هيكلية القوات الإسرائيلية عشية الحرب:
لقد كانت هيكلية القوات والعصابات الصهيونية عشية الحرب مع العرب عام1967مقسمة ومصنفة الى عدة أقسام حسب قوتها البشرية، ومعداتها العسكرية، وقدراتها ومهامها القتالية، بحيث اعتمدت اسرائيل على قوتها الذاتية في حروبها التي خاضتها مع العرب، وقد شملت هذه الهيكلية القوات النظامية أولاً، ثم المتطوعين اليهود، ثم الدول التي تساندها، وتزودها بالسلاح، والعتاد، والدروع، والطائرات، والبواخر، والغواصات، والمعلومات الاستخبارية والمعدات الفنية، ويمكن تقسيمها كما يلي:
• القوات النظامية:(1)وهي القوات العسكرية الرسمية التي يتشكل منها الجيش الإسرائيلي، والتي يطلق عليها جيش الدفاع الاسرائيلي” الهاكاناه” ويتألف من القوات التالية:
 القوات الأرضية: وهي مؤلفة من جحافل ألوية تتراوح من(16-20)حجفل، وتعداد ما بين(30-40)ألف عسكري، وهذه الجحافل مكونة من وحدات مشاة، ووحدات مدرعة محلية الصنع، ودبابات بريطانية ثقيلة نوع “سنتورين”، ومدفعية، وهندسة، وقدمات إدارية، وتمتاز هذه القوات بقوة نارية هائلة، ولها قابلية الحركة تؤهلها لتكون قوة ضاربة، رغم قلة أعدادها.
 القوة الجوية: وهي قوات متطورة وحديثة مؤلفة من طائرات “الميراج الفرنسية” يقودها مرتزقة.
 القوة البحرية: وهي قوات حديثة ومؤلفة من بواخر، وغواصات، وكاسحات ألغام ألمانية، وفرنسية، وبريطانية، وأمريكية، واليك أن تتخيل الدعم العسكري الذي تقدمه الدول الكبرى لإسرائيل.
• العصابات الإرهابية: وهي قوات غير نظامية، قليلة العدد، ولكنها ذات فعالية كبيرة، وتقدر قوتها بحوالي (5) ألاف منتسب من الرجال والنساء، وقد خضعت لدعايات إعلامية ضخمت من حجمها بشكل كبير، وكانت قوات ساندة لجيش الدفاع الاسرائيلي، وهي مؤلفة من منظمات إرهابية مثل منظمة “أرغون” وعصابات “شتيرن”، وهذه المنظمات متعصبة، ومتطرفة، ومدربة على حرب العصابات، وخاصة الغارات، حيث ارتكبت الكثير من المجازر في “دير ياسين” و”بئر السبع” وغيرها.
• القوات المدنية: وهي قوات ليست ضاربة، وتعمل كقوات للدفاع المحلي، وقتال التعويق، ومؤلفة من الكسبة، والعمال، والفلاحين، والعسكريين القدامى، وقد حددت واجبات هذه القوة بالدفاع عن المدن، والقرى، والمستعمرات الاسرائيلية، التي أحيطت بحقول ألغام، واسلاك شائكة، وكانت هذه القوات مجهزة بأسلحة خفيفة، ومتوسطة(بنادق، مسدسات، غدارات، رشاشات خفيفة ومتوسطة ، وهاونات)، وهي تعمل بأمرة ضباط، ومحاربين قدامى، ويتركز واجبها على:
 المحافظة على أمن إسرائيل من أي اعتداء خارجي محدود في الظروف الاعتيادية، والمحافظة على الأمن الداخلي في أيام الحرب.
 القيام بغارات محدودة في حرب موضعية محلية تنتهي بوقت قصير محدود.

