الباحث: حسين صالح السبعاوي
لا يمكن أن يستبد الظالم وينتشر الظلم في مجتمع واع يعرف ماله وما عليه ويتحلى بالقيم والأخلاق ويعرف العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين العبد وربه، لكن بنشر الجهل والأمية بكل أشكالها العلمية والسياسية والدينية يبدأ المجتمع بالتغير ويصبح أكبر مستهلك للجهل والخرافة ومتلقف لكل ما ينشر من خرافات وأكاذيب .
وهنا لابد من الإشارة إلى وجود نوعين من الجهل :
الأول : هو الجهل الذاتي: وهذا النوع يولد مع الإنسان ويطلق عليه ( الحمق )، وهذا النوع لا علاج له، وقد قيل إن الحمق لا علاج له إلا السام، ويقصد به الموت، قال المتنبي :
لكل داءٍ دواء يستطب به *** إلا الحماقة أعيت من يداويها
ثانيا : الجهل الصناعي أو ما يطلق عليه ”علم الجهل “: وهذا هو ما نقصده وهو مدار بحثنا، إذ يتم نشره بأحدث الطرق والوسائل العلمية ليكون بضاعة مصنعة ونتاجاً لبرامج وبحوث ودراسات علمية تحوّل إلى سلعة وتعرض وتسوّق في متاجر السياسة والدين والدعايات والاعلانات التجارية والاقتصادية، ليكون المستهلك قطاعاً واسعاً من الشعب، وقد يستسيغ هذه البضاعة حتى بعض من نال شيء من التعليم لكنه لا يفقه في الدين ولا في السياسة، وقد لا حظنا كيف أن بعض المتعلمين يتقبلون بعض الخرافات ويستسيغونها.
يقول المؤرخ الأمريكي روبرت بروكتور: “إن من أهم الوسائل في نشر صناعة الجهل على الصعيد العالمي هي شبكات التواصل الإجتماعي والانترنت عموما لأنه يمكن لأي جاهل أن يتخفى فيه ويعرّف نفسه على أنه عالم أو باحث وينشر من خلاله خرافاته وأكاذيبه، كما إنه متاح للجميع”، وقد دعى روبرت بروكتور جمهور العلماء والمثقفين لإلقاء المزيد من الضوء على هذه الجهات التي تتعمد صناعة الجهل في العالم، كما دعا إلى نشر العلم والوعي لقهر استراتيجية التجهيل .
ومن أحد أساليب صناعة الجهل هي اختلاق حالة من الشك في كل محاولة علمية أو أي محاولة تدعو للوعي ونشر القيم والأخلاق والمطالبة بالحقوق ورفع الظلم عن الشعوب .
أهم الجهات التي ساهمت في صناعة الجهل :
١- السلطة الحاكمة : عندما تكون السلطة غير شرعية او تريد القيام بعمل غير دستوري ولا قانوني وتخشى من وعي الشعب تبدأ بنشر الخوف والرعب في وسط المجتمع، خوفا من رفض الشعب لها أو عدم منحها الشرعية للبقاء أو يرفض قراراتها التي تريد إقرارها، فتبدأ السلطة بالإعتماد على الأساليب الميكافيلية بالترويج للسلطة المطلقة على أنها هي الحل وأن الظلم جاء نتيجة ضرورية للحفاظ على الدولة وليس لبقاء الحكومة وأن قراراتها التعسفية وارتهانها للقوى الخارجية وتبعيتها لها هي علاقات دولية ومصالح مشتركة، وفي الحقيقة أن الأمر مختلف تماما، فالخوف هو على الحكومة من الزوال وليس الدولة وأن العلاقات الخارجية ما هي إلا تبعية عمياء مقابل البقاء في السلطة.
٢- السلطات الدينية : كثيرا ما ساهمت المرجعيات ورجال الدين بتجهيل الشعوب من خلال تحريف الدين وتحريف النصوص القرآنية وتأويلها تأويلا فاسدا لا تقبله لا صريح القرآن ولا يقبله العقل ولا المنطق، وقد رهنوا طاعتهم بطاعة الله ليبقوا على مصالحهم ومكاسبهم الشخصية ويبقى نفوذهم مهيمنا على عقول الناس، وهنا يتحول الأتباع إلى قطيع يساق إلى المجهول وكأنه معصوب العينين خلف شياطين الإنس ليوقعوهم المهالك من خلال إثارة الطائفية واستيراد المشاكل التاريخية عبر الآلاف السنين.
