بعد مرور ثلاثين عامًا، ما زلنا نتحمل التداعيات الكارثية للدخول العراقي للكويت عام 1990. أدى هذا الفعل إلى تداعيات أطلقت العنان لشر ذو ثلاثة رؤوس هي الطائفية والإرهاب والتشدد الإيراني.
شكّل دخول العراق للكويت في 2 آب صدمة نفسية هائلة. حيث فر الكثير من الكويتين كلاجئين مذعورين إلى المملكة العربية السعودية. كان الدخول مقلقًا بشكل خاص، نظرًا لأن الكويت كانت حليفًا رئيسيًا وداعمًا لبغداد خلال حرب العقد الماضي مع إيران.
كان عبور يوليوس قيصر لنهر روبيكون بمثابة نقطة اللاعودة، حيث ألزم جيوشه بحرب أهلية رومانية مدمرة غيرت التاريخ. كذلك الحال بالنسبة لصدام حسين، حيث مثّل دخوله للكويت عبور نهر روبيكون حيث اللاعودة.
أظهرت وسائل الإعلام العالمية “صدام حسين” في صورة مبررة بدخوله للكويت وأنه معتدي يجب قتله.
في غضون عام، تعرض الجيش العراقي للتدمير، وقتل عشرات الآلاف من الجنود العراقيين، وفر كثيرون غيرهم إلى منازلهم للانضمام إلى الانتفاضات المشؤومة تاركين هياكل لآلاف الدبابات المهجورة منتشرة عبر الصحراء.
أثناء ذلك اتخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قرارا مصيريا بعدم ملاحقة جيش العراق حتى بغداد. وفي المقابل لا يزال الجدل يدور حول صحة أو عدم صحة قرار بوش الأب، إلا أن هذا ترك صدام مجروحًا وراغبا في الانتقام. مما لا شك فيه أنه كان لا بد من إجبار صدام، عام 1991،على الخروج من الكويت، خاصة وأن هناك مخاوف من أنه قد يرسل قواته إلى عمق منطقة الخليج. ومع ذلك، أدى تقليص حجم صدام إلى زعزعة استقرار ميزان القوى الإقليمي.
تم تحييد نظام طهران، طوال الثمانينيات، عن طريق المواجهة الشرسة مع العراق، وهي حرب أودت بحياة نحو مليون شخص. وبعد عام 2003، ظلت إيران قوة إقليمية مهيمنة، حرة في نشر مخالبها في العراق وسوريا ولبنان والبحرين وما وراءها.
كانت طهران، خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مسؤولة عن هجمات ارهابية وحركات تمرد مسلحة ومحاولات انقلاب، مثل تفجيرات الخبر عام 1996، والتي أسفرت عن مقتل 19 من أفراد الخدمة الأمريكية.
ومع رحيل صدام، لم يرغب النظام الإيراني فقط في ضمان عدم وجود العراق كتهديد مرة أخرى، بل أرادوا تصدير ثورتهم إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط، باتباع فكرة حزب الله في لبنان. ونتيجة لذلك، تم فصل جزء كبير من المنطقة من دائرة النفوذ العربي، مع محاولة طهران اليوم ربط هذه الدول المتباينة معًا، لتكون كتلة بائسة ومهمشة من دول “المقاومة”.
عندما تعرضت أنظمة صدام، ومعمر القذافي في ليبيا، وبشار الأسد السوري، وعلي عبد الله صالح في اليمن للتحدي والانقلاب، كانت النتيجة فوضى مدنية جماعية أودت بحياة أكثر من مليون شخص، وشردت ملايين . قد يمر أكثر من جيل قبل أن تتمتع هذه الدول بأبسط مستويات الاستقرار، إن تحقق.
يقول الكاتب : “كنت محللًا داخليًا لشبكة CNN خلال نزاع عام 2003. كان أي شخص مطلع على شؤون العراق يعلم أن تغيير النظام سيكون ذو تحديات أكثر مما ادعت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش. لم يستطع أحد أن يخمن، حتى في أسوء الكوابيس، إلى أي مدى ستكون تداعيات الاحتلال مدمرة للغاية ولحد هذا اليوم، تاركا العراق ودولًا أخرى تدور في فلك طهران”.
أشعلت أحداث عامي 1990 و 2003 الانقسام الكارثي بين الشيعة والسنة، حيث شهد العراق قتل عشرات الآلاف في حرب طائفية، بعد أن قام مسلحون برعاية إيران بمحو السكان السنة والمسيحيين من أحياء بأكملها في بغداد.
لم يكن لدى البيت الأبيض عام 2003 الرؤية ولا الرغبة في إقامة دولة عراقية مستقرة وذات سيادة وإدارة ناجحة. وبسبب عدم الكفاءة والحقد، نجح التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في إثارة حمام دم، وتوحيد العراقيين ضد ذلك التحالف، وتسليم مفاتيح الحكم إلى طهران. كان من الممكن جعل كل شيء مختلفا جدا.
لقد كان صدام حليفًا لأمريكا والغرب، خلال الثمانينيات. إلا أن دخوله للكويت غير كل ذلك، حيث تحول من حصن ضروري ضد طهران إلى طرف منبوذ دولياً وتوحد العالم كله ضده بين عشية وضحاها.
الآن، هناك أدلة كثيرة على أن إيران نفسها ربما تكون قد أوصلت العالم إلى نقطة تحول حيث يصبح إرهابها والتطرف والإجرام مرعبًا للغاية بحيث لا يمكن تجاهله، بالإضافة إلى قمعها للتطلعات الديمقراطية للمواطنين في جميع أنحاء “تلك الدول” وقيام وكلائها بمهاجمة الدول الأخرى، وجهودها لامتلاك أسلحة نووية لتهديد العالم.
يخاطر النظام الإيراني بعبور نهر روبيكون الخاص وإشهار نزعتهم التوسعية العدوانية التي تدفعهم بالاتجاه الخاطئ. ومثل صدام، سيوحد النظام الإيراني العالم ضد الإيرانيين في نهاية المطاف، مما يضع نهاية واضحة لجمهوريتهم “الشيطانية”.

عرب نيوز/ بارعة علم الدين
ترجمة وتحرير: راسام