شاهو القره داغي

بعد تظاهرات أنصار التيار الصدري في العاصمة العراقية بغداد ونجاحهم في دخول المنطقة الخضراء والسيطرة على بناية مجلس النواب العراقي واستخدام مقتدى الصدر لقوته الجماهيرية كوسيلة ضغط على الخصوم السياسيين للحصول على تنازلات فيما يتعلق بمشروعه السياسي ورؤيته لتشكيل حكومة اغلبية وطنية بعيداً عن بعض القيادات والشخصيات السياسية داخل الاطار التنسيقي، طالب رئيس حراك الجيل الجديد “شاسوار عبدالواحد” من مواطني كردستان الخروج في تظاهرات شعبية للمطالبة بالحقوق وترهيب السلطات واستعادة الحقوق المشروعة التي سلبت منهم بسبب فساد الحكومة.

قبل موعد التظاهرات بأيام شنت القوات الأمنية في كردستان حملة اعتقالات بحق أعضاء وأنصار حركة الجيل الجديد في محاولة للسيطرة على الموضوع ومنع حدوث الاحتجاجات، ورغم ذلك خرج العشرات من أنصار الحركة في مدن كردستان يوم السبت الماضي وحصلت عمليات اعتقال ومواجهات بين السلطات الأمنية و ناشطين ونواب برلمان تابعين لحراك الجيل الجديد .

سجل مركز “ميترو” المعني بحرية الصحافة في كردستان (78) انتهاكا ضد الصحفيين خلال يوم واحد، في حين بلغ عدد الانتهاكات التي طالت الصحفيين خلال النصف الأول من عام 2022 (63) انتهاكاً.

وبحسب المركز فإن الانتهاكات تضمنت حالات اعتقال ومداهمات واطلاق الغاز المسيل للدموع ومصادرة المعدات والاجهزة، وكالتالي:
26 حالة اعتقال
4 حالات مداهمة منازل الصحفيين
16 حالة منع الصحفيين من ممارسة عملهم
8 حالات اختناق بالغاز المسيل للدموع
23 حالة مصادرة أجهزة ومعدات الصحفيين
غلق قناة واحدة

إضافة إلى تأكيد بعض المنظمات الحقوقية على عسكرة المجتمع وانتشار أعداد هائلة من رجال الأمن في أسواق المدن الرئيسية في كردستان لمنع التظاهرات والتجمعات، على الرغم من أن حق التظاهر مكفول حسب الدستور العراقي وقانون حق التظاهر في كردستان، ولا يجوز تقييد هذا الحق أو التصدي له باستخدام العنف بل على القوات الأمنية حماية المتظاهرين بكل الوسائل.
وقد علق الاتحاد الوطني الكردستاني المسيطر على محافظة السليمانية وجماعة العدل الكردستانية في بيان مشترك دعيا فيه إلى التعامل مع مستجدات الأوضاع السياسية في العراق بمسؤولية أكبر، وأن على القوى الكردية أن تكون موحدة أكثر في مواقفها مع التأكيد على أهمية حل المشاكل حسب الدستور،
بينما حذر لاهور شيخ جنكي الرئيس المشترك السابق للاتحاد الوطني الكردستاني من اندلاع انتفاضة مسلحة في كردستان إذا استمرت مجابهة التظاهرات بالطريقة الحالية.
لقد أثارت طريقة تعامل القوات الامنية مع المحتجين من أنصار الجيل الجديد استنكار العديد من الجهات الدولية أيضاً، حيث عبرت القنصلية الكندية والألمانية في كردستان عن القلق من اعتقال أعضاء المعارضة والناشطين السياسيين والصحفيين، وأكدتا على أن حرية الرأي والتجمع والحرية الصحفية من الأسس الحقيقية للديمقراطية السليمة.

كما أعربت السفارة البريطانية في العراق عن شعورها بالقلق لاعتقال نواب وصحفيين ونشطاء سياسيين في كردستان العراق وأكدت على أن حريات التعبير والإعلام وإقامة التجمعات هي جزء أساسي من “العملية الديمقراطية”.

يبدو واضحاً من خلال هذه المواقف والبيانات أن الاطراف المحلية والدولية تُدرك تماماً مدى صرامة الإجراءات الأمنية المتخذة من قبل السلطات في كردستان لمواجهة الاحتجاجات، على الرغم من المحاولات العديدة للحزبين الحاكمين بتصوير الاحتجاجات على أنها تحريك للشارع من قبل حركة سياسية وهو حراك الجيل الجديد، إلا أن ذلك لا يكون مبرراً للقمع والتضييق على الحريات. حيث تتمتع كردستان بدرجة أعلى من الاستقرار والرفاهية مقارنة بباقي مناطق العراق، وكانت كردستان تتباهى دائماً أمام الأطراف الدولية بأنها تراعي وتحترم حقوق وحريات المواطنين بعكس ما يجري في باقي مناطق العراق من تعامل قمعي وقاسي مع المتظاهرين، إلا أن الممارسات الأخيرة تضع الكثير من الشكوك أمام ادعاءات القيادات الحزبية الكردية، وخاصة بعدما أكد حراك الجيل الجديد عن اعتقال أكثر من (600) شخص في يوم واحد من قبل الأجهزة الأمنية خوفاً من التجمع والتظاهر.

ومن الغريب أنه بعد منع أنصار حراك الجيل الجديد من التظاهر في أربيل بساعات، تجمع العشرات من أنصار الديمقراطي الكردستاني وهم يرقصون على أنغام الأغاني ويجددون التأييد للديمقراطي الكردستاني دون أن يتعرض لهم أحد، وهذا يوضح الازدواجية في تعامل الأجهزة الأمنية مع المتظاهرين بالنظر إلى انتمائهم الحزبي.

تحتاج كردستان إلى المزيد من الإصلاحات والحوكمة بدل اللجوء إلى التعامل الأمني لمواجهة الاحتجاجات، وخاصة أنه بعد أقل من أسبوع على هذه المظاهرات أعلنت جمعية اللاجئين العائدين من أوروبا أن معظم الغرقى جراء انقلاب قارب يقل مهاجرين قبالة السواحل اليونانية هم من كردستان العراق، حيث تم انقاذ 29 مهاجراً ، بينما ما يزال مصير 64 منهم مجهولاً، وهذه إشارة واضحة على استمرار الشباب والعوائل في الهجرة والبحث عن بيئة افضل للعيش فيه، في ظل غياب الإصلاحات الجذرية والحقيقية التي تؤثر على حياة ومعيشة المواطنين!

مقال خاص براسام