من بغداد إلى مدينة كربلاء الشيعية والجنوبية، يضغط العراقيون من أجل الثورة. لقد امتلئت الساحات الرئيسية بالغناء والطرب في مطلع النهار وعند حلول الليل يواجه المتظاهرون شرطة مكافحة الشغب.
شوارع العراق ليست غريبة على صراعات السلطة. فلقد كان مسرحا للصراع الطائفي وظهور تنظيم الدولة (داعش). لكن الحشود مختلفة هذه المرة، وكذلك التهديد الذي تمثله الآن أكبر حركة شعبية في تاريخ العراق الحديث، إن جيلا جديدا نشأ في ظل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة اخذ بالصعود، والسياسيون من بغداد إلى طهران قد أصبحوا في موقف الدفاع.
لقد كتب على لافتة معلقة في ساحة التحرير “إلى جيل الستينيات والسبعينيات، لدينا شجاعة أكثر منكم”.
على الرغم من أن الاضطرابات تقتصر على المناطق التي تقطنها أغلبية شيعية، إلا أنه لم تكن بدفع من كبار رجال الدين الذين سبق وحشدوا لمثلها سابقا. كما تم استبعاد القوى السياسية التي تهيمن عليها إيران، وتم إحراق القنصلية الإيرانية في كربلاء وتمزيق علمها الوطني، في مشاهد تذكر بسقوط صدام حسين. واستخدم المتظاهرون أحذيتهم لضرب صور قادة الميليشيات المدعومة من طهران.
كتب حارث حسن، وهو زميل غير مقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في مذكرة بحثية: “إذا كان هناك أي شيء، فإن هذه الاحتجاجات تحدت الصيغة الطائفية للحكم، والتي اختزلت العراقيين بهويتهم العرقية والدينية”.
في ظل النظام السياسي في العراق، يتم تقسيم السلطة بين الأحزاب على أساس الطائفة، ويتم تقسيم الغنائم الاقتصادية وفقا لذلك.
تتدخل إيران، خوفًا من تآكل نفوذها، للمساعدة في تنظيم رد فعل وحشي. ففي موجة سابقة من الاحتجاج في الشهر الماضي، ووفقاً لمسؤولين عراقيين، فان القائد العام الإيراني قاسم سليماني، طار إلى بغداد في وقت متأخر من اليوم الثاني لتوضيح أن إيران ستدعم الجهود المبذولة لإنهاء الاحتجاجات. وأضاف المسؤولون إن ميليشيا تدعمها إيران كلفت قناصة بإطلاق النار على المتظاهرين في الشوارع.
قال مسؤولون حكوميون، إن إيران ضغطت على رئيس الوزراء العراقي الضعيف والمحاصر حتى لا يتنحى وتم اقناعه بأن الاحتجاجات هي مؤامرة أجنبية.
منذ اندلاع الاحتجاجات في وقت سابق من هذا العام، قُتل ما لا يقل عن 264 شخصًا وجُرح أكثر من 12000 شخص، وفقًا للجنة حقوق الإنسان في البلاد.
أطلقت قوات الأمن العراقية الغاز المسيل للدموع والطلقات الحية في الهواء لتفريق المحتجين في وسط بغداد يوم الخميس، وضربوا الشباب الذين تمكنوا من القبض عليهم. حيث امتدت أكبر موجة من المظاهرات المناهضة للحكومة منذ عقود في أنحاء العاصمة. وقالت لجنة حقوق الإنسان إن 23 شخصًا قد قتل، وأصيب أكثر من 1000 في الأسبوع الماضي.
قال ممثل المرجع الشيعي البارز آية الله العظمى علي السيستاني يوم الجمعة، مع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث: “المسؤولية الكبرى تقع على عاتق قوات الأمن، يجب عليهم تجنب استخدام القوة المفرطة مع المحتجين المسالمين.”
لقد أصبح ميدان التحرير في بغداد يعكس رؤية لنوع مختلف من العراق منذ 25 أكتوبر/تشرين الأول، فسلطة الحكومة غائبة إلى حد كبير، الشباب والنساء ينظفون الشوارع ويرسمون على الجدران صور لأبطال وقتلى الثورة، وتوافد المئات لطبخ الطعام من أجل الحشود.
قال الحسن فهمي: “عندما أخرج إلى تلك الساحة اليوم، أعرف أنه إذا جعت، فسوف يطعمني أحدهم، وإذا كنت مصابًا، فإن شخصًا ما سيحملني بعيدًا” وأضاف وهو يستند على كومة من البطانيات: “هذا مجتمع مختلف هنا.”
في مواجهات الخط الأمامي، غالبًا في الليل، يحتفظ المتظاهرون بأماكنهم بمزيج من اللامبالاة والفرح. بينما كان المراهقون في مواجهة شرطة مكافحة الشغب في إحدى الليالي الأخيرة، كانوا يركضون بين قنابل الغاز المسيل للدموع ويرمون الحجارة مرة أخرى حيث يمكنهم. قام المتظاهرون برفع ايديهم في الهواء ورفعوا صوتهم في انسجام، قائلين “هل أنت إيراني؟ لا، هل أنت أمريكي؟ لا! هل انت بعثي؟ لا، هل أنت عراقي؟ ” لقد كان الهتاف يصم الآذان.