التصعيد المصري يغير موازين القوى:
إن التطورات والقرارات التي اتخذتها الحكومة المصرية على جبهة المواجهة مع الكيان الصهيوني قلبت الموازين وغيرت الخطط العسكرية ومن أهم هذه القرارات هي:
• فرض الحصار البحري على الكيان الصهيوني، حيث قررت الحكومة المصرية يوم 22ايار/مايس 1967 أغلاق “مضيق تيران”، الأمر الذي حرم العدو الصهيوني من حرية الملاحة البحرية.
• طلب الحكومة المصرية من قوات الأمم المتحدة التي تسمى(قوات الطوارئ) بمغادرة المنطقة التي تتواجد فيها مما جعل حدود الكيان الصهيوني مكشوفة من هذا الاتجاه ومهددة من قبل القوات المصرية، وجعل من الجبهة الجنوبية(المصرية)التي كانت ساكنة وأمينة بوجود قوات الطوارئ، فتحولت بهذا القرار الى حدود ملتهبة وساخنة، خصوصاً بعد وصول القوات المصرية الضاربة الى “شبه جزيرة سيناء”.
• الإعلان عن التنسيق العربي المشترك بين سوريا ومصر الأمر الذي بدا يقلق القيادات العسكرية الاسرائيلية، وجعلها تعيد حساباتها فيما يخص التهديد بالهجوم المحتمل على سوريا، يضاف الى ذلك أعلان اتفاق الدفاع المشترك بين العراق والأردن الأمر الذي أربك الحسابات الصهيونية، وجعلها تعلن النفير العام لتدارك الموقف على ثلاث جبهات، كما دفعها الى تعجيل الإعلان عن هذه الحرب.
• الخوف من وصول القوات العراقية الى الجبهة الشرقية، وكذلك رجوع القوات المصرية من اليمن، الأمر الذي سيقلب الموازين العسكرية في أي مواجهة قادمة.

وزير الخارجية الاسرائيلي يحاول مخادعة العرب:
لقد كانت الحسابات الاسرائيلية قائمة على تهديد الجبهة السورية ومهاجمتها، وقد حشدت قواتها على هذه الجبهة التي توقعوا بأنها ستكون وحدها في الميدان، كون الجبهة الجنوبية مع مصر كانت أمينة بوجود قوات تابعة للأمم المتحدة(قوات طوارئ دولية)، وتنتشر منذ حرب العدوان الثلاثي على مصر عام1956، ولكن تطورات الموقف على الجبهة الجنوبية واتخاذ الحكومة المصرية قرارات عسكرية تصعيدية، صدم القيادة الاسرائيلية وجعلها تتوقع خوض الحرب على جبهتين، ثم جاء الاتفاق الأردني مع العربية المتحدة(مصر) يوم30أيار عام 1967 ليجعل الكيان الصهيوني يتوقع الحرب على ثلاث جبهات، وقد صرح بذلك وزير الخارجية الاسرائيلي في خطابه أمام الكنسيت في29أيار/مايس1967، عندما قال: “تم دعوة الضباط الاحتياط بسبب الظروف الراهنة” لمعالجة المواقف التي بدأت تتطور بسرعة كبيرة، حيث توقع القادة العسكريين والخبراء الاستراتيجيين بعد هذه الدعوة بأن يصل تعداد الجيش الإسرائيلي من(200-300)ألف مقاتل، رغم التظاهر الإسرائيلي الكاذب بعدم الذهاب للحرب ما لم تستنفذ الخيارات الدبلوماسية بمعاونة هيئة الأمم، ومجلس الأمن، والدول الكبرى ، وهذا ما صرح به وزير الخارجية في30أيار/مايس1967في مؤتمر صحفي حاول من خلاله مخادعة العرب بعد الذهاب الى خيار الحرب، ليتسنى لهم كسب الوقت اللازم للتهيؤ لكسب الضربة الأولى(2).

