أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

إشتدت مناقشات الأعيان، بعد قرار تقسيم فلسطين الذي أصدرته الأمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م، بين العرب واليهود وتكوين دولتين منهم، إحداهما للعرب والأخرى لليهود، وأعلنت حكومة (صالح جبر) من خلال ما أوردته في خطاب العرش الذي أُلقي عند افتتاح مجلس الامة (الأعيان والنواب) في ١ كانون الأول ١٩٤٧م من أن الحكومة ستعمل على إنقاذ فلسطين والحيلولة دون ضياعها عن طريق التعاون مع الأقطار العربية.
كما تقدم عددا من (الأعيان والنواب) ببيان إلى الحكومة يطالبونها فيه بالتضامن مع الشعب العربي الفلسطيني من أجل نيل حقوقه المشروعة وإرسال برقيات احتجاج إلى رؤساء الدول الكبرى على القرار الجائر الذي اتخذته الأمم المتحدة أو مما جاء فيه :
“… تجتاز الامة العربية مرحلة عصيبة تهدد حياتها وكيانها بأعظم الأخطار وعلى الامة أن تختار أحد الأمرين لا ثالث لهما فإما أن تتنازل عن حقوقها الطبيعية في الحياة أو في تقرير مصيرها، وإما أن تثب وثبة كبرى مبادرة إلى البذل والمفاداة في سبيل حريتها وحقها في الكرامة، وإن من أخطر المآسي المذكورة التي فوجئ بها العرب هو القرار الجائر الذي اتخذته أكثرية هيئة الأمم المتحدة بالموافقة على تقسيم فلسطين…”.
أخذت القضية الفلسطينية دورا خطيرا وتفاقم أمرها بعد اعلان الصهاينة ما يسمى بـ (دولة إسرائيل) على أرض فلسطين في ١٤ أيار ١٩٤٨م، فضلا عن اندلاع الحرب العربية – الصهيونية في ١١ حزيران ١٩٤٨م.
أصدر مجلس الأمن قراراً ألزم بموجبه الدول العربية بقبول الهدنة وإيقاف القتال في فلسطين، وعندما استؤنف القتال في حزيران ١٩٤٨م، شعرت الحكومات العربية أن هناك ضغوطا دولية لعقد هدنة دائمة بين العرب والصهاينة، وفي ضوء ذلك قررت حكومة مزاحم الباجه جي دعوة اللجنة السياسية التابعة لجامعة الدول العربية إلى الاجتماع في بيروت في منتصف تموز ١٩٤٨م لبحث موضوع الهدنة.
انتقد العين صادق البصام موقف الحكومة العراقية وموقف بعض الحكومات العربية من خلال ما نشر في الصحف عن اعتراف الحكومة البريطانية بإسرائيل بحجة أن بريطانيا ملزمة بتنفيذ تعهداتها تجاه منظمة الأمم المتحدة، تلك التعهدات المتعلقة بقرار تقسيم فلسطين، وانتقد حكومتي شرق الأردن ومصر لاشتراكهما في المفاوضات في رودس والقدس عام ١٩٤٨ – ١٩٤٩م وطالب بتحديد موقف العراق منها، وانتقد العين توفيق السويدي، موقف بريطانيا وأشار إلى المادة الثالثة من المعاهدة العراقية البريطانية لعام ١٩٣٠م تمنعها من القيام بهذا العمل قبل أن تأخذ رأي العراق وتستشيره.
كان لتطورات الحرب العربية – الصهيونية ووقعها المؤثر في الرأي العام العراقي، فقد قامت مظاهرات في بغداد ومدن العراق الأخرى مطالبة بنجدة الجيش المصري في الفالوجه، وقد تسبب ذلك في وقوع صدامات واسعة بين الشرطة والمتظاهرين كان حصيلتها جرح عدد من المتظاهرين واعتقال قسم منهم. إلا ان حكومة (مزاحم الباجه جي) وجدت نفسها في موقف لا تقوى عليه بسبب عجزها عن الوقوف أمام هذه المطالب فاستقالت في ٦ كانون الثاني ١٩٤٩م، وحلت محلها حكومة (نوري السعيد) العاشرة التي أعلنت عند تشكيلها بأن واجبها ينحصر بالدرجة الأولى في فلسطين.
