المقدمة:
يبدو بأن فكرة أنشاء ناتو عربي أو شرق أوسطي قد عادت مرة أخرى لتتصدر المشهد السياسي والأمني، وذلك بعد التصريحات التي أدلى بها العاهل الأردني لقناة “سي. إن. بي. سي” الأمريكية، والتي أثارت تساؤلات كثيرة عن طبيعة هذا التحالف، ومهامه، وأهدافه الأمنية والعسكرية، والدول التي ستشارك، وقد أشار جلالة الملك الأردني في معرض رده على سؤال الاعلامية في الشبكة “هادلي غامبل”، بأنه “يدعم تشكيل تحالف عسكري في الشرق الأوسط على غرار حلف الشمال الأطلسي” “الناتو” وأضاف بأن الرؤية وبيان المهمة الخاصة بمثل هذا التحالف العسكري يجب أن “تكون واضحة جداً، ويجب أن يكون دوره محدداً بشكلٍ جيد، وإلا فإنه سيربك الجميع”، وقد جاءت هذه التصريحات في ظروف وتطورات صعبة تشهدها المنطقة بسبب تداعيات الحرب الروسية- الأوكرانية على دول المنطقة، وكذلك فشل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية في التوصل الى اتفاق جديد مع إيران فيما يخص الملف النووي، ناهيك عن الخلافات الداخلية والساخنة التي تضرب دول المنطقة ومنها التصعيد بين الكيان الصهيوني وإيران، بما فيها اقتراب (3) زوارق ايرانية من سفينتين امريكية تابعة للأسطول الخامس الأمريكي قرب هرمز في 21 يونيو /حزيران  الماضي.

فكرة تشكيل تحالف عسكري:
إن طرح فكرة تشكيل ناتو عربي ليست وليدة الساعة وتطورات الأحداث بل أنها سبق وإن طرحت في عام2011م لمواجهة تطورات وتداعيات ثورات الربيع العربي، ثم تكرر طرح هذه الفكرة مرة أخرى في عام2015م في فترة إدارة الرئيس “أوباما”، التي لم تكن متحمسة لمثل هذه الخطوة بسبب ابرامها الاتفاق النووي مع إيران، ثم تم أعادة طرح فكرة الناتو في فترة إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عام2016م، بعد أن تبنت هذه الإدارة سياسة وخطاب أكثر حدة في مواجهة المخططات الإيرانية ومنها ألغاء الاتفاق النووي (5+1)الذي أبرم عام2015م، وقد نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين أمريكيين إن السعودية طرحت فكرة إقامة تحالف أمني يضم أكثر من(50)دولة أسلامية قبيل زيارة الرئيس الأمريكي “ترامب” الى المملكة العربية السعودية في 22 أيار عام2017م، كما إن فكرة تشكيل الناتو تعود الى وزير الدفاع الأمريكي “جيمس ماتيس” عام 2018م والذي اطلق عليه تحالف الشرق الاوسط الاستراتيجي “ميسا” لمواجهة المشروع الايراني السياسي والميداني والعسكري بالمنطقة، بما فيها مواجهة وكلائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

مخاوف حقيقية:
إن عودة طرح هذه الفكرة مرة أخرى الى العلن على لسان العاهل الأردني يعني بأن هناك مخاوف حقيقة بدأت تزداد وتظهر الى العلن بسبب التواجد الإيراني في سوريا، حيث يرى العاهل الأردني بأن التواجد والتدخل الروسي في سوريا كان إيجابياً لتقليص تمدد النفوذ الإيراني والحد منه، ولكن تطورات الحرب الروسية-الأوكرانية دفعت موسكو الى تقليص تواجدها العسكري في سوريا، مما ترك فراغاً أمنيا وعسكرياً وظّفته إيران لمصالحها من خلال قيام ميليشياتها المسلحة بملء الفراغ الناجم عن هذا الانسحاب، وخاصةً على الحدود الجنوبية مع الأردن والتي شهدت مواجهات واشتباكات غير مسبوقة مع حرس الحدود الأردني مع مهربي السلاح والمخدرات التابعين لهذه الميليشيات، الأمر الذي أثار مخاوف كبيرة تتعلق بالتغير الديمغرافي، وتغيير التركيبة السكانية، الأمر الذي يهدد الأمن القومي الأردني ويقوض الأمن والاستقرار في المنطقة.

