بعلاقات غير قانونية مع إيران بتهمة التخابر، كما يجب أن تحاسب السلطات القضائية وأجهزة الأمن والمخابرات ومؤسسات الدولة ذات العلاقة التي صمتت وتغاضت عن هذه العلاقات لأسباب عقدية، وطائفية، وسياسية، كونها تمثل خيانة عظمى بسبب تبعيتها للخارج، سواءً لإيران، أو الولايات المتحدة الأمريكية، أو بريطانيا، أو دول الجوار.

التيار الصدري يبدأ اعتصام مفتوح:

إن اصرار الإطار التنسيقي على ترشيح “محمد شياع السوداني”، جعلت التيار الصدري يقوم بتحريك الشارع ضد الإطار التنسيقي أو يتخذه ذريعة للرد على الإطار معلناً بذلك عن قيامه بانقلاب واضح المعالم، بعد أن نجح المتظاهرون من تسلق الحواجز الإسمنتية وعبور جسر الشهداء والوصول الى داخل المنطقة الخضراء دون أي مصادمات مع القوات الأمنية التي تعاملت مع المتظاهرين دون الأخلاء بالنظام العام، مما جعل المالكي يشعر بالخطر المحدق حوله مما دفعه لحمل السلاح للدفاع عن نفسه بعد أن فشلت القوات الأمنية أو تواطأت من خلال سماحها للمتظاهرين بالوصول الى دخل المنطقة الخضراء والسيطرة على مقر السلطة التشريعية، مبنى “البرلمان العراقي” في يوم 27 تموز عام 2022 ، ثم انسحبوا المتظاهرون من البرلمان بطلب من “مقتدى الصدر” الذي قال لهم بأن “وصلت رسالتكم أيها الأحبة فقد أرعبتم الفاسدين صلوا ركعتين وعودوا الى منازلكم سالمين”، وأسمها “بجرة أذن”، رداً على ترشيح “محمد شياع السوداني” رئيساً للوزراء ثم عاود المتظاهرون الدخول الى مقر البرلمان في يوم السبت 30 تموز عام2022م، بعدما هدد التيار الصدري قائلاً “أليس السبت بقريب” حيث بدء اعتصام مفتوح لحين الاستجابة للشروط التي وضعها زعيم التيار الصدري.

إن الذي زاد من تعقيد الأزمة السياسية وضبابية المشهد هي إصرار الإطار على ترشيح السوادني لرئاسة الوزراء ودعوة مقتدى الصدر لأنصاره في المحافظات الجنوبية الى التظاهر دعماً لمتظاهري التيار في بغداد، في خطوة تصعيدية لبيان قوة الشارع الصدري وقدرته على تحريك القاعدة الشعبية، مما دفع الإطار التنسيقي الى دعوة مناصريه بالتجمع والتظاهر يوم 1 آب/ أغسطس عام2022م، على أسوار المنطقة الخضراء من جهة الجسر المعلق، ولكنه فشل في تحشيد الشارع العراقي، واقتصرت المشاركة على مناصريه وأتباعه في الحشد الشعبي ويجب عليه أن يعترف بأن هذا هو حجمه الحقيقي في الشارع العراقي بلا رتوش، وقد حمل الإطار “الحكومة مسؤولية الكاملة عن أمن وسلامة الدوائر الحكومية ومنسبيها، والبعثات الدبلوماسية، والمحافظة على الأملاك العامة والخاصة، كما طالبوا بإجراءات حازمة لحفظ الأمن والنظام ومنع الفوضى والممارسات الغير قانونية”، علماً بان الصدر أمر أتباعه بالانسحاب من مقر البرلمان العراقي والبقاء حوله في اعتصام مفتوح، حيث كتب وزير الصدر قائلاً: ” بعد تحرير مجلس النواب، وتحوله الى مجلس الشعب بفضل الله وجهود الثوار الابطال، تقرر أخلاء البرلمان، وتحول الاعتصامات أمام وحول المجلس خلال مدة أقصاها (72) ساعة “، كما دعا الى إقامة صلاة الجمعة موحدة في بغداد ودعا إليها جميع المكونات.