وعند مناقشة خطاب العرش في مجلس الأمة (الاعيان والنواب) في حكومة نوري السعيد العاشرة أوائل عام ١٩٤٩م، تحدث عددا من الأعيان والنواب خلال الجلسة عن الأسس التي يمكن الاستناد عليها لإنقاذ فلسطين وحددوها بثلاث عناصر هي (الرجال والمال والدهاء السياسي)، كما أشاد النائب الدكتور عبد الجبار الجومرد في حديثه في هذه الجلسة حيث أشاد بنضال الشعب العراقي وتضحيته تجاه فلسطين بقوله :”وأي شعب عربي قام بتضحية تجاه فلسطين أكثر من الشعب العراقي، وأي رجل في العرب حاضر للتضحية في سبيل فلسطين أكثر من الرجل العراقي، إن الشعب العراقي قد أدى واجبه من ناحيتين الرجال والمال وسيؤدي ذلك سواءً اليوم أو غداً …”.
نبه العين (يوسف غنيمة) بمذكرة موجهة إلى مجلس الأعيان إلى مخاطر الصحافة الامريكية، عما تنشره مجلة (نيوزويك) في مقالاتها “أرض الميعاد” في العدد المؤرخ ٢ أيار ١٩٤٩م، والمقال الآخر في ٦ أيار عام ١٩٤٩م، تحت عنوان “إسرائيل سنة فخر” وطالب الاتصال بالسلطات المختصة لمنع توزيع هذه المجلة. كما انتقد العين (مولود مخلص) سياسة العراق الخارجية وسيرها وفقا للسياسة البريطانية ووجه انتقادا لبريطانيا والولايات المتحدة لأنهما وراء الكارثة التي حلت بالعرب وإنهما ساعدا وشجعا على إقامة الكيان الصهيوني، وأشار العين (صالح جبر) إلى أن مواقف بريطانيا وامريكا لا تدعو للتفاؤل في حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً وعليه فإن سياسة الاعتماد عليها ستكون عديمة الفائدة، وانتقد سياسة نوري السعيد الساعية إلى الاعتماد على دول ميثاق (حلف) بغداد لحل القضية.
دعا عدد من الأعيان إلى تماسك الأمة العربية واتخاذ إجراءات عسكرية لإنقاذ فلسطين وعدم الاعتماد على بريطانيا أو غيرها، فقد أشار العين ناجي السويدي إلى أثر المقاومة العربية موضحا أن العطف والبكاء والأقوال الفارغة والتظاهرات لا يستفيد منها الفلسطيني شيئاً، وأكد الأمر نفسه العين عبد المهدي، قائلا: ” إن قضية فلسطين لا تعالج بمقال في الجرائد أو خطاب يلقى في مجلس، بل بمكافحة الصهيونية”، وأشار العين مولود مخلص إلى أن انقاذ فلسطين لا يتم إلا بالتضامن العربي، وطلب العين محسن أبو طبيخ إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لأن الكلام والخطب والكتابات في الصحف لا تدفع عن فلسطين الشر، وكرر دعوته للقتال وضرورة الكفاح المسلح، وأكد الأمر نفسه الأعيان (مولود مخلص وعبد المهدي وصادق البصام).
وطالب الأعيان الحكومة العراقية بوضع خطة عسكرية عربية للدفاع عن فلسطين يحدد فيها لكل جيش من الأقطار العربية واجباته وأهدافه ووضع خطة سياسية عربية موحدة للقضاء على أية محاولة لتكوين دولة يهودية في فلسطين، ودعت لجنة الأمور المالية والاقتصادية عام ١٩٤٩م العرب حكومات وشعوبا الى أن التصدي لخطر الصهيونية وذلك بالاستعداد لكفاح طويل وإتباع خطة موحدة لمكافحتها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، كما دعوا إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية لمقاومة الكيان الصهيوني، ومقاطعة بضائعهم، ودعا الأعيان مصطفى العمري وصادق البصام وعبد المهدي ومحسن أبو طبيخ، العرب أن يدركوا مصالحهم ويقفوا أمام بريطانيا وأمريكا ويقولوا لهم ليس لكم مصالح في أقطارنا إذا كنتم تهددون مصالحنا في عقر دارنا. كما طالبوا باستخدام النفط كسلاح في المعركة، وخاصة مع بريطانيا، حفظا لكرامتهم ولأنفسهم كعرب أن يتخذوا النفط كسلاح يقيهم ويحفظهم ويجب التضحية بالنفط وغير النفط من أجل فلسطين، وأشار العين نوري السعيد إلى أن باستطاعة العرب إذا كانوا جادين فعلا القضاء على الكيان الصهيوني اقتصاديا وصناعيا، فهما أحسن سلاح بأيدي العرب.