إن طرح هذه الفكرة بأسلوب جديد تتبناه أحدى دول المنطقة ضمن مفهوم حماية دول المنطقة قد يكون مقبولاً أكثر من طرحه من قبل الولايات المتحدة الأمريكية أو الكيان الصهيوني التي لا أحد يعرف هل ستكون هي جزء من هذا التحالف المزمع تشكيله أو لا؟، علماً بأن العاهل الأردني هو أول من حذر من الهلال الشيعي في المنطقة وأستشعر الخطر المحدق بالمنطقة، لذا فالهدف الرئيسي من تشكيل هذا التحالف هو لمواجهة التمدد الإيراني الذي أصبح يشكل هاجساً يزعزع أمن واستقرار دول المنطقة، خصوصاً بعد أن أصبحت إيران تحتل أربعة دول عربية هي العراق و سوريا ولبنان واليمن، لذا فالهدف من تشكيل هذا التحالف هو أمني وعسكري دفاعي وردعي، الغاية منه خلق توازن يسهم في تشكيل وبناء نظام إقليمي جديد، علماً بأن الهدف المعلن من تشكيل هذا التحالف كما قال العاهل الأردني هو “حماية أمن المنطقة، ومساعدة بعضنا البعض” بعد إن انكفأت واشنطن عن دول المنطقة الأمر الذي أسهم في اختلالات أمنية خطيرة دفعت دول المنطقة للتفكير والبحث عن بدائل أمنية كون أهمية هذه المنطقة قد تراجعت في سلم الأولويات السياسية والعسكرية والاقتصادية في الاستراتيجية الأمريكية لإدارة “بايدن”، التي تتجه الى مواجهة التوسع والتمدد الصيني في المحيط الهادئ وقد مهدت لملء الفارغ الناجم عن إعادة التموضع والانسحاب العسكري الأمريكي من المنطقة، عندما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” في15كانون الثاني/يناير عام2021م بأجراء تغير في خطة القيادة الموحدة بنقل الكيان الصهيوني من القيادة الأمريكية الأوروبية “يوكوم”، الى القيادة المركزية الأمريكية الوسطى “سينتكوم” التي تضم دول الخليج العربي التي لم تعترض على مثل هذه الخطوة، واليوم تفكر في إقامة تحالفات عسكرية لترتيب أمن المنطقة ودمج الكيان الصهيوني فيها.

بعض مهددات الأمن القومي العربي:
لقد أصبح من المعروف لدى الجميع بأن مهددات الأمن القومي العربي تأتي من العربة الأمريكية فى المنطقة واتفاقاتها السرية مع إيران أولاً، ثم من التعجرف والسياسية التوسعية التي تنتهجها كلا من إيران والكيان الصهيوني على حساب دول المنطقة التي أصبحت بين خيارات صعبة دفعت الكثير منها الى اتباع سياسة المحاور والتخندق لتأمين مصالحها ومنها التطبيع مع الكيان الصهيوني نتيجة العربة الإيرانية في المنطقة، كما دفعت بعض الدول الأخرى لتكون ضمن المحور الإيراني وخاصة بعد الخلافات الداخلية بين النظم السياسية الحاكمة في دول الخليج العربي والمنطقة، يضاف الى ذلك بأن تبني أيران لجماعات مسلحة محلية في كثير من بلدان المنطقة أدى الى تقويض الأمن والاستقرار في دولها وفي الدول المجاورة لها، مما جعل هذه الدول تستشعر المخاوف الأمنية المستقبلية والتي تعتبر من مهددات الأمن القومي العربي.

