أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

ازداد الصراع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وسعى كل ما يعرف بـ (المعسكر الاشتراكي) بقيادة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة للحصول على مواقع نفوذ لهما في مناطق عديدة من العالم، وكان التنافس الدولي شديدا على “الشرق الأوسط” لاسيما المنطقة العربية منه بعامة والعراق بخاصة لما يتمتع به من مميزات جغرافية وامتلاكه لثروات طبيعية هائلة.

وكانت بريطانيا قد عملت على ترسيخ سيطرتها عن طريق ربط الأقطار العربية بمعاهدات ثنائية بغية تثبيت مصالحها وتوفير الحماية لها بصورة كاملة فضلاً عن دعوة الدول الغربية إلى المشروع المعروف بـ (قيادة الدفاع عن الشرق الأوسط) تحت دواعي الوقوف بوجه الاتحاد السوفيتي، مما دفع القوى الوطنية إلى الوقوف بوجه هذا المشروع لما له من أضرار بمصالح العراق وإبعاداً له عن الكوارث والويلات فيما لو قامت حرب عالمية ثالثة ومن ثم تبني فكرة الحياد، إلى جانب ذلك كانت الدعوة من القوى الوطنية بعد الحرب إلى تكوين الأحزاب من أبرز مظاهر الحياة السياسية في العراق، وقد جاء خطاب الوصي عبد الإله بن علي في مجلس الأمة العراقي بتاريخ ٢٧ كانون الأول ١٩٤٥م، بمثابة الإشارة الرسمية للإعلان عن السماح بتأليف الأحزاب والجمعيات السياسية والاتجاه نحو حياة ديمقراطية صحيحة بالانتظام في الحياة الحزبية على النحو الذي يكفله الدستور.

وفي الثاني من نيسان ١٩٤٦ أجازت حكومة توفيق السويدي بصورة رسمية خمسة أحزاب هي: الوطني الديمقراطي، الاستقلال، الأحرار، الاتحاد الوطني، الشعب، لقد أدت هذه الأحزاب دوراً في قيادة الحركة الوطنية المناهضة للسيطرة الاستعمارية البريطانية، فكانت تمثل انتصاراً للإرادة الشعبية، على الرغم من محاولات الفئة الحاكمة الحد من نشاطها.

وفي هذا الوقت تزامن مع اعلان لجنة التحقيق البريطانية الامريكية في ٢٠ نيسان ١٩٤٦م، توصياتها بإدخال مئة ألف يهودي إلى فلسطين، إثرها شكلت الأحزاب العلنية الخمسة – الاستقلال والوطني الديمقراطي والشعب والاتحاد الوطني والاحرار- في ٣ أيار لجنة باسم (لجنة الدفاع عن فلسطين) وأصدرت بياناً مشتركاً دعت فيه إلى الاضراب العام في جميع أنحاء العراق يوم الجمعة المصادف ١٠ أيار احتجاجاً على توصيات اللجنة.

وتلبية لدعوة الأحزاب اجتمع ممثلو الأحزاب في الموصل وأصدروا بياناً إلى كافة أهالي الموصل ومنتسبي جميع الأحزاب دعوا فيه إلى تنفيذ قرار لجنة الدفاع عن فلسطين ومما جاء في البيان:

“… أيها الموصليون الكرام شاركوا في تنفيذ هذا القرار بإضرابكم التام عن العمل وغلق محلاتكم في هذا اليوم حتى صباح السبت تضامناً مع إخوانكم في فلسطين… وانتصاراً للكرامة الوطنية وشرف العقيدة ونيل المقصد ونحن واثقون بأنكم ستحترمون النظام وكل ما يخل بالأمن وبجلال الأحزاب…عاش الوطن العربي، عاشت فلسطين حرة عربية، الموت للاستعمار…”.

ونفذ الأحزاب الإضراب فعلاً، وفي اليوم المحدد، وأرسل ممثلو فروع الأحزاب في الموصل وبعض الشخصيات القومية والوطنية الكثير من البرقيات الاستنكارية على تقرير اللجنة، واتخذت السلطة إجراءات للمحافظة على الأمن ووزعت قوات كافية من أفراد الشرطة.

كما استقال الكثير من الموصليين من النادي الثقافي البريطاني احتجاجا، منهم معتمد فرع الحزب الوطني الديمقراطي المحامي يوسف الحاج الياس ومصلح الدين النقشبندي (محام ونائب سابق) ويونس جودت الرمضاني (حاكم جزاء البلدية) وعبد الله نشأت (مدير الإدارة والتحرير في البلدية) وغيرهم من الموظفين والمحامين.

واستنكر فرع حزب الاستقلال توصيات لجنة التحقيق وأرسل معتمد الفرع (حازم المفتي) إلى الجهات العليا برقية جاء فيها: “… آلاف الاستقلاليين في الموصل تستنكر توصيات لجنة التحقيق الدولية وترى الأخذ بها تأييداً لمطامع الصهيونية الآثمة…”.