٣- الإعلام : ساهم الإعلام بكل أشكاله وأنواعه المسموع والمقروء والفضائي والألكتروني في صناعة الجهل وتسويقه على الشعوب ليكون أكبر مستهلك لهذه البضاعة، خصوصا عندما تتخلى القنوات الفضائية عن ميثاقها الإعلامي وتتحول إلى منبر لمن يدفع أكثر – بغض النظر عن بضاعته – فهنا ترفع من شأن الوضيع وتخفض من شأن الشريف وتزيّف الحقائق وتشوّش العقول ويصبح الصادق كذوبا والكاذب صدوقا وتتخلى عن رسالتها السامية وسلطتها الرابعة التي يجب أن تنقل ما يريده الشعب للحاكم وليس نقل ما يريد الحاكم من الشعب، لقد قدّم هذا النوع من الإعلام دعمه للرذيلة والانحطاط وسوّقه على أنه نتاج طبيعي ويجب القبول به كواقع وعلى المجتمع أن يتقبله رغم أنه يخالف فطرته، مثل المثلية وبقية الشواذ الفكري والسلوكي، كما أن الإعلام كان من أفضل الوسائل التي استخدمها رجال الدين والسياسة لتسويق أكاذيبهم وخرافاتهم .
٤- رجال المال والشركات التجارية ساهمت أيضاً في نشر صناعة الجهل من أجل الترويج عن بضاعتها وتجارتها عاملين بقاعدة (كل شيء من أجل الربح مباح)، وهي من كانت السبب فيما قاله المؤرخ الأمريكي روبرت عندما رأى شركات التبوغ كيف تروج لبضاعتها وكيف تخدع الشعوب .
اليوم في العراق عملية غسيل الأدمغة ونشر الجهل تسير على قدم وساق من خلال الأحزاب المتمسكة بالسلطة وهي تغطي على فسادها ونهبها للمال العام وترسيخها للطائفية والعرقية التي تمزق المجتمع، وكذا رجال الدين الذين اصبح نفوذهم يوازي نفوذ الساسة، بل وأحياناً يكون نفوذهم أكبر، ولهم نصيب كبير في صناعة الجهل ونشره من خلال التبعية العمياء لهم بادعائهم أن طاعتهم من طاعة الله تعالى، وها هم اليوم يملكون المليارات ويمتلكون العقارات ويعيشون بترف بينما الأتباع يعيشون في بؤس وتقشف نتيجة طاعتهم العمياء لهؤلاء، وما أن تقوم أي جهة بمحاولة وعي الناس وتحذيرهم من مخاطر الجهل الذي يسوّق عليهم تبدأ أذرعهم الإعلامية وذبابهم الإلكتروني بالتشهير والتشويه وشيطنة هذه الجهة حتى يسكتوها أو يقومون بتصفيتها تحت دواعي الخيانة أو الخروج عن المذهب وما إلى ذلك من اتهامات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، فيبقى المصلح متهما وغريبا في بلده ويبقى الفاسدون هم أهل الدار وسادته.
المخاطر التي تسببها صناعة الجهل
إضافة لتجهيل المجتمع وخداعه فإن الجهل يعطي صورة سلبية عن واقع المجتمع، باعتباره مجتمعا يسهل خداعه، كما في الحالة العراقية اليوم، بينما في الحقيقة الشعب العراقي هو شعب مثقف وواعي، ونادرا ما تجد بيتا عراقيا يخلو من مكتبة حتى ولو كانت صغيرة، حتى قيل ” إن الكتب تؤلف في القاهرة وتطبع في بيروت وتقرأ في العراق”.
يحتاج العراق إلى حملة وطنية علمية لنشر الوعي لمواجهة استراتيجية صناعة الجهل وفضح القائمين عليها، وإن مثل هذه الحملات تحتاج لقوى وطنية حريصة على ثقافة الشعب، وتحتاج إلى جهات علمية وثقافية تتكاتف فيما بينها.
مقال خاص براسام