كما إن من الحقائق التي يجب أن نقر بها هو إن الارهاب الذي ضرب المنطقة كان بسبب احتلال العراق عام 2003م، الأمر الذي أخل بموازين القوى في المنطقة بعد أن وظفت المخابرات الاجنبية لخدمة مصالحها وتنفيذ مخططاتها لتدمير دول المنطقة وتحويلها الى دول فاشلة، لغرض أضعافها والسيطرة عليها، لذا لا يمكن تشكيل حلف عسكري يضم أحدى هذه القوى المزعزعة لاستقرار المنطقة، خاصةً وإن الكيان الصهيوني يحتل دولة فلسطين ويطرح إقامة دولته الكبرى من النيل الى الفرات، وهو يمارس سياسية عنصرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وتقوم بتنفيذ انتهاكات لحقوق الانسان، وتقوم بانتهاك حرمة المقدسات، كما إن ايران تحتل أربع دول عربية هي سوريا والعراق ولبنان واليمن وتريد إعادة امجاد الدولة الفارسية، لذا لا يمكن أن نتفهم أي ترتيبات أمنية وعسكرية بمشاركة هاتين الدولتين مهما كانت أسبابه ومبرراته، خاصةً وإن ذلك سيدفع الكثير من الدول الأخرى الى التطبيع مع الكيان الصهيوني مما يعني زيادة اندماجه في المنطقة.

معوقات وتحديات:
إن عدم وجود رؤية مشتركة بين دول المنطقة فيما يخص مهددات الأمن القومي العربي يجعل من الصعوبة بمكان أن نتمكن من بناء هذا التحالف العسكري، خصوصاً وإن هذه الدول فشلت في بناء رؤية سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية لدول مجلس التعاون العربي طيلة (40) سنة الماضية، كما إنها فشلت في التحالف العربي الرباعي الذي ضم كلاً من مصر والسعودية والبحرين والأمارات في حصار دولة قطر، الأمر الذي زاد من الخلافات العربية الداخلية, خصوصاً وإن هناك اتهامات مباشرة وجهت الى دولة قطر فيما يخص علاقاتها بإيران، كما إن عدم دخول دولة عمان في التحالف العربي الذي يقاتل في اليمن للسنة السابعة وانسحاب دولة قطر منه يعكس مدى اختلاف الرؤية بين دول المنطقة في إيجاد رؤية مشتركة، وتوافق سياسي حول وحدة الهدف، وحول بيئة وطبيعة التهديدات المحتملة؟, ومصدرها؟, وكيفية تحديدها؟, وكيفية مواجهتها؟.

إن عدم وجود تجانس بين الأنظمة السياسية الحاكمة، وكذلك في العقيدة العسكرية لجيوش المنطقة، وسياق استخدام القوة يجعل من الصعوبة بناء تحالف عسكري متجانس بينها، علماً بأن هناك بعض دول الخليج تسعى لاستعادة علاقاتها مع إيران في إطار المصالح المتبادلة ومنها دولة الامارات، وكذلك الأردن حيث صرح رئيس الوزراء الأردني قائلاً: “الأردن منفتح على علاقة صحية للغاية مع إيران” وأضاف “لم نتعامل مع طهران كمصدر تهديد للأمن القومي”، كما صرح وزير الخارجية الأردني “أيمن الصفدي” لصحيفة “النهار العربي اللبنانية” قائلاً:  “لم يطرح علينا ناتو بمعنى ما قيل في الأعلام، ولا يوجد حيث حول منظومة دفاعية إقليمية يكون الكيان الصهيوني جزءاً منها” وهذا يجعلنا نسأل أذاً لماذا الدعوة لتشكيل هذا التحالف من قبل العاهل الأردني؟، ومن نصدق في التصريحات؟، وهذا يعكس عدم وضوح الرؤية فيما يخص دول المنطقة حول التشكيل المزمع تشكيله.

