شاهو القره داغي

يخسر العراق يومياً مزيداً من الأصوات الحرة و الشباب الشجعان و عقول المستقبل من الباحثين عن الأمل و الأمان و الناقمين على الفوضى و الحروب و الدمار ، وكأن هناك خطة ممنهجة لاغتيال المستقبل وتصفية العقلاء والاحرار  و إيقاف عجلة التاريخ ليستمر هذه الحقبة المظلمة الذي يسود فيها الظلم و الظلام .

تتصاعد عمليات الاغتيالات و كتم الأصوات بالكواتم الذي يطال الناشطين و الصحفيين و الأصوات الحرة في المجتمع العراقي ، وتصدر هذه الجرائم من أطراف ميليشياوية تشعر أن الوعي الجماهيري و الثورة الحالية سوف تؤثر على حاضنتها الشعبية و سوف تهدد نفوذها مستقبلاً، وبالتالي فإن خوفها من فقدان السلطة و السيطرة تدفعها لارتكاب هذه الجرائم، لإبقاء المجتمع العراقي تحت الهيمنة الكاملة والخوف والتهديد دون السماح بأي تقدم او تطور نحو الامام.

مراحل تصفية الناشطين

المرحلة الأولى:

تبدأ المرحلة الأولى من مراحل تصفية الناشطين و الصحفيين بالتحريض وذلك كم خلال ظهور سياسي على إحدى القنوات الفضائية وقيامه بتخوين الناشطين و وصف المتظاهرين بالعملاء للسفارات الأجنبية ، والتحريض على قتلهم و إسكاتهم، منذ بداية تظاهرات تشرين 2019. وعلى سبيل المثال فقد تحدث زعيم ميليشيات عصائب اهل الحق (قيس الخزعلي) عن وجود مؤامرة أمريكية تقف وراء المظاهرات ، وحاول الخزعلي مراراً أن يربط بين المظاهرات الشعبية وبين الصراع السياسي بين طهران و أمريكا ليُكرر نفس الرواية الإيرانية الرسمية التي كانت تنظر للحراك الشعبي العراقي بأنها وسيلة ضغط أمريكية ضد المحور الإيراني .

بينما ظهر رئيس الوزراء العراقي الأسبق (نوري المالكي) قبل أسبوع في لقاء تلفزيوني هاجم من خلاله المتظاهرين من أهل ذي قار و شباب الناصرية ، وبعد هذا اللقاء بدأت موجة جديدة من عمليات تصفية الناشطين .

المرحلة الثانية:

وهي الفتوى الدينية التي تحلل دماء المتظاهرين و الناشطين باعتبارهم ينشرون قيم مخالفة للإسلام ويروجون للفسق و الفجور حسب فتاوى و خطب رجال الدين الموالين للميليشيات الولائية التابعة لطهران. حيث خرج رجل الدين الشيعي (جلال الدين الصغير) ليقول “أن حزب السفارات يريدون لنا هوية ما جرى في التظاهرات، هوية المشاركة في القتل واباحة الفجور وايقاف التعليم ودوائر الدولة واقفال الاسواق لانهم يريدون وطنا، يتم توجيههم من قبل سفارة الاستكبار و اموال الامارات وما يريده اسرائيل.”.

المرحلة الثالثة و الأخيرة:

هي التنفيذ الفعلي بعد حشو عقول الميليشيات و العصابات المسلحة بهذه الأفكار التحريضية و الحقد والكراهية تجاه كل من يُعارض و ينتقد منظومة الميليشيات .

كل مرحلة من هذه المراحل تُشكل جريمة مستقلة بموجب قانون العقوبات العراقي، فالتحريض على القتل جريمة ، و إصدار فتاوى والخطابات الدينية التي تدعو للعنف ضد الآخرين أيضاً جريمة، بالإضافة شمول هذه الأفعال ضمن قانون مكافحة الإرهاب الذي ينص في المادة الثانية الفقرة الأولى على أن من ضمن الأفعال الإرهابية:  “العنف أو التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو تعرض حياتهم وحرياتهم وآمنهم للخطر وتعريض أموالهم وممتلكاتهم للتلف أياً كانت بواعثه وأغراضه يقع تنفيذاً لمشروع إرهابي منظم فردي أو جماعي “.