كما تشكلت في المدينة باسم (لجنة فلسطين) تألفت من الشيخ عبد الله النعمة وجمال المفتي وأحمد الجليلي وسالم نامق وفريد الجادر وعبد الأحد عبد النور ومتي سرسم وحمدي جلميران ورؤوف الشهواني، قدمت طلباً إلى المتصرف بالسماح لها بإقامة اجتماع في الجامع الكبير الثوري للاحتجاج على توصيات اللجنة الدولية، وعلى الرغم من أن أعضاء لجنة فلسطين كانوا جميعاً من المستقلين إلا أنه كان لمنتسبي فرع حزب الاستقلال دور بارز في تنظيم ذلك الاجتماع والدعوة إليه بالتعاون مع أعضاء اللجنة، وقد انتشرت في شوارع المدينة وفي منطقة الجامع الكبير شباب حزب الاستقلال مثل: عبد الرحيم الصائغ وأحمد سامي الجلبي وعبد المالك قاسم ويونس أحمد الخياط وشاكر محمد خليل ومحمد صالح شاهين وفخري إبراهيم شنشل وغيرهم، لأجل المحافظة على النظام وكانوا يحملون على أكتافهم شارات خاصة كتب عليها: (جنود فلسطين لأجل المحافظة على النظام).

وفي مساء يوم ٨ أيلول احتشدت الآلاف من الموصليين في الجامع الكبير النوري وأعلنت سخطها واستنكارها لتوصيات اللجنة الدولية، وألقى الشيخ عبد الله النعمة والخوري سليمان الصائغ كلمتين استنكر فيها التوصيات الجائرة، وعبر المحامي نوئيل رسام في كلمته التي ألقاها ” عن تعانق الهلال والصليب في سبيل شجب توصيات اللجنة الدولية وإنقاذ فلسطين”، وألقى حازم المفتي كلمة جاء فيها: “… قضية فلسطين أيها السادة، قضية شعب عربي أبي يريد الحياة والحرية والاستقلال، وفريق مشرد يريد أن يبني فوق أشلاء هذا الشعب وطناً قومياً ومجداً أبدياً ودولة يهودية…”، واستعرض (المفتي) موقف العرب من بريطانيا وجزاء بريطانيا للعرب على تلك المواقف بوعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو.

كما ألقى (عضو حزب الاستقلال) غربي الحاج أحمد في المناسبة قصيدة هذه بعض أبياتها:

حطموها فقد مللنا القيود
وابعثوها صواعقا ورعودا
وأضرموا النار ان (صهيون) يأبى
أن يكون الغداة إلا الوقودا

وألقى عبد القادر العبيدي (عضو حزب الاستقلال) قصيدة مماثلة هذه بعض أبياتها:

ساد الشقاة فهمت الاهواء
وطغى اليهود وخاننا الحلفاء
وتظافرت في كل أرض نكبة
والعاديات وعصبة نكراء
خضبت من المجد الصريع أكفها
ومشت تحف بركبها الأشلاء

أما أبرز الهتافات التي تخللت الاجتماع فكانت:

يسقط الاستعمار والصهيونية، عاش الزعيم مفتي الحسيني.

وفي ختام الاجتماع قرأ (أحمد الجليلي) برقية لجنة الاجتماع المعدة لإرسالها إلى هيئة الأمم المتحدة والسفارة العراقية في واشنطن والهيئة العربية في القدس ورؤساء بعض الدول، ومما جاء فيها:
“اجتمع ألوف من الشعب الموصلي المتحمس في الجامع الكبير مستنكرين قرار لجنة التحقيق الغاشم المخالف لمبادئ الحق والعدل التي تنادي بها هيئة الأمم المتحدة، تنفيذ القرار سيؤدي إلى ثورة دموية كبرى في الشرق الأوسط وان التمادي في الاستهتار بحقوق الشعب العربي الديمقراطي سيجر إلى الكفر بمبادي الديمقراطية، تحذر الدول الكبرى من المغبة السيئة التي تهدد الامن والسلام”.

وأرسل رؤساء الأصناف المهنية وبعض أرباب الحرف برقيات بهذا المعنى أيضا.

وتلبية لنداء الأحزاب السياسية العلنية التي أصدرت بياناً دعت فيه إلى الأضراب العام في ٣ تشرين الأول، أغلقت الموصل أسواقها وتم الاضراب، واجتمع عدد غفير من الموصليين في الجامع الكبير بعد صلاة الجمعة حيث ألقيت بعض الخطب التي حثت على التطوع من أجل فلسطين.
وشهدت الموصل في الأيام التي تلت الإضراب حركة نشيطة للتطوع وجمع التبرعات، وأخذت جريدة فتى العراق تنشر قوائماً طويلة بأسماء المتطوعين والمتبرعين لمشروع انقاذ فلسطين.
وكان صدور قرار هيئة الأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م بالموافقة على تقسيم فلسطين، بمثابة الوقود الذي زاد من لهيب الثورة في الوطن العربي – كما سنرى ذلك في الحلقة المقبلة –

مقال خاص براسام