أما على المستوى العسكري والفني واللوجستي فتوجد الكثير من الاسئلة التي يجب الإجابة عنها قبل تشكيل هذا التحالف وهي: ما هي أهداف هذه التحالف؟, وما هو شكله؟، وهل هو تحالف عسكري شامل؟, أم أمني؟, أم تحالف جوي؟, وما هو القوة المشكلة؟، ومن سيقود هذا التحالف؟، ومن سيموله؟، وأين سيكون مقره؟، وما هو التهديد المباشر للتحالف؟، وما هي ألية أتخاذ القرار؟، وما هي قواعد الاشتباك؟، وما هو دور كل دولة؟، وهل هو عربي أم شرق أوسطي؟، وهل سيشارك فيه الكيان الصهيوني أم لا؟، كما إن تشكيل هذا التحالف سيواجه معوقات أمنية خطيرة على الأمن العربي في المستقبل، لأن تشكيله يعني تبادل المعلومات الاستخبارية بين دول المنطقة، وكذلك ربط الانظمة الدفاعية، وشبكات الرادار، والانذار المبكر بين جميع الدول المشاركة فيها، وهذا سيؤدي الى كشف الكثير من المعلومات والاسرار الحربية، خصوصاً أذا تم مشاركة الكيان الصهيوني الذي سيصبح جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، مما يعني خرق أمني واستخباري خطير سيعود بالضرر على الأمن القومي العربي في المستقبل القريب، وهذا ما دعا مصر الى التصريح بأنه لا يوجد مثل هذا الطرح في هذه الفترة، حيث قال وزير الخارجية المصري في مؤتمر صحفي مع نظيره البحريني “إن فكرة إنشاء تحالف عسكري عربي على غرار حلف الناتو خلال زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية ليس مطروح على الطاولة.

إن تباين وأختلاف العلاقات بين الكثير من الدول العربية وإيران يجعلنا نقول بأن هناك معوقات كثيرة تحول دون تشكيل هذا التحالف، خصوصاً أذا علمناً بأن دولة عمان تتبع سياسة الحياد الايجابي في التعامل مع دول المنطقة، وهي من قادت المفاوضات النووية السرية بين واشنطن وطهران عام2015م، أما دولة قطر فتعتبر إيران من الدول التي ساندتها في كسر الحصار الذي فرض عليها من قبل التحالف الرباعي، وكذلك الكويت التي تربطها علاقات جيدة مع إيران، ولن تكون في أي تحالف عسكري ضدها، وأذا أردنا أن نتكلم عن العراق فنقول أنه فاقد لقراره السياسي والعسكري ولا يمكن البناء عليه في أي تحالف عسكري ضمن دول المنطقة، خصوصاً وإن الميليشيات التابعة لإيران هي تسيطر على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في العراق، أما مصر فأعتقد أنها لديها رؤية مختلفة عن دول المنطقة فيما يخص مهددات الأمن القومي المصري، بالأضافة الى أنها بعيدة عن مسرح الاحداث مع إيران، كما أنها رفضت سابقاً فكرة التدخل في اليمن، كما أنها وقفت تتفرج على قصف شركة أرامكوا، وحرب الناقلات التي طالت العديد من دول الخليج وفي مقدمتها السعودية والامارات، وأصبح شعار “مسافة السكة” من الماضي بعد أن أفرغت من محتواها، كما أصبح شعار أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر في مهب الريح في ظل التطور الأمني والعسكري الخطير الذي أصاب دول المنطقة، بعد أن وقفت مصر عاجزة عن نصرتها أو الذود عنها.