نشأ ما يقرب من 60 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة مع نظام سياسي صاغته الولايات المتحدة بعد الإطاحة بصدام حسين في عام 2003. إن تركيز السلطة بين الجماعات الدينية والعرقية، رسّخ الفساد في قلب الخدمات العامة وأصبح وسيلة نشرت إيران من خلاله نفوذها. لقد دعمت إيران ميليشيات قوية تستجيب للدولة من الناحية النظرية ولكنها تعمل بحصانة (بدون عقاب) واسعة من الناحية العملية.
قال متطوع طبي يبلغ من العمر 19 عامًا يدعى محمد وهو مستلقي بسبب ركبته المصابة منذ أيام بعد أن ضربته قنبلة غاز عندما كان ينقل جرحى: ” نحتاج إلى حكومة بدون ميليشيات وبدون دين، نحن بحاجة إلى حكومة من البشر، وليس إلى ميليشيات تتحكم في كل شيء” لقد تحدث بشرط أن يتم استخدام اسمه الأول فقط، مشيرًا إلى مخاوف على سلامته. وأضاف: “أحتاج إلى مدرسة جيدة – مدرسة واحدة جيدة – وبدلاً من ذلك رأيت المتظاهرين ورؤوسهم محطمة والرصاصات في صدورهم”.
في معظم المدن الجنوبية التي تقطنها أغلبية شيعية، قام المتظاهرون بإحراق مقرات الميليشيات وهاجموا سيارة إسعاف تستقل قياديا في الميليشيا القوية عصائب أهل الحق المدعومة من إيران. وتم تسجيل موته في فيلم عندما تم سحبه من قبل الحشود. “مثل ساحة المعركة”، هكذا وصفها أحد الشهود.
وعلى الرغم من أن الاحتجاجات لم تنتشر إلى المناطق الشمالية والغربية التي تقطنها أغلبية سنية في البلاد، إلا أن الشباب والشابات هناك قالوا إن ذلك لم يكن بسبب عدم وجود مظالم.
فلقد استفاد المسلحون من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بداية عام 2013 مما أدى إلى سيطرة تنظيم الدولة (داعش) على تلك المناطق.
انضم الطلاب في مدينة الموصل، التي لاتزال تعاني من الخراب والانقاض، إلى حملات العصيان المدني هذا الأسبوع، لكنهم قالوا إنهم لا يستطيعون الخروج إلى الشوارع.
قالت هبة، طالبة في الهندسة المعمارية: ” الكل يعرف ما حدث هنا من قبل، لا نستطيع الاحتجاج حتى لو أردنا ذلك”. وقالت هي وآخرون ممن أجريت معهم مقابلات إنهم يعتقدون أن الحكومة ستتهم المحتجين بمحاولة إعادة متشددي تنظيم الدولة داعش.
ففي محافظة الأنبار الغربية، ألقت قوات الأمن العراقية القبض على العديد من الرجال الذين عبروا عن دعمهم لاحتجاجات هذا الشهر على حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي.
لقد أدهش نمو الاحتجاجات واستمرارها، التي بدأت في الأول من أكتوبر/تشرين الأول باعتبارها صرخة صغيرة ضد الفساد، النخب السياسية، وكذلك معظم أنحاء البلاد.
لقد أخبر سليماني المسؤولين العراقيين، خلال زيارته لبغداد في أوائل الشهر الماضي، أن طهران تعرف كيفية التعامل مع الاحتجاجات، وذكر أنه تم السيطرة عليها عندما اندلعت في إيران سابقًا، وفقًا لما قاله شخصان على علم بالاجتماع.
تكثفت حملة القمع في العراق بسرعة، حيث انتشر القناصة على أسطح المنازل، وتم مهاجمة وسائل الإعلام وخطف النشطاء البارزين. قال متظاهرون في ميدان التحرير هذا الأسبوع إن أعمال العنف التي تركزت في البداية على حشد فقير في الغالب من الضواحي الشيعية، أشعلت غضبًا أكبر، وأقنعت مجموعة سكانية أوسع من الطوائف والأعمار بالنزول إلى الشوارع في الموجة الثانية.
لقد أعرب رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، في الخطب المتكررة للشعب، عن تأييده لمطالب الحشود، واعداً بالإصلاح وندد بالعنف من جميع الأطراف. لكن وعوده المبكرة بالتنحي قد اختفت، وفي خطاب ألقاه أمام الحكومة العراقية يوم الثلاثاء، وصف الاستقالة بأنها “أسهل طريقة” للخروج منها.
قال اثنان من المسؤولين الحكوميين إن عبد المهدي كان قد أعد في الأصل خطاب استقالة لكنه تخلى عنه بعد ضغط من المستشارين والمسؤولين المرتبطين بإيران.
قال أحد المسؤولين، شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع: “لقد أراد الاستقالة، لكن بعد اجتماع طويل، أقنعوه بعدم القيام بذلك”. ان الجانب الإيراني يعتبر ان هذه حكومتهم، ولأول مرة يسيطرون على صنع القرار. إنهم لا يريدون أن يخسروا ذلك بسهولة “.
ويقول المقربون من رئيس الوزراء، أنه معزول بشكل متزايد، وان محيطه أقنعه بأن المظاهرات، بعيدة عن كونها رد فعل للظروف الاجتماعية والاقتصادية، وهي مؤامرة أشعلتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وقال حسن من مركز كارنيجي للشرق الأوسط: “هذه أكبر حركة شعبية في تاريخ العراق الحديث، لقد فقدت الحكومة منطقها في مواجهة حركة حيوية للغاية”.
واشنطن بوست / لويزا لف لك ومصطفى سالم
ترجمة وتحرير: راسام