 

أهداف الاغتيالات:

1 . من الواضح أن عمليات التصفية تستهدف النخبة الواعية التي ساهمت في انضاج مظاهرات تشرين ، والهدف من ذلك عدم السماح بتشكل نخبة من الناشطين و أصحاب الرأي ينجحون في إدارة المجتمع و يسحبون زمام المبادرة من رجال الدين و قادة الميليشيات التي تسلطت على رقاب المواطنين طوال السنوات الماضية.

2 . بعد المظاهرات الأخيرة ارتفعت الكثير من الأصوات و انتفضت العديد من المحافظات و زادت نسبة الوعي لدى المواطنين والشباب و تضاعفت مطالبهم بالحرية و الحقوق والعيش الكريم، وهذه الاغتيالات و عمليات التصفية التي تنفذ بأبشع الصور و أمام كاميرات المراقبة تهدف إلى إعادة البيئة المقموعة التي سادت في السابق، ونشر الخوف و الإرهاب في نفوس المواطنين حتى لا يفكروا في حقوقهم.

  1. في حال إجراء أي انتخابات مبكرة أو دورية ، يُشكل الناشطون و أصحاب الرأي عقبة رئيسية أمام الأحزاب السياسية و الميليشيات ، وبالتالي فإن الاغتيالات تُمهد لإفراغ المدن والمحافظات وخاصة الجنوبية من أي صوت معارض للأحزاب الحاكمة باعتبارهم ينظرون إلى هذه المناطق كحاضنة شعبية و يشعرون بالخطر في حال بروز أي أصوات معارضة تنجح في التأثير على المواطنين و توجيههم .

 

عجز الحكومة يُشجع الميليشيات

الفرق الوحيد بين الحكومة الحالية والحكومة السابقة في ملف التعامل مع الاغتيالات هو أن الحكومة السابقة كانت ساكتة عن عمليات القتل والاغتيالات دون أي اهتمام، بينما الحكومة الحالية تصدر البيانات و تتعهد بمحاسبة المسؤولين ويتوجه رئيس الحكومة إلى منازل عوائل الضحايا و يعدهم بأخذ الثأر والقصاص العادل ، ولكن في النتيجة الاغتيالات مستمرة و الميليشيات لا تشعر أن هناك خطر حقيقي عليها ولذلك تستمر في نشاطاتها الإرهابية دون أي تردد أو خوف من الشعارات والبيانات الحكومية.

تأجيل مواجهة الميليشيات يرفع التكاليف و يزيد من عدد الضحايا ، والدولة تملك كل الأدوات والوسائل لضرب الميليشيات و استعادة هيبة الدولة إن أرادت ، ولكن يبدو ان الشجاعة و الإرادة الكافية غائبة و أن الدولة تخشى من اللادولة و تعجز عن الدخول في المواجهة .

الأحزاب السياسية في العراق تُحذر وتخوف من مواجهة الحكومة لهذه الجماعات بحجة أن الدخول في المواجهة سيؤدي لدمار المجتمع و الفوضى واشعال الحرب الاهلية ، وكأن عمليات القتل و الاغتيال والخطف اليومي لا يؤثر على السلم الأهلي وسلامة المجتمع ولا يهدد بإشعال الحروب و الصراعات!

وفي النهاية على الدولة العميقة و الميليشيات أن تُدرك أن هذه التصرفات لن تؤخر في بروز شمس الحرية بل تُعجل في غروبهم ولا يمكن اغتيال المستقبل العراقي، وكما يقول (بابلو نيرودا) : “يمكنك أن تقطع كلّ الأزهار ، و لكنك لا تستطيع أن تمنع الربيع من القدوم.”

 

مقال خاص براسام