 

حقائق مهمة:
من الحقائق التي يجب أن نقف عندها هو إن الدول العربية غير قادرة على مواجهة إيران، وغير قادرة عن الدفاع عن نفسها أمام أي تهديد خارجي، خصوصاً وإن هناك تجارب سابقة كثيرة تدلل على ذلك ومنها فشل التحالف العربي في حسم المواجهة مع الحوثيين في اليمن منذ سبعة سنوات، بالإضافة الى تعرض بعض دول الخليج العربي الى هجمات بطائرات مسيرة، وصواريخ بالستية، ناهيك عن إعطاب الكثير من ناقلات النفط في بحر العرب والخليج العربي، يضاف الى ذلك فشل وعدم قدرة الكيان الصهيوني على أيقاف التمدد الإيراني في المنطقة، وخاصة فشلها في الحد من نفوذها في سوريا، أو حتى أيقاف التقدم في تطوير برنامجها النووي، على الرغم من الحرب الاستخبارية و السيبرانية والمخابراتية المستعرة بينهم، والتي تضمنت الحصول على نسخة من الارشيف النووي الإيراني، وتنفيذ اغتيالات طالت الكثير من الشخصيات الإيرانية المهمة التي تعمل في البرنامج النووي الإيراني مثل: “محسن فخري زاده” و”علي إسماعيل زاده” و”كامران ملابور” وكذلك “صياد خدائي” المسؤول عن برنامج تطوير الطائرات المسيرة، كما شملت “علي كماني”، و”محمد عبدوس” من القوة الجوية الفضائية، الأمر الذي تسبب في إقالة رئيس الاستخبارات الإيرانية “حسين طائب” الذي أخفق في حماية العلماء الإيرانيين.

لا شك بأن الكيان الصهيوني يعمل على أيجاد تحالفات عسكرية تساعده على مواجهة إيران وأذرعها في المنطقة أذا ما اندلعت مواجهة عسكرية بينهما، وهذا ما جعل وزير الدفاع الصهيوني “بيني غانتس” يدعو الى بناء قوة مشتركة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لضمان تفوق الكيان الصهيوني في أي مواجهة محتملة مع إيران، لذا فهي تسعى لأستخدم الدول العربية كأداة لحماية مصالحها وهي غير مستعدة لخسارة جندي يهودي واحد في سبيل حماية أي دولة عربية، كما إن أستخدم تعبير “رأس الأخطبوط” في أجتماع “لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنسيت الصهيوني” في توصيف إيران وأذرعها في المنطقة يعني بأن المواجهة المحتملة ستكون شاملة وهذا ما صرح به وزير الدفاع الذي قال” نحن نتحرك ضد الرأس وليس الأذرع فقط كما فعلنا في السنوات الماضية”، مما يعني أنها قد تواجه حرب شاملة من جبهات متعددة، علماً بأن القوات الصهيونية قد أنهت في الفترة الماضية مناورات أطلقت عليها “عربات النار” تحاكي قدرة القوات الصهيونية على خوض حرب على ستة جبهات وهي: سوريا ولبنان وغزة والعراق واليمن وإيران، لذا فالكيان الصهيوني يحاول أن يقدم نفسه كدولة قوية تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية وجوية وتكنلوجية متطورة وهائلة، وقادرة على دعم القدرات الدفاعية لدول المنطقة وتأمين حمايتها من التهديدات الايرانية، والتي كان أخرها تهديد قائد القوات البرية الايرانية العميد “كيومرث حيدري” في7حزيران/يونيو الماضي الذي قال: “بأنه سنسوي مدينة تل أبيب وحيفا بالأرض في حال أرتكاب أي حماقة” لذا فهناك تصعيد كبير خصوصاً مع فشل المحادثات النووية.

