أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
الصناعة النفطية في العراق خلال العهد الجمهوري:
أ – المرحلة الأولى: ١٩٥٨ – ١٩٦٣م:
كانت أولى مهمات ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م تحرير الثورة النفطية من سيطرة الاحتكارات الأجنبية، لأن النفط كان جزءاً حيوياً في الاقتصاد العراقي، فقد كان لشركة نفط العراق تأثيراً كبيراً على حجم الدخل الذي تتسلمه الحكومة ومن ثم لديها تأثير كبير على قرارات الحكومة، لذا ومن أجل التخلص من هيمنة الشركات النفطية الأجنبية استطاعت الحكومة في الأشهر الأولى من الثورة تحقيق أولى إنجازاتها، وهي انشاء إدارة وطنية لمصلحة المصافي الحكومية، وطرد الخبراء الأجانب من مصفى الدورة، وقد وفر ذلك أكثر من مليون دينار سنوياً للخزينة.
إثرها بدأت الحكومة العراقية بالمفاوضات مع الشركات النفطية في ٢٠ آب ١٩٥٨م، واستمرت ثلاث سنوات، وكان يترأس الوفد العراقي الزعيم الركن عبد الكريم قاسم، حيث تركزت هذه المفاوضات حول حل المشكلات الناجمة عن طبيعة الاتفاقيات التي وضعت في العهد الملكي، وتبلورت مطالب الجانب العراقي بضرورة:
أ – تنازل الشركات عن الأراضي غير المستثمرة.
ب – إعادة احتساب كلفة انتاج النفط.
ج – اعتماد طريقة عادلة في تحديد الأسعار وزيادة حصة الحكومة من الأرباح.
د – المشاركة في الإدارة العليا وفي شؤون التوظيف.
هـ – الإشراف على حساباتها والإسهام بشكل حقيقي وفعال في إدارة شؤونها.
غير أن الشركات استمرت بممارسة عمليات المماطلة والتسويف في رفض أكثر المطالب، وعملت على إطالة المفاوضات بغية الوصول إلى الإحباط واليأس في نفوس المفاوضين العراقيين ودفعهم للاستسلام لمطالبها والإذعان، لهذا لم تصل الحكومة العراقية في المفاوضات الى أي نتيجة إيجابية، ولم تستجب الشركات خلالها لمطالب الجانب العراقي، إثرها اتخذت الحكومة قرارات متتالية، أبرزها إصدار قانون خاص بالنفط، ففي ٤ آذار صدر قانون (٣٧) لسنة (١٩٥٩م) باسم (قانون الهيئة العامة لشؤون النفط) والغاء امتياز شركة خانقين مع تخفيض أسعار المنتجات النفطية.
كما شكلت لأول مرة وزارة خاصة للنفط في عام١٩٥٩م، وكان أهم قرار اتخذته الحكومة هو قانون النفط رقم (٨٠) لسنة ١٩٦١م في ١١ كانون الأول عام ١٩٦١م، والذي جرى بموجبه تحديد مناطق الاستثمار لشركات النفط واسترجاع الأراضي غير المستثمرة فعلاً، وقد استرجع هذا القرار (٩٩,٥٪) من الأراضي العراقية الخاضعة لامتيازات تلك الشركات التي لم تستغلها الشركات الأجنبية وتبلغ مساحتها (٤٤٢) كم٢.
وبموجب قرار رقم (٨٠) تركت للشركات النفطية الأجنبية المساحات المنتجة للنفط فقط وهي:
1 – شركة نفط العراق: منطقة كركوك وباي حسن وجمبور.
٢ – شركة نفط الموصل: حقول عين زالة وبطمة.
٣ – شركة نفط البصرة: حقول الرميلة والزبير.
وتعد هذه الخطوة الحكومية في مجال الاستثمار سعيا لتأسيس شركة النفط الوطنية، وبهذا أعدت الحكومة العراقية لائحة قانون تأسيس شركة النفط الوطنية (INOC2) (Iraqi National Oil Company) في عام ١٩٦٢م كأداة للحفاظ على الثروة النفطية، وحقوق العراق بإنشاء قطاع نفطي عراقي يمنح شركة النفط الوطنية حق الاستثمار حصراً في جميع المناطق التي تحتوي على الثروة الوطنية، كذلك تعيين مناطق الاستثمار للشركات النفطية في القانون المذكور آنفا، ووضع شركات النفط الأجنبية في العراق أمام الأمر الواقع وسد الطريق أمام مناوراتها ومحاولاتها في إيقاف العمل بالقانون المذكور.
