الكاتب: نظير الكندوري
في خضم الصراع الجاري ما بين الكتل السياسية الشيعية على (حكومة الأغلبية) التي يريد الصدر تشكيلها ويرفضها جماعة الإطار التنسيقي، يبدو أن هذا الصراع بدأ يمتد إلى بُعدٍ آخر، وهو ديني ومذهبي تدور أحداثه خلف الكواليس للفوز بزعامة الشيعة ليس في العراق فقط وإنما في زعامة الشيعة المنتشرين حول العالم.
وما جعل هذا الصراع “المرجعي” يطفو على السطح، هو تصريحات المعمم حازم الأعرجي المعروف بطائفيته الشديدة، حينما قال وهو يتوسط جمعًا من اشخاصٍ قيل عنهم أنهم من أبناء مدينة النجف: “إن مصدر القرار في العراق هو النجف وتحديدا في (الحنانة)”، وهو يقصد بذلك مقتدى الصدر، حيث إن منطقة “الحنانة”، هي محل إقامة مقتدى الصدر. والجميع يعلم خطورة نقل الصراع بينهم من ساحة السياسة إلى ساحة أخرى دينية ومذهبية، فهؤلاء القادة المذهبيين الذي حصلوا على جميع مكتسباتهم السلطوية من خلال تأجيجهم الطائفي ضد مذاهب أخرى طيلة السنوات المبكرة من الاحتلال، لكنهم صاروا يذوقون اليوم طعم الطائفية والمذهبية المر فيما بينهم!
ما طبيعة تصريحات الأعرجي وما مدى خطورتها؟
حملت تصريحات الأعرجي رسائل شديدة الوضوح للكتل السياسية العراقية بشكل عام، والكتل السياسية الشيعية على وجه الخصوص، مفادها أن المرجعية الشيعية القادمة ستكون هي المرجعية الصدرية بزعامة مقتدى الصدر نجل المرجع الديني محمد الصدر، وأن مرجعية “علي السيستاني” أصبحت بحكم المنتهية الصلاحية في عالم السياسة للفترة القادمة، بعدما كان لها أكبر الأثر منذ الاحتلال عام 2003 وحتى الان، كما حملت تصريحات الأعرجي رسالة صدرية واضحة أيضًا بأن الصدريين لا يعترضون على بقاء مرجعية السيستاني مهتمة بالجانب الديني والسلوكي والأخلاقي لمقلديه، شريطة أن تترك تأثيرها وتدخلها في العملية السياسية الجارية بالعراق، وتركها لمرجعية الصدر الناشئة والتي تهيأ نفسها لاستلام مقدرات العراق بشكل عام للفترة القادمة، وقد ذهب بعض المراقبون لتفسير إيعاز الصدر لنوابه بعدم حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في البرلمان على أنه يندرج أيضًا بإطار فرض “الحنانة” لرؤيتها ليس على الجانب الشيعي فحسب، وإنما على باقي شركائها من الكرد والسنَّة، وإجبارهم على الامتثال لخيارات “الحنانة” من الان فصاعدًا.
الأعرجي يتراجع عن تصريحاته لكن بصيغة من يؤكدها
لم يلبث الأعرجي أن تراجع عن تصريحاته تلك، بسبب أن أوامرًا قد جاءته من مقتدى الصدر دفعته للاعتذار عنها، لكنه أضاف لحديثه إضافة مهمة أكد فيها على عدم تراجعه عن الرسائل التي تضمنها خطابه الأول، فقد أكد الأعرجي في اعتذاره المقتضب على أن: “مرجعية السيستاني هي(المركز الشرعي والأخلاقي والعقائدي)”، لكنه لم يذكر بأنها مرجع سياسي كذلك بحيث يتم العودة له بالأزمات السياسية. وذكر أيضًا أن الصدر أمره بالاعتذار من المراجع، لأنه خصص اسم الحنانة في تصريحاته، وهو بالتأكيد كلام سياسي دبلوماسي يحاول فيه امتصاص غضب مقلدي السيستاني، لكنه لم يؤكد على أن مرجعية السيستاني باقية كما هي منذ اليوم وصاعدًا.
لم يكن مقتدى الصدر غاضبًا من تصريحات الأعرجي، ودليل ذلك، أن الصدر لم يوجه عقابًا له يليق بما اقترفه من خطأ، ولم يقله من منصبه كوكيل له في مدينة الكاظمية، بينما كان يقيل ويعاقب أتباعه على أخطاء أقل من التي اقترفها الأعرجي، وهو ما يعتبر موافقة ضمنية من الصدر على ما جاء في تصريحات الأعرجي من تحدي لمرجعية السيستاني، وإذا ما صح ذلك، فإنها خطوة استباقية من مقتدى الصدر لجس نبض الأطراف الأخرى من موضوع الاستحواذ على مرجعية الشيعة العامة بعد رحيل علي السيستاني وهو في أواخر عمره.
