الكاتب: نظير الكندوري

حظيت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، اهتمامًا واسعًا من الكتل السياسية العراقية، وعاشوا حالة ترقب لنتائجها، فمنهم من يتأمل فوز جو بايدن، ومنهم من يتمنى تجديد الرئاسة لدونالد ترامب، أما الشعب العراقي، فلم يكن لهذا الحدث الأولوية، ولم يكن محطَّ اهتماماته، لاقتناعهم الراسخ بأن الرئيس الحالي لم يقدَّم للعراق خيرًا يُذكر، ولا يرجون في خصمه الرئيس المنتخب جو بايدن، أن يُقدَّم خيرًا للعراقيين. فقد خَبِرَ العراقيون العديد من الرؤساء الأمريكيان، سواءً الجمهوريين منهم، أو الديمقراطيين، وجميعهم لم يقدموا خيرًا يُذكر للعراقيين.
وحين نريد رصد تفاعل السياسيين العراقيين مع الانتخابات الأمريكية ونتائجها، من الضروري ملاحظة أننا لا نتعامل مع دولة ذات كيان سياسي وجغرافي واحد، أو لها توجه سياسي واحد، تجاه القضايا الدولية المختلفة. فحقيقة الوضع بالعراق، أن الحكومة العراقية برئاسة الكاظمي، ليست بالضرورة أن تكون هي المعبرة عن وجهة نظر الدولة العراقية حاليًا، إنما يشاركها في ذلك، مختلف مراكز القوى السياسية والعسكرية الموجود في هذا البلد، حيث أن لكل كيان سياسي يمثل طائفة، أو قومية، أو كيان عسكري، وجهة نظر سياسية يعبر عنها من خلال مواقفه، وتصريحاته على وسائله الإعلامية الخاصة به. وبالتالي علينا معرفة رد الفعل لكل طرف عراقي بمعزل عن الطرف الأخر، ومناقشة ما هي تداعيات مثل هذا الحدث على هذا الكيان السياسي، من الناحية السياسية والعسكرية وغيرها من التأثيرات.

رد الفعل الكردي على ما يجري في الولايات المتحدة
وإذا ما شئنا أن نبدأ برد الفعل الكردي والمتمثل بإقليم كردستان شبه المستقل، والمسيطر عليه من قبل الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، فلهذين الحزبين، رؤى وأجندات ربما تكون متباينة ومختلفة مع حكومة المركز، بل إن لكلا الحزبين رؤى متوافقة احيانًا ومختلفة في أحيان أخرى فيما بينهما.
فهما بشكل عام ينظران بشيء من الإيجابية لوصول جو بايدن للرئاسة، لاسيما وهو السياسي الأمريكي الديمقراطي الذي تربطه علاقات وثيقة بالكرد. وقد زار كردستان أثناء شغله لمنصب نائب الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، مرات عديدة، وتربطه برئيس الإقليم السابق مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، علاقات وثيقة. فقد نقلت وسائل الاعلام عن جو بايدن في لقاء له مع مسعود البارزاني قبل سنوات، قوله، أن “حلم الدولة الكردية سنشهده يومًا ما أنا وأنت”. وعلى هذا الاعتبار، يرى بعض الساسة الكرد، إن مجيء جو بايدن للرئاسة، ربما سيدعم خطط الاكراد في استقلالهم عن العراق وتأسيس دولة كردية مستقلة في شماله، وما يعضد تلك الفكرة، كون بايدن هو صاحب فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دول إحداها دولة كردية في شماله، بالإضافة إلى دولة سنية وأخرى شيعية.
لكن بعض المثقفين الكرد، يرون أن هذه التوقعات من الرئيس الأمريكي الجديد، بدعم استقلال الكرد ربما تكون توقعات مبالغ فيها. ذلك لأن الاقتراح الذي ساقه بايدن حول التقسيم، كان في عام 2006، وحينها كانت الحرب الطائفية بين العراقيين على أشُدها، والاقتراح الذي تبناه بايدن، كان حسب وجهة نظره، حلًا مثاليًا للمشاكل التي يمر بها العراق في ذلك الوقت. بينما الأمور اليوم قد تغيرت كثيرًا، وأصبح العراق مُسيطر عليه من قبل القوى الشيعية بشكل أكبر من ذي قبل، وبالتالي فإن خيار التقسيم لم يعد مطروحًا. بالإضافة إلى أن هذا المقترح، سوف يتعارض مع الرغبة الإيرانية التي تُفضل التعامل مع عراق موحد تحت سيطرة شيعية، على تعاملها مع ثلاث دول ربما تكون اثنين منها دول معادية لها. ويضيف أولئك المثقفون الكرد، بأن من غير الصحيح أن يرتفع التفاؤل الكردي بالرئيس الجديد للدرجة التي يتوقعون فيها دعمًا أمريكيًا في هذا الأمر. لأن تجربة الكرد مع واشنطن غير مطمئنة لهم، لاسيما وأن الأمريكان قد خذلوا الكرد في تجربة الاستفتاء التي اقدموا عليها عام 2017، وهي تجربة كافية لكي تجعل الكرد لا ينساقون كثيرًا وراء أحلامهم بدعم الأمريكان لهم.
لذلك فإن المتوقع من السياسيين الكرد، والذين هم منقسمون على أنفسهم حاليًا، بعدم التخلي عن تحالفاتهم الحالية واستبدالها بتحالف وحيد مع الأمريكان. فمسعود البارزاني وحزبه الديمقراطي، المسيطر على محافظتي أربيل ودهوك، يرتبط بتحالفات وثيقة مع الجانب التركي، ويعتقدون أن تركيا أوثق لهم في الجانب الأمريكي، رغم عدم رفضهم لأية مساعدات أمريكية أو موقف أمريكي مساند لهم لتقوية مركزهم. أما الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على محافظة السليمانية وما جاورها، فهو مرتبط بعلاقات وثيقة مع الجانب الإيراني، ويعتقدون أن إيران هي حليف أكثر موثوقية من الامريكان، الذين من السهل عليهم التخلي عن حلفائها.
كما أن الحالة الجيوسياسية لمنطقة كردستان العراق، تفرض على الاتحاد التحالف مع إيران وحلفائها بالعراق كالميليشيات ومع أعداء تركيا مثل حزب العمال، بينما تفرض الحالة الجيوسياسية على الحزب الديمقراطي، التحالف مع تركيا والتعاون معها في حرب أعداء تركيا.