مشروع قانون لتشكيل منظومة دفاع جوي واحدة لدول المنطقة:
من التطورات التي يجب أن نعرج عنها على مستوى التحالفات في المنطقة هو ما أعلنته واشنطن عن تبني أستراتيجية جديدة تحت عنوان “ردع الأعداء وتعزيز الدفاعات”، بما فيها طرح استراتيجية جديدة لاحتواء إيران، حيث طرح الحزبين الجمهوري والديمقراطي مشروع قانون يدعوان فيه الى دمج دفاعات دول المنطقة في منظومة دفاعية واحدة لمواجهة التهديدات الإيرانية، بما في ذلك تقديم طلب الى وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” للقيام بتقديم استراتيجية جديدة للعمل والتنسيق مع عدة دول في المنطقة لوضع مقاربة ردعية تتضمن تصميم منظومة(دفاع جوي)دفاعية، توظيف فيها القدرات الجوية والصاروخية لجميع هذه الدول لتأمين الحماية اللازمة لدولها بردع إيران وميليشياتها المسلحة التي تنفذ هجمات بصواريخ بالستية وطائرات مسيرة تستهدف تقويض الأمن والاستقرار في دول المنطقة، وهناك تسريبات تقول بأن الحزبين قد أمهلوا “البنتاغون” في هذا المشروع فترة(80) يوماً لتقديم استراتيجية لتأسيس درع دفاعي من أنظمة الدفاع الجوي لدول المنطقة، أي بناء نظام دفاع جوي صاروخي متكامل يشمل الكيان الصهيوني وتسعة دول عربية تضم كلا من مجلس التعاون الخليجي الستة والأردن ومصر والعراق.

نشرت القناة العبرية (12) في 9 حزيران عام 2022م، إن جيش الاحتلال الصهيوني نشر منظومة رادارية في عدد من دول الشرق الاوسط من بينها الإمارات والبحرين لمواجهة التهديدات الايرانية الصاروخية، وقد أعلن وزير الدفاع الصهيوني “بيني غانتس” في20حزيران الماضي رسمياً عن تأسيس تحالف للدفاع الجوي المشترك في الشرق الأوسط: لمواجهة ما تصفه “تل أبيب” وحلفائها بالتهديدات الايرانية، وقال “غانتس” للجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست الصهيوني قائلاً: “إن البرنامج يعمل بالفعل وساهم في اعترض ناجح للمحاولات الإيرانية لمهاجمة الكيان الصهيوني ودول أخرى”، بينما صرح قائد سلاح الجو الصهيوني السابق قائلاً: “أنه عندما نقول التحالف الدفاعي فنحن لا نتحدث عن خطة وهمية، أو افتراضية، وإنما عن مشروع تحالف يتطور على قدم وساق، وقد أصبح واقعياً وتتم ترجمته وتنفيذه بشكل متدرج على أرض الواقع في الشرق الاوسط”، وهذا يعطي دلالة على وجود مثل هذه التحالفات، ولكنها محدودة في دول معينة فقط، وقد ذكرت مصادر صحفية أمريكية إن إدارة “بايدن” عقدت قمة لمسؤولين من الكيان الصهيوني والدول العربية لمناقشة التنسيق ضد الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وقد شارك في هذا الاجتماع رئيس أركان الكيان الصهيوني “أفيف كوخافي” ونظرائه من الدول العربية وهي المرة التي يلتقي فيها ضباط رفيعي المستوى بأشراف أمريكي.

تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية:
لقد فرضت الحرب الروسية-الأوكرانية متغيرات كثيرة وتداعيات خطيرة على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي على دول العالم وخاصة في الشرق الأوسط، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعار الطاقة على المستوى العالمي، وخاصة في أوروبا التي تعتمد على استيراد النفط والغاز الروسي بصورة كبيرة، وكذلك أثرت في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وزيادة التضخم بصورة غير مسبوقة، كما دفع الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو على تقديم الدعم العسكري والاستخباري واللوجستي للقوات الأوكرانية لمنع روسيا من تحقيق نصر سريع وحاسم، الأمر الذي أدى الى مواجهة غير مباشرة بين حلف الناتو والاتحاد الروسي على جميع المستويات وخاصةً الاقتصادية، حيث تم فرض عقوبات اقتصادية متعددة وغير مسبوقة على روسيا شملت قطاع النفط والغاز أثر على أوروبا بشكل كبير، وهذا ما جعل الإدارة الأمريكية تحاول تعويض النقص الحاصل في إمدادات الطاقة بطلب زيادة الإنتاج من المملكة العربية السعودية والإمارات ولكنها فشلت في ذلك خلال الفترة الماضية.