 

الصدر يطالب بحل البرلمان يدعو لانتخابات مبكرة:
لا شك بأن الصدر كان يمتلك أوراق سياسية تفاوضية كثيرة ومهمة تؤهله على فرض سياسية الأمر الواقع وتحقيق مطالبه في الشارع العراقي ومنها فوزه بالكتلة الأكبر والقاعدة الأجتماعية الشعبية التي يستطيع أن يحركها، ولكن عدم توظيفه لهذه الأوراق بشكل صحيح أدى الى فقدان بعضها وأهمها، مثل أنسحاب نوابه من البرلمان العراقي، الأمر الذي يعتبر خطأ أستراتيجي كبير أضعف موقف التيار الصدري على المستوى الرسمي والدستوري، مما جعله يجأ الى الشارع والحاضنة الشعبية للتصعيد وفرض شروطه في قضية تشكيل الحكومة، وهذا يجعلنا نقول بأن الإطار التنسيقي قد نجح في استفزاز الصدر ودفعه للخروج من البرلمان بإرادته، وهذا ما جعل الإطار التنسيقي يتمسك بالخيار الدستوري باعتباره يمثل الكتلة الأكبر التي يحق لها تشكيل الحكومة، وهذا التصعيد والتطور يجعلنا أمام وضع سياسي جديد ومعقد، بسبب تمسك كل طرف بشروطه فيما يخص تشكيل الحكومة، خصوصاً وإن خطيب الجمعة أكد على شروط السيد “مقتدى الصدر” لحل الأزمة السياسية الحالية وحددها بنقطتين هما: حل البرلمان، والذهاب الى انتخابات مبكرة، الأمر الذي قابله الإطار التنسيقي بين مؤيد ورافض، وقد صرح المالكي قائلاً إن الموافقة على هذه الشروط يجب إن تكون من خلال الأطر الدستورية والقانونية، بعقد البرلمان واختيار حكومة مؤقتة لمدة سنة تأخذ على عاتقها التهيئة لانتخابات مبكرة، وهذا سيجعلنا أمام معضلة جديدة تتمثل بالموقف من تشكيل حكومة جديدة أو البقاء على حكومة الكاظمي لإجراء انتخابات مبكرة.

الإطار يستدعي الدستور الذي تجازوه لتقوية موقفه:
إن مطالبة الإطار التنسيقي بالذهاب الى الأطر القانونية والدستورية للذهاب الى انتخابات مبكرة يثير الأهتمام والتساؤل والاستغراب، فجميع الأطراف تستدعي الدستور والقانون عندما يكون لصالحها و تغادره إذا تقاطع معها والأدلة في ذلك كثيرة، فعندما تم تشكيل حكومة “عادل عبد المهدي” عام2018م، لم يجري تسمية الكتلة الاكبر، ومع هذا تم التوافق بين الفتح والصدر على توزير “عادل عبد المهدي” الذي لا ينتمي الى كتلة سياسية محددة، فأين الدستور؟، وأين القانون من ذلك؟، وكذلك محاولة اغتيال “الكاظمي” من قبل جهات مسلحة تعمل ضمن القوات المسلحة وتابعة للإطار التنسيقي وهي تابعة لإيران، أين الدستور والقانون؟، وكذلك تفاصيل خلية “الدورة”، واعتقال “قاسم مصلح”، فأين كان القانون والدستور؟، لذا فهذه المطالبة شبيهه بقضية الفساد التي أكتشفها الصدر في عام2022م، وكأن(19)عاماً لم يكن الصدر يعرف بأن العراق تحول الى منظومة فساد مالي وأداري تديره الطبقة السياسية الحاكمة، وإن تياره كان جزءً رئيسياً من منظومة الفساد والقتل، لذا فما يجري في المشهد السياسي العراقي هو انقسام سياسي شيعي، وتصفية حسابات حزبية، وشخصية، وصراع مصالح بأمتياز، وهو قائم منذ عشرين سنة ولكنه كان مسيطر ومتفق عليه طوال الفترة الماضية لذلك لم يظهر الى العلن كما هو عليه الآن.