لم تحقق شركة النفط الوطنية العراقية في سنوات عمرها الأولى ما كانت تسعى إليه نتيجة طبيعة الأوضاع السياسية الداخلية الغير مستقرة التي شهدها العراق في تلك الفترة وظهور صراعات وتحالفات سياسية واجتماعية لقوى متعددة المصالح، ولأهداف سياسية رافق ذلك قيام شركات النفط الأجنبية بممارسة العديد من الضغوط لمنع شركات النفط العالمية الأخرى من شراء النفط العراقي أو العمل على استخراجه أو مشاركة الحكومة في ذلك أو التعاقد معها، بل وأنذرت بقية الشركات بمقاضاتها أمام المحاكم الدولية إن أقدمت على العمل في العراق أو اشترت نفطه أو أسهمت في استخراجه، في الوقت نفسه قامت بتخفيض نسبة الزيادة في الإنتاج من (١٣,٣٪) عام ١٩٦٠م الى (٣,٥٪) عام ١٩٦١م لتصل الى (١,٣٪ ) عام ١٩٦٢م، إذ اتبعت شركات الامتياز النفطي العاملة سياسة معاقبة العراق بتقليل انتاجه وحصته في الأسواق العالمية.
لقد كانت تلك أهم الضغوط التي مارستها الشركات في بلد يعاني تخلفاً في بنيته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإثر هذه السياسة الجائرة من قبل الشركات النفطية الأجنبية فقد خسر العراق ملايين الدولارات في الوقت الذي لم يكن وراء تلك التخفيضات مبررات فنية أو سوقية، فضلاً عن زيادة الطلب العالمي للنفط وارتفاع أسعاره، ولغرض مواجهة ضغوط الشركات سعت العديد من الدول المصدرة للنفط إلى انشاء منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في عام ١٩٦٠م وسعت من خلال هذه المنظمة الى إعادة تنظيم عملية تصدير النفط والتحكم بأسعاره ومعدلات إنتاجه.
أبقت شركات النفط الاحتكارية أمور الإدارة والتوظيف والاستخدام بأيديها على الرغم من وجود العديد من النصوص التي تلزمها باستخدام موظفين عراقيين ممن تتوفر لديهم الكفاءات المطلوبة، بل إن الحكومة العراقية لم تستطع تعيين مديرين عراقيين في مجلس إدارة الشركات ليكونوا ممثلين لها في إدارة الشركات، وفي جانب آخر اشترطت الاتفاقيات المعقودة على إحالة الخلافات التي قد تحدث الى التحكيم الدولي، وبذلك منع القضاء العراقي من ممارسة حقوقه في هذا الشأن الذي يمس سيادة الدولة العراقية على أراضيها، كما أعفيت الشركات من الضرائب والرسوم الأخرى ولا سيما الكمركية منها، كما قامت تلك الشركات بالسعي المتواصل عبر دفع قوى سياسية واجتماعية عراقية ودعمها وبإسناد وتدخل على مستوى إقليمي ودولي لإلغاء قانون النفط العراقي، ومحاربة الاستثمار الوطني.
حدث تغيير سياسي في البلاد في ٨ شباط ١٩٦٣م وتم إسقاط عبد الكريم قاسم وحكومته – سنرى في الحلقة القادمة كيف تعاملت الحكومة العراقية الجديدة مع النفط في مرحلتيه الثانية (١٩٦٣ – ١٩٧٣م) والثالثة (١٩٧٣ – ١٩٧٥) م.
المصادر والمراجع المعتمدة:
١ – توماس بالوك، سياسة الإعمار الاقتصادي في العراق، ترجمة محمد حسن سلمان (بغداد، ١٩٥٨م).
٢ – عبد الله شاتي عبهول: تجربة عبد الكريم قاسم في التخطيط الاقتصادي، (بغداد،٢٠١٢م).
٣ – لونكريك، النفط في الشرق الأوسط، اكتشافه وتطوره، (بيروت، ١٩٦٣م).
٤ ـ حكمت سامي سليمان، نفط العراق دراسة اقتصادية سياسية، (بغداد، ١٩٧٩م).
٥ – جواد العطار، تاريخ البترول في الشرق الأوسط (١٩٠١ – ١٩٧٢م) (بيروت، ١٩٧٧م).
مقال خاص براسام