تطورات كثيرة وقرارات خطيرة :
إن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ومن بعض المواقع والقواعد العسكرية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط بسبب تراجع أهمية هذه المنطقة الحيوية لدى صناع القرار السياسي الأمريكي الذي بدأ بسحب قواته  العسكرية وإعادة انتشارها في أسيا الوسطى لمواجهة التمدد الصيني، بالأضافة الى الاستهداف الايراني المتكرر للسفارة الأمريكية في بغداد وللقوات الأمريكية في قاعدة “عين الاسد” في محافظة الأنبار وفي قاعدة “حرير” بأربيل، وأستهداف شركة أرامكو السعودية وتدميرها، وتعرض أربع سفن شحن تجارية لعمليات تخريبية في المياه الإقليمية الامارتية، وكذلك تعرض ناقلتي نفط سعودية لهجوم تخريبي قبالة ساحل الفجيرة الإماراتي وأستهداف ناقلتي نفط في خليج عمان وكذلك أسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيرة طراز “آر كيو-4غلوبال هوك” فوق مضيق هرمز أضعف النفوذ العسكري للولايات المتحدة الأمريكية التي فشلت في حماية حلفائها الاستراتيجيين في المنطقة بعد أن سحبت بطاريات صواريخ باتريوت كانت قد نشرتها على الأراضي السعودية لتامين الحماية لأجوائها وأراضيها، هو ما دفع المملكة العربية السعودية والامارات للبحث عن بدائل كونها ترى بأن واشنطن قد تخلت عن تقديم الحماية لهم أمام التهديدات الإيرانية، بل وزادت على ذلك أنها أطلقت وعود أنتخابية بمحاسبة المملكة العربية السعودية في ملفي حقوق الانسان ومقتل الصحفي السعودي “جمال خاشقجي”، مما أدى الى توتر العلاقات بين البلدين بشكل غير مسبوق، مما أدى الى رفض المملكة العربية السعودية للطلب الامريكي بزيادة الانتاج في ملف الطاقة لتعويض النفط والغاز الروسي الذي تسبب بأزمة عالمية وخاصة في أوروبا، لذا فقد يكون تشكيل هذا التحالف لترتيب أوراق دول المنطقة مع الكيان الصهيوني كي تركزها جهودها نحو مواجهة الصين.

إن الرفض السعودي لزيادة إنتاج النفط والغاز جاء بسبب سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة ضد المملكة العربية السعودية التي ترى بأن واشنطن تخلت عن تأمين الحماية لدول المنطقة، مما دفع الرياض الى البحث عن بدائل لتأمين الأمن والحماية لمصالحها القومية، فبدأت بالاتجاه نحو الصين وروسيا، الأمر الذي أثار حفيظة الإدارة الأمريكية وتسببت في فتور في العلاقة بينهما، وقد تجلى ذلك في زيارة مدير المخابرات الأمريكية “وليام بيرنز” الى الرياض لأقناعها بالتخلي عن صفقة أسلحة كبيرة مع الصين ألا أنه فشل في ذلك، ومما زاد من تأزم العلاقات بين البلدين هو إن “إدارة بايدن” فشلت في الضغط على السعودية لزيادة إنتاج الطاقة لتعويض النفط والغاز الروسي الذي تسبب بأزمة عالمية في قطاع الطاقة، وقد تعلل ذلك الرفض بوجود اتفاقات مسبقة بين دول “أوبك بلس” التي تضم 23 دولة بعدم زيادة الانتاج، مما فاقم أزمة الطاقة وارتفاع الأسعار في العالم بشكل كبير جداً داخل الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي تسبب في تراجع العائد المادي للفرد الأمريكي الذي بدأ يضغط على الإدارة الأمريكية بشكل كبير، وتسبب في تراجع شعبية أدارة “بايدن”، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفية للكونغرس الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