اسرائيل تعلن النفير وتستعد للحرب:
لقد أعلنت اسرائيل النفير العام في يوم23أيار/مايس عام1967، مرغمة بسبب تطور الأحداث على جبهات المواجهة الثلاث، وقد جاءت هذه الدعوة الاسرائيلية للنفير العام لتعويض النقص العددي بالقوات الصهيونية ،وضمن إكمال إجراءات الاستعداد للحرب، وفق خطط مدروسة، محسوبة، ومخطط لها بدقة، لتجري عمليات تنظيمهم، وتسليحهم، وتجهيزهم، وقيادتهم، وكان مضمون هذه الدعوة للنفير تعني أربع خطوات هي:
• التحاق المكلفين بخدمة الاحتياط من الذكور والإناث الى مركز تجنيدهم ضباط، ومراتب، وجنود.
• تسويقهم لمعسكرات التدريب حسب الصنف، والاختصاص، لتنظيمهم، وتسلحيهم، وتجهيزهم.
• الحاقهم بوحداتهم المقاتلة سواء لدعم القوات النظامية، أو لتشكيل قوات قتالية جديدة .
• حركة هذه الوحدات المقاتلة الى مواضعها الجديدة في الجبهة حسب تطور المواقف.
وهذه القوات الاسرائيلية الاحتياطية مصنفة ومدربة على مختلف الاسلحة، ولكنها غير قادرة على خوض الحرب على جبهتين، ويشير “اللواء الركن محمود شيت خطاب”(رحمه الله)في كتابه “الأيام الحاسمة قبل معركة المصير قائلاً ” كان يجب على العرب أن يفهموا من هذه الإجراءات بأن” اسرائيل ستخوض الحرب ولكن متى؟، وأين؟، وكيف؟،” ويضيف بأنه” كان يجب على العرب يبدأوا بالهجوم على إسرائيل ليحطموا قواتها أولاً، قبل أن تحطم إسرائيل القوات العربية”، وهذا ما حصل فعلاً، وأضاف “بأن المبادأة كانت بيد العرب على إسرائيل” ولا أشك بأن الصهاينة يحسبون تلك الحسابات، ويعرفون ذلك جيداً، وهي تدرب جيشها على الحرب الخاطفة، كونها غير قادرة على خوض حرب طويلة تستنزف قواتها وقدراتها”، لذا فهي توظف مبدأ المباغتة والمبادأة لتلافي ذلك، بجعل الضربة الأولى لصالحهم.

قائد عسكري عراقي يتوقع الهجوم الاسرائيلي:
إن تطور العلم العسكري، وخبرة القادة الميدانيين، جعلت الكثير من القادة يحذرون من الخطة الاسرائيلية التي تستهدف تدمير القوات العربية، وفرض واقع سياسي وعسكري جديد يكون أشد مرارة من نتائج حرب عام 1948، حيث يقول “اللواء الركن محمود شيت خطاب”(رحمه الله)، وهو خبير عسكري متميز ومفكر اسلامي كبير في كتابه “الأيام الحاسمة قبل معركة المصير”، أنه كتب مقال في “جريدة العرب” تكلم فيه عن اللغة الوحيدة التي تفهمها اسرائيل، والذي يصفه بأنه لم يكن مقالاً بل كان سياطاً تلهب ظهور حكام العرب(3)، وقد قال فيه “إن القوة وحدها ولا شيء غير القوة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها اسرائيل”، ثم كتبت مقالاً أخر في “صحيفة الجمهورية” البغدادية قبل العدوان بأسبوع تقريباً، محذراً فيه وقائلاً: “إن اسرائيل ستبادر بالحرب أولاً، وحددت ساعة الصفر للهجوم الإسرائيلي وكانت يوم5حزيران/يونيو1967″، لأنها بهذا التاريخ ستكون اسرائيل جاهزة لخوض الحرب، وفعلاً قامت اسرائيل بمهاجمة العرب في هذا التاريخ، وبدل من استعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة تم فقدان أراضي جديدة وبمساحات كبيرة من مصر، وسوريا، والأردن، وفلسطين نفسها، بعد إن دمرت هذه الحرب القوات العربية، وخاصة القوات الجوية العربية وهي جاثمة على الأرض، مما جعلها خارج حسابات المعركة منذ اليوم الأول للمعركة، بحيث أصبحت القوات البرية ضعيفة وغير قادرة على مواجهة العدو بسبب التفوق الجوي المعادي، الذي حول مجريات المعركة الميدانية وقلب الحسابات العسكرية، وأصبحت القوات العربية ضعيفة وغير قادرة على الدفاع عن نفسها، وخاصة فيما يخص الدفاع السلبي من حفر، وتحصين، وتبعثر للقوات.

فكرة العمليات العسكرية الصهيونية لحرب عام1967:
لقد استندت فكرة العمليات الاسرائيلية في حرب عام1967على الحرب الجوية، ثم الحرب البرية، خصوصاً بعد تطور