رد فعل الكتل السنيَّة من تغيير الإدارة الأمريكية
وفيما يتعلق بالقوى السياسية السنيَّة المشاركة في العملية السياسية، فنظرتهم إزاء التغييرات في واشطن، ربما هي مشابهة لنظرة الكرد إلى حدٍ ما، فهم يعولون كثيرًا على تصريحاته القديمة واقتراحاته بضرورة تقسيم العراق الى ثلاث دول مختلفة، رغم إنهم كانوا في السابق، من أشد الرافضين لمثل هذا التقسيم، لكنهم يجدون أنفسهم اليوم وبعد سنين من الاضطهاد الطائفي لحاضنتهم الشعبية، وبعد الاقصاء المتعمد للسياسيين السنَّة، يجدون الاستقلال عن العراق وتكوين دولة بمواردها الحالية، أو تشكيل إقليم يتمتع ببعض الصلاحيات بمعزل عن حكومة المركز، هو أفضل حلٍ لهم في ظل الظرف الحالي. وهي فرصة مناسبة للاستئثار بموارد مناطق السنَّة واستقلالهم بدولة تكون قريبة من الدول الخليجية وتحظى بدعمها. وعلى هذا الأساس، فهم متحمسون لمجيء بايدن للرئاسة، ويعتقدون أنه سيكون المخلص لهم، رغم أن من المتوقع أن يكونوا أكثر حذرًا بالتعامل مع الأمريكان، بسبب احتمالية حدوث تفاهمات إيرانية – أمريكية ستكون على حسابهم.

الأطراف الشيعيَّة وموقفها من الإدارة الأمريكية الجديدة
وفيما يتعلق بالقوى السياسية الشيعية، فهي من أشد المتحمسين للتغيير الذي حصل في واشنطن، وجميعهم رحبوا بشدة بوصول بايدن إلى سدة الرئاسة، ذلك بسبب اعتقادهم بأن الضغوط التي مارسها ترامب على إيران وكذلك على الأحزاب والميليشيات العراقية الموالية لإيران، سوف تزول، لدرجة أن هذه الأحزاب والميليشيات، أمرت أتباعها بالخروج للتظاهر فرحًا بخبر اعلان فوزه، ويمنّون أنفسهم بأن الرئيس الأمريكي الجديد، سوف يطلق يد إيران في المنطقة، وسيسفر عن دوام سيطرة هذه الأحزاب والميليشيات على العراق. كما يعتقدون، أن وصول بايدن للرئاسة، يعني خروج إيران من أزمتها الاقتصادية الخانقة وبالتالي خروج هذه الميليشيات من أزمتها أيضًا، بعد أن يقوم بايدن بتوقيع اتفاقًا نوويًا جديدًا مع إيران، يتم بموجبه رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها.