مراجعات تؤدي الى تراجعات لدى الإدارة الأمريكية :
 إن تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية جعل الإدارة الأمريكية تعيد النظر في بعض الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية بما فيها إعادة النظر في سياستها الخارجية ومصالحها الاستراتيجية في مجال النفط والغاز، وكذلك فيما يخص المواقف المتشددة التي تعهدت بها الادارة في حملتها الانتخابية ضد المملكة العربية السعودية، الأمر الذي جعلها تتراجع عن بعض وعودها الأنتخابية فيما يخص محاسبة المملكة العربية السعودية وعدم التواصل مع ولي العهد، كما أنها توصلت من خلال المراجعات الى أنها لا زالت بحاجة ماسة الى أمدادت الطاقة من منطقة الشرق الأوسط ولمدة ثلاثة عقود قادمة بمعدل(100)مليون برميل سنوياً، علماً بأن المملكة العربية السعودية تنتج(10)مليون برميل يومياً، وهذا ما جعل الادارة الأمريكية تحاول التوصل الى تفاهمات جديدة مع دول المنطقة، وخاصة مع الرياض كونها دولة محورية وهناك اتفاقات أستراتيجية بينهما، وفي الحقيقة أنها تريد استخدامها في مواجهة الصين وروسيا وإيران بعد فشل المحادثات النووية في التوصل الى اتفاق جديد، كما أنها تريد زيادة انتاج الطاقة لتعويض النقص الحاصل من غياب النفط والغاز الروسي الذي تسبب بارتفاع كبير في الاسعار العالمية، كما إن القمة المزمع عقدها في شهر تموز القادم والتي ستجمع بين قادة دول المنطقة والإدارة الأمريكية ستناقش ملفات ساخنة منها ملف الطاقة، والتمدد الإيراني في المنطقة، وهدنة اليمن، والملف النووي الإيراني، والقضية الفلسطينية، وتأمين الحماية لدول المنطقة، وممرات الملاحة البحرية.

الخاتمة:
وأخيراً : إن تشكيل هذا التحالف سيعقد الوضع الامني والسياسي خصوصاً وإن تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية تسببت في اختلالات اقتصادية خطيرة، ولا زالت تلقي بظلالها على دول العالم وعلى الدول الأوروبية بشكل خاص كونها المتضرر الأكبر من هذه الحرب لاعتمادها على أمدادت الطاقة الروسية، واصطفافاها خلف الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة الاتحاد الروسي، على الرغم من الخلافات الداخلية بين دول حلف الناتو في ملفات كثيرة ومنها كيفية التعامل مع هذه الحرب، لذا فالمنطقة لا تحتمل تصعيد عسكري جديد، ولن يسهم هذا التحالف في تخفيف حدة التوتر الموجودة، بل على العكس أي تصعيد عسكري قد يؤدي الى قطع أمدادت الطاقة وتهديد الملاحة في الممرات الدولية، فلا يمكن للدول الفقيرة والمتوسطة أن تتحمل تداعيات حربين في العالم في وقت واحد، لذا فتشكيل هذا التحالف العسكري قد يكون للضغط على روسيا فيما يخص نفوذها في سوريا، وكذلك في توفير الأمن لدول المنطقة مقابل زيادة أمدادات الطاقة من دول المنطقة كبديل عن أمدادت الطاقة الروسية، كما إن هذا التحالف العسكري قد يأتي للضغط على إيران لتقديم تنازلات جدية للتوصل الى اتفاق جديد فيما يخص ملفها النووي، وكذلك للضغط عليها للتخلي عن أذرعها في المنطقة التي أصبحت تقوض الأمن والاستقرار وتنفذ أجندة إقليمية لصالح إيران على حساب مصالح دولها، مع هذا فأني لا زلت أعتقد بأن هناك الكثير من المعوقات التي تحول دون تشكيل هذا التحالف العسكري بين دول المنطقة والكيان الصهيوني.