الباحث: حسين صالح السبعاوي

من المعلوم عندما تنتهي الانتخابات في أي بلد ذي نظام برلماني وتعلن نتائج الانتخابات يبدأ الحزب الفائز بتشكيل الحكومة والحزب الخاسر ينتقل إلى المعارضة إلا في العراق، فعندما تنتهي الانتخابات يبدأ الدور الأمريكي والإيراني في تكثيف الجهود لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة ويبدأ النواب ورؤساء الكتل السياسية بالسعي نحو السفارة الأمريكية والسفر إلى إيران أو أخذ التعليمات من خلال سفيرها في العراق، أما مجلس النواب فلا علاقة له بهذا الأمر فمن لم ترض عنه أمريكا وإيران فلن يكون رئيسا للوزراء أو في أحد المناصب السيادية حتى لو حصل على الأغلبية في المجلس، وهنا تبدأ الصدمة من أصحاب الجعجعة الانتخابية والسقف العالي الذي كانوا يتكلمون عنه من استرداد الحقوق إلى إطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين والنازحين وما إلى ذلك مما كان يقال في فترة الدعاية الانتخابية، ثم يتحول هذا الأسد الهصور في مرحلة الانتخابات إلى ثعلب يتنقل بين السفارات الأجنبية لينال رضاها لعلها تمّن عليه بمنصب في الحكومة القادمة، ثم تبدأ مرحلة التنقلات بين الأحزاب والكتل السياسية تاركاً الحزب والكتلة التي ترشح من خلالها إلى الانتخابات وقبض منها مبالغ الدعاية الانتخابية لينتقل إلى كتلة أخرى، وبهذا يكون قد غدر بأول من دعمه في مرحلة الترشح ليبيع ولاءه لمن يدفع له أكثر ليعوض ما صرفه في مرحلة الدعاية الانتخابية من ولائم وما قدمه من رشا للناخبين، أما الناخب المسكين فسوف يجد نفسه في حالة ذهول وكأنه كان يعيش في برنامج الكامرة الخفية من شدة الصدمة .
ما ذكرناه أعلاه لم يأت من فراغ ولا رجما بالغيب بل من تجارب سابقة ومن معطيات على الأرض، ومن أبرزها :
أولا : عندما أجريت الانتخابات في ٢٠١٠ وفازت القائمة العراقية بزعامة أياد علاوي والتي حصلت على ٩١ مقعدا، لم يسمح لها بتشكيل الحكومة بينما أنيطت لقائمة نوري المالكي! وفي حينها صرح زعيم القائمة العراقية بأن إيران هي التي منعته من تشكيل الحكومة.
ثانياً : في انتخابات ٢٠١٤ فازت قائمة رئيس الوزراء نوري المالكي لكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تسمح له بتشكيل الحكومة وجاءت بحيدر العبادي ليكون رئيسا للوزراء رغما عن المالكي .
ثالثاً : في انتخابات ٢٠١٨ الكل – الفائزين والخاسرين – شهد لها بالتزوير ومع ذلك لم تقم المفوضية العليا للانتخابات بمحاسبة أي متهم بالتزوير ولم تلغ أصواتهم، وقد صرح رئيس دولة القانون نوري المالكي بأن التزوير كان كبيرا لكن سكتنا عليه خوفا على العملية السياسية من الانهيار .
وأخيرا إن الانتخابات التي أجريت يوم أول أمس شاركت فيها المليشيات والأحزاب التي تمتلك أجنحة مسلحة، أليسوا هم أنفسهم الذين يتسيّدون المشهد الانتخابي منذ الاحتلال؟! ألا يحظر الدستور العراقي مشاركتهم في أي انتخابات بل حتى يحظر تشكيل أحزاب لها أذرع مسلحة؟!
إن العملية الانتخابية في العراق وبإسلوبها الحالي هي عملية مفروضة على الشعب العراقي ولا يمكن أن تنتج عنها حكومة وطنية تمثل الشعب العراقي بكل أطيافه ولا يمكن أن تنتج عن أي حكومة تتشكل من خلال هذه الإنتخابات إلا مزيدا من التهجير والاعتقال ومزيدا من الفساد الذي نخر الدولة العراقية وعشعش في كافة مفاصلها، كما لا يمكن أن تبارك أمريكا وإيران لأي انتخابات حرة ونزيهة تنتج عنها حكومة وطنية تمثل الأغلبية السياسية وتخدم كافة أبناء المجتمع باعتبارها حكومة لكل الشعب .
تسعى أمريكا وإيران من خلال هذه الانتخابات إلى عدم تمكين أي حزب بالفوز بالأغلبية المطلقة خاصة في ظل تنافس أكثر من 200 حزب وكيان سياسي وذلك في سبيل إبقاء هيمنتها على الحكومة العراقية الائتلافية، ولذلك أي بادرة وطنية لتشكيل حكومة وطنية بواسطة الانتخابات ستكون فاشلة حتى قبل خوض الانتخابات.
لكل احتلال أدوات (أحزابا أو أفراد) يعتمد عليها في تسويق مشروعه العدواني ضد الدول المحتلة، حيث تقوم هذه الأدوات بتلميع صورة المحتل القبيحة وعادة ما يكون هؤلاء أشد من الإحتلال نفسه على الشعب بسبب ما يحملون من وضاعة وسوء منبت وسوء سيرة وسريرة، وهذا الحال لا يقتصر على العراق فحسب بل يحدث في كل دولة تتعرض للاحتلال.
فإذن سواء ذهب المواطن للانتخاب أو لم يذهب فإن تشكيل الحكومة لا يمكن أن يكون إلا بموافقة المحتل الأمريكي والإيراني وكل من يقول غير ذلك فهو قد جانب الصواب والحقيقة التي يعرفها أدنى مواطن عراقي، غير أن المقاطعة الشاملة تسحب البساط من تحت أقدام الأمريكان والإيرانيين وتفشل تشكيل حكومة أصلا، فلذلك أدنى مشاركة في الانتخابات سيفتح باب رفع نسبة المصوتين إلى الحد المقبول لإنجاح مخطط تمرير حكومة على مقاس الاحتلال، وهذا ما حصل قبل يومين حيث مع التدني الكبير في نسبة المشاركين لكن مفوضية الانتخابات ومن ورائها أمريكا وإيران أعلنت (نجاح الانتخابات) بنسبة مشاركة بلغت حوالي 41%!!!
أما مجلس النواب القادم فهو لن يختلف عن المجالس النيابية السابقة الممتلئة بالفساد وستبقى أمريكا وإيران تتلاعب بالنواب كتلاعبهم بأحجار رقعة شطرنج ليس فيها ملك.

مقال خاص براسام