رد فعل الأحزاب والمليشيات الشيعية
على عكس ما كان متوقع، لم تكن ردود أفعال باقي الأحزاب والمليشيات الشيعية بالقوة الكافية والمناسبة لمثل هذه التصريحات الخطيرة على مستقبل الشيعة في العراق والعالم، وتعود أسباب ذلك في رأي عديد من المراقبين أن السيستاني، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، قد أغلق بابه أمام جميع السياسيين ويرفض لقاء أي واحد منهم.
لكن السبب الأهم في رأينا، هو أن معظم الأحزاب الشيعية والمليشيات الولائية، لا تتخذ من “علي السيستاني” مرجعًا لها في أمورها السياسية أو الشرعية، إنما هي تستخدمه فقط للترويج لنفسها أمام الجماهير، لكنها تشيح بوجهها عنه إذا كانت مواقفه لا تتوافق مع توجهاتها وأجنداتها، ذلك لأن مرجعيتها الحقيقية، هي مرجعية ولي الفقيه “علي خامنئي”، وهو من يقودهم ويوجههم للوجهة التي يريدها.
وعلى هذا الأساس، فقد أصدر “حزب الله العراقي” رفعًا للعتب، أو مناكفةً للصدر، بيانًا يتيمًا يُعلق فيه على تصريحات الأعرجي، مؤكدًا فيه على أن المرجعية الدينية في النجف هي “الدرع الحصين الذي يدافع عن الشعب، وأن كل من يسيء الى المرجعية إنما يسيء إلى الشعب”، ووصف بيان “حزب الله العراقي” تصريحات الأعرجي، بأنها “سوء تدبير سياسي وينبغي أن يصحح”. ويتبين لنا من هذا البيان الهزيل، أن المليشيات وعلى رأسها مليشيا “حزب الله العراقي”، لا تريد لمرجعية النجف أن يكون لها دور حقيقي في الفترة القادمة، وهي بذلك تتفق مع الصدر في تهميش دور مرجعية السيستاني، لكنها تختلف مع الصدر في أن يتم استبدالها بمرجعية تابعة له، إنما لها رؤية ومقاربة أخرى تريد من خلالها أن تكون لمرجعية “علي خامنئي” الدور الأكبر والأهم في الشأن العراقي، وفي هذه الاثناء، بدأت المليشيات الولائية تعرض مقاربتها بواسطة كتّاب ومغردين تابعين لها، للترويج لفكرتها بكتاباتهم وتغريداتهم، وتتلخص تلك المقاربة في أن الواقع العراقي يجب أن تكون له مرجعيتان في آن واحد، الأولى تتمثل بمرجعية النجف وبشخص “علي السيستاني” تأخذ على عاتقها الاهتمام بالأمور الدينية والشرعية فقط، بينما تكون المرجعية الثانية ممثلة بمرجعية ولاية الفقيه (علي خامنئي) ومهمتها هي توجيه الأحزاب السياسية الشيعية وترعاهم وتقدم لهم النصح والرعاية الأبوية في تبني مشروع سياسي جامع، إن الترويج لمثل هذه الطروحات يصف لنا كم هو حجم الصراع المحتدم بين الأطراف الشيعية حول الفوز بمكانة المرجعية وضرورة جعلها بيد أحد الأطراف، لأنهم يعلمون تأثيرها البالغ على شيعة العراق والعالم أيضًا.
من نصبكم أولياء على العراقيين؟
وفي خضم هذه التطورات الغريبة في الساحة العراقية، يتساءل العراقيون من أين جاء أولئك بحق التصرف بشؤون العراق ومصيره السياسي والاجتماعي وفرض الوصاية عليه، وعبر هذه المرجعيات الدينية التي تريد احتكار قرار العراقيين بمصير بلدهم وكأنه شعب فاقد للأهلية؟
إن العراق ومنذ سالف العصور، لا يدينُ بدين واحد، ولا ينتمي لمذهب واحد، بل ولا ينتمي سكانه إلى عرق واحد أو أصل واحد، وهي مسألة طبيعية ومتكررة في أي بلد له ماض وتاريخ حضاري قديم كالتاريخ الحضاري الذي يتمتع به العراق، بينما يريد الذي يمسك بزمام السلطة اليوم أن يطوّع العراقيين على الانصياع لمرجعية دينية ومذهبية واحدة، تُسيَّير له حياته السياسية والثقافية والدينية دون أن يكون لهم الحق بالاعتراض على ذلك، ويريدون اختزال تاريخ العراق الحضاري العظيم ليجعلوه ضمن قالب واحدة تحدده مرجعية معينة من المرجعيات الدينية، لكن ما يريده العراقيون هو العيش في كنف بلد مدني يحترم مواطنيه بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية، ويعاملهم على أساس انتمائهم الوطني لهذا البلد ولديهم جميع الحقوق وعليهم جميع الواجبات المتعلقة بالمواطنة.
مقال خاص براسام

