أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مرت قبل فترة قصيرة ذكرى عزيزة وغالية في نفوس العراقيين جميعاً، ألا وهي الثانية بعد المئة لثورة العشرين التحررية، كما هو معلوم، حيث تعد ثورة العشرين من أبرز الأحداث في تاريخ العراق المعاصر، ويمكن القول أن أحداثها تؤلف مرحلة قائمة بذاتها إلى حد كبير، كما أنها تمثل انطلاقة لمرحلة جديدة لا سيما في نتائج أحداثها التي أثرت بشكل واضح في الحياة الفكرية والسياسية في العراق.

وعلى هذا الأساس حظيت الثورة باهتمام كبير من لدن الباحثين في العراق وخارجه، وتصدت دراسات علمية كثيرة لجوانب متعددة من الثورة، في حين أن جوانب أخرى للثورة ما تزال بحاجة إلى المزيد من التقصي والبحث، وبحكم ذلك تغدو حلقاتنا المتواضعة هذه عن دور المثقفين في الثورة إسهامة لما للمثقفين من دور مهم في الإعداد للثورة وفي تحريك الحس الوطني وتعبئة الجماهير وتحشيدها.

وقبل الدخول لابد من تعريف مبسط للمثقف وصفاته ومواصفاته:

المثقف كما عرفه شيلر: “المثقفون هم قطاع بين المتعلمين يسعون إلى صياغة ضمير مجتمعهم ليتجه اتجاها راشدا ويؤثرون في القرارات الكبرى لهذا المجتمع”.

أما فوير فيعرفه: “بأنه الشخص الذي تمتد أفكاره إلى نطاق أبعد من مهنته ويهتم بالقضايا والمشكلات الحقيقية”.

أما سارتر فيعرفه: “انطلاقا من أدواره التاريخية ووظيفته المجتمعية.. فهو صاحب موقف ملتزم والمنحاز إلى القيم والعدل والحق والنيات الحسنة قبل أن يكون تقنيا ومتخصصاً بفروع العلم.
وأقول بشكل مختصر: من يمتلك وعيا يؤدي إلى موقف مبدئي هو المثقف الملتزم.

صفات المثقف الملتزم هي:
١ – الصدق: لأن الكذب يضعه في موقف محرج في أعين الناس، كما أن المثقف لا يميل إلى الثرثرة والكلام ولا يفرض آراءه على من حوله.
٢ – تقدير مواهبه: المثقف يدرك أن الموهبة دون المثابرة لا تدرك ثمارها.
٣ – التعاطف: يتسم المثقف بأنه شخص عاطفي وحساس تجاه الأحداث التي تجري في العالم، والتعاطف والتسامح أساس النجاح في العلاقات الاجتماعية.
٤ – الكرامة: صفة يتميز بها المثقف.
٥ – التواضع: لا يمتلك صفة الغرور.
٦ – الاحترام: المثقف يحترم الأشخاص الاخرين ووجهات نظرهم.

فئات المثقفين:
للتسهيل والتيسير قسمنا فئات المثقفين العراقيين إلى:

أ – الموظفون والضباط.
ب – رجال الدين.
ج – الخطباء والشعراء.
د – الكتاب والصحفيون.

مما يلحظ أن الفئة المثقفة تركزت بصورة عامة في مراكز المدن وخصوصاً في العاصمة بغداد، فقد كانت مركزاً للأحزاب السياسية السرية (كالعهد) و (حرس الاستقلال) وغيرها من التنظيمات.

– كان عدد من رجال هذه الأحزاب على اتصال وثيق ببعض مناطق العراق خاصة المراكز الدينية لما لهذه المراكز من تأثير على شيوخ العشائر والتجار وسكان المدن والأرياف.

لذا نرى ان فئات مختلفة من المثقفين العراقيين لهم دور واضح في مقاومة الاحتلال واعتبروه أمرا ذا أهمية خاصة.

– كذلك دور المثقفين كمحركين للجماهير من خلال نشاطاتهم وفعالياتهم في الشرائح الاجتماعية.

– رغم أن هذه الفئات كانت ذات اتجاهات مختلفة، لكن كانت تجمعهم الرغبة في التحرر والاستقلال.

الفئة الأولــــى:

١ – الموظفون والضباط:

– معظم الضباط إما تركوا صفوفهم في الجيش العثماني وانظموا إلى ثورة الحجاز وبعدها عملوا في الحكومة العربية بدمشق.
– البعض الاخر بقي في الجيش العثماني ولكنهم أرادوا العودة إلى وطنهم.

– كان أكثرهم من حزب العهد الذي كان له دورا أساسيا ومهما في تلك الحقبة من تاريخ العراق، بعد انقسامه إلى قسمين العهد العراقي والعهد السوري.

– وعلى هذا الأساس تشكل حزب العهد العراقي في بغداد سنة ١٩١٩م برئاسة سعيد النقشبندي وهو من كبار علماء بغداد وله دور كبير في الحركة الوطنية (كما كانت تسمى آنذاك) وكان المحتل الإنكليزي يسميهم (متمردين).

– في سنة ١٩١٩م أبدل حزب العلم في الموصل باسم حزب العهد وأصبح منذ ذلك الوقت فرعا للعهد.

– كانت الصحف والمنشورات والرسائل السرية (تهرب بانتظام) من سورية إلى العراق عن طريق النجف والموصل) ومنها إلى فروع حزب العهد في العراق من أجل تنمية الحركة الوطنية ومقاومة الاحتلال.

قرر حزب العهد أن يتخذ من مدينة دير الزور قاعدة لنشاطه الموجه إلى العراق، وكما هو معروف كان الحاكم العام لدير الزور آنذاك (مولود باشا مخلص).

– أوعز إلى قادته بقيام الضباط والجنود المستخدمين في الجيش العربي السوري لتقديم استقالاتهم بحجة الرغبة للذهاب إلى الوطن، وهي في الحقيقة للالتحاق بمعسكرات التدريب للتهيؤ للثورة.

– وهكذا تم الاتصال بين الموظفين والضباط العراقيين في الشام والعراق، كما ساعد وصول بعض الضباط العراقيين الذين سرحوا بعد انتهاء الحرب العالمية الحرب العالمية الأولى على تعزيز الروح الاستقلالية بما نشروه من دعايات ورووه من روايات.
نتساءل: هل كان لفئات المثقفين العراقيين من خريجي المدارس العثمانية ببغداد وإسطنبول دور في مقاومة الاحتلال البريطاني يا ترى؟
الجواب في الحلقة القادمة…

مقال خاص براسام