ماذا عن موقف الشعب العراقي من تغيير الإدارة الأمريكية؟
لكن لو نظرنا إلى وجهة نظر الشعب العراقي من وصول بايدن للسلطة، فسنرى تباينًا واضحًا مع ردود أفعال الأحزاب الحاكمة ومن كل الاطياف. فالشباب الذين خرجوا بتظاهرات عارمة في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، رافعين مطالبهم باستعادة الوطن، لن يشكل لهم مجيء بايدن للرئاسة مكسبا على أي صعيد. فهو لن يختلف عن سلفه “ترامب” الذي لم يؤيد التظاهرات الشبابية تأييدًا واضحًا. والضغط الذي شكله ترامب على إيران وعلى الميليشيات الموالية لها في العراق، لم تكن من أجل سواد العراقيين، وكان من الممكن أن ينقلب عداء ترامب لإيران وميليشياتها إلى صداقة، لو استجابت إيران لشروطه. وبالتالي فإن شباب تشرين، يرون وصول بايدن للسلطة، هو استمرار لهذا ودعم للنظام العراقي بكل سوءاته، وغياب لأفق التغيير في العراق قريبًا.
أما السنَّة وشبابها الفاعل، فهم لم يكونوا متحمسين لترامب في السابق، وبالتأكيد ليست لهم الحماسة الشديدة للرئيس الجديد الذي من الواضح أنه ليس مع مطالب هذا المكون العادلة لإعادة الاعتبار له كمكون أصيل من مكونات المجتمع العراقي. لا سيما وأن جو بايدن، يعتبر شباب السنَّة، هم العدو الأول للولايات المتحدة اثناء غزوهم العراق، على اعتبار أنهم أول من حمل السلاح ضد احتلالهم للبلاد.
أما شعبنا الكردي الذي في معظمه مع الأسف مؤدلج بالقضايا القومية، وأحلام الاستقلال الكردي بدولة منفصلة، فهم ينظرون إلى الرئيس الأمريكي الجديد، بكل أمل عسى أن يساعدهم على تنفيذ احلامهم المنشودة، لكن البعض منهم، يجدون أن مجيء بايدن للرئاسة، والضغط على تركيا كما وعد بحملته الانتخابية، التي تقف أمام أحلامهم حسب اعتقادهم، سيكون كافيًا في المرحلة الحالية، انتظارًا لليوم الذي يستطيعون فيه تحقيق الحلم المنشود.

كيف ستكون سياسة بايدن تجاه العراق؟
لقد أوضحنا فيما سبق ردود فعل العراقيين إزاء مجيئ بايدن للرئاسة، لكن ما هو المتوقع من بايدن إزاء العراق؟ من الواضح أن تصريحات ومواقف كل الرؤساء الأمريكان في الانتخابات تكون مغايرة إلى حدٍ كبير عن سياساتهم حينما يصلون البيت الأبيض، ووعود بايدن بانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة سلفه ترامب بالمنطقة، ربما لن تكون صحيحة تمامًا. لا سيما وأن ترامب ورغم تحفظات الأمريكيين عليه، إلَّا أنه حقق نجاحات كبيرة على مستوى مصالح الولايات المتحدة واقتصادها، ومن الممكن أن يمضي بايدن بنفس تلك السياسات ولنفس الغاية. ونعتقد أن غياب العراق من تصريحات المرشحين للرئاسة أثناء حملاتهم الانتخابية، إنما يدل على أمرين: فإما أن يكونا متفقين في سياساتهما حول العراق، أو أنهما لا يمتلكان رؤية واضحة ومحددة حول كيفية التعامل مع العراق. ورغم أن الاستنتاج الأول هو الأقرب للحقيقة حسب وجهة نظرنا، وأن سياسة بايدن سوف لن تختلف كثيرًا عن سياسة ترامب في العراق. وهذا يعني أن الحالة السيئة في العراق سوف تستمر لسنوات أخرى، وأن التعويل على التغييرات الأمريكية ربما لن يعود بالنفع على العراق، وأن التغيير الذي ينشده العراق لوطنهم، يجب أن يكون على أيدي أبنائه وقواه الفاعلة.

مقال خاص براسام