كذلك دعا عدد من الأعيان إلى التضامن العربي والوحدة من أجل الوقوف ضد الكيان الصهيوني، ونبذ الخلافات والدعوة إلى أن تأخذ الجامعة العربية دورها في مضاعفة الجهود لانتشال فلسطين مما هي فيه، وأكد العين صادق البصام “أن الوحدة العربية لا يمكن تحقيقها ولا يمكن صيانتها بدون أن تعاد لفلسطين حقوقها المغتصبة كاملة غير منقوصة”، وأكد العين عبد المهدي أنه يجب اعتبار القضية الفلسطينية القضية العربية الأولى، وانتقد العرب لأنهم أضاعوا فلسطين بالخلافات الشخصية، وأكد الأمر نفسه العين (مولود مخلص) داعيا إلى التضامن العربي من أجل انقاذ فلسطين ومنبها إلى المخاطر المستقبلية للصهاينة على الأمة العربية لا اقتصاديا فحسب بل سياسياً، وأكد العين (حمدي الباجه جي) أن تكون القضية الفلسطينية فاتحة القضايا التي تشغل الحكومات العربية، في حين رأى العين (مصطفى العمري) أن التدهور الذي حصل في قضية فلسطين هو بسبب الخلافات بين الأقطار العربية.
وخلال مناقشة مجلس الامة (الأعيان والنواب) لجواب الرد على خطاب العرش بجلسته المنعقدة في ٣٠ كانون الأول ١٩٥٣ تحدث عدد من الأعيان والنواب عن القضية الفلسطينية فبيّنوا أن أمريكا تمد (إسرائيل) باستمرار بوسائل البقاء شوكة في عين العرب وأن لا أمن ولا سلام الا بمحو العار الذي لطخ به جبين العرب الامة في قضية فلسطين…”. وأشار الأعيان نور الدين محمود ومصطفى العمري ومولود مخلص وعبد المهدي ومحسن أبو طبيخ إلى أن القضاء على إسرائيل لا يتم الا بالوحدة العربية وجمع الكلمة.
وعند مجيء حكومة (علي جودت الأيوبي) في حزيران ١٩٥٧م إلى الحكم، صرّح الايوبي نفسه معلنا استعداده لوضع جميع إمكانات العراق بالتعاون مع الدول العربية والإسلامية الحليفة والصديقة لحل قضية فلسطين حلا عادلا يحفظ لأهلها حقوقهم المشروعة.
وعند مناقشة دستور الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن، تحدث عدد من الأعيان – منهم عبد المجيد علاوي وعبد المهدي وصادق البصام ورايح العطية وأحمد الداود ومصطفى العمري- عن ضرورة الوحدة العربية التي لو كانت لما حصلت كارثة فلسطين .
وعلى ما يظهر فانه لم يتحقق شيء من ذلك، مما حدا بالأعيان إلى مطالبة حكومة (عبد الوهاب مرجان) في أوائل كانون الثاني ١٩٥٨م، بإنقاذ فلسطين بانتهاج سياسة خارجية تعمل على استقلال العرب وتخليص فلسطين من العصابات الصهيونية.
ومما تقدم تبين أن القضية الفلسطينية شغلت مناقشات مجلس الأعيان العراقي بشكل جدي، وقد كانت الآراء متفقة على مناهضة الكيان الصهيوني ومتفقة على أهمية التضامن العربي لحل هذه القضية واعتبار أن قضية فلسطين قضية العرب الكبرى.

المصادر :
١ – محاضر جلسات مجلس الامة (الأعيان والنواب).
٢ – محاضر جلسات مجلس الأعيان العراقي ١٩٤٧ – ١٩٥٨م.
٣ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الأجزاء، ٦، ٧، ٨، (بغداد، ١٩٨٨).

مقال خاص براسام