انسحاب نواب التيار الصدري تجعله خارج الحسابات الدستورية:

إن الانسحاب الصدري من البرلمان غير المعادلة السياسية وجعل الإطار التنسيقي يتمتع بموقف دستوري أفضل كونه يمتلك الكتلة الأكبر والجانب الرسمي والقانوني، على عكس التيار الذي أصبح خارج المعادلة الرسمية تماماً، الأمر الذي جعل الصراع يحتدم بشكل كبير ويأخذ مسارات أخرى فنحن أمام زعامات سياسية تمتلك أجنحة مسلحة تتصارع على السلطة والنفوذ ولن تقبل بتفرد طرف لتشكيل الحكومة على حساب الطرف الآخر، لذلك نجد بأن دعوة الصدر يرفضها  الإطار التنسيقي لأنه يرى فيها كسر إرادة وفرض وصاية و سيطرة على الوضع السياسي الشيعي، لذلك لن يقبل بحل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة مالم يحسم الإطار التنسيقي موقفه من حكومة الكاظمي، التي يتهمها بتزوير الانتخابات السابقة، وقتل “قاسم سليماني”، والتواطؤ مع التيار الصدري، وإن بقاء حكومة الكاظمي يعني بأن هناك استمرار لتمدد كامل لقوى سياسية على حساب قوى سياسية أخرى، كما أنها لن تكون بمسافة واحدة من الكتل السياسية في الانتخابات القادمة التي يدركون بأنها لن تجعلهم في موقف أفضل مما هو عليه الآن، وهم يخشون من خسارة كبيرة ومدوية بسبب خسارتهم للحاضنة الشعبية، لذا فهم في موقف صعب ومرتبك ومنقسم داخلياً.

شروط الإطار لحل البرلمان والذهاب الى انتخابات مبكرة:
 من إن من الحلول التي يطرحها الإطار التنسيقي للخروج من الانسداد السياسي هو إن يعقد مجلس النواب لإقالة حكومة الكاظمي، وتشكيل حكومة مؤقتة لمدة سنة تعمل على أجرء انتخابات مبكرة، وهذا ما يرفضه التيار الصدري الذي يريد حل البرلمان، والابقاء على حكومة الكاظمي، وكذلك على مفوضية الانتخابات، والقانون الانتخابي، والذهاب الى أنتخابات مبكرة، وهذا ما يرفضه الإطار التنسيقي، علماً بأن التيار الصدري يرفض تشكيل أي حكومة مؤقتة سواءً برئاسة “محمد شياع السوداني”، أو أي شخص أخر من الإطار التنسيقي، وقد غرد الصدر بمناسبة العاشر من محرم قائلاً: “تالله لا يحكم فينا الفاسد ومثلي لا يبايع الفساد أفلا من ناصر ينصرنا”، وهذا تصعيد صريح خصوصاً وإنه جاء  بعد أن رفض المالكي الذهاب الى انتخابات مبكرة مالم يتام تشكيل حكومة مؤقتة جديدة، علماً بأن المعلومات تشير الى إن هناك ضغط دولي واقليمي أوكل للعراق ولحكومة الكاظمي دوراً إقليمياً جديداً في المنطقة، فكيف يمكن أنهاء دور حكومة الكاظمي بهذه السهولة؟، مما يعني أننا ندور بدائرة مفرغة أذا أصر الطرفين على شروطهم، ولا أعرف ماذا كانت ستفعل حكومة الكاظمي في حال تم تشكيل حكومة من قبل التيار الصدري؟، هل سيسلم الحكومة؟، وهو يقول بأنه سيسلم الحكومة لأي حكومة منتخبة؟، والسؤال هنا حكومة الإطار هل هي منتخبة؟، علماً إن دعوة الصدر لحل البرلمان المنتخب والشرعي والإبقاء على حكومة تصريف الأعمال برئاسة مصطفى الكاظمي وكذلك الإبقاء على رئيس الجمهورية المنتهية ولايته هو تناقض غريب ويثير علامات استفهام كثيرة؟، وهو موضع ريبة للإطار التنسيقي الذي يصر على إقالة حكومة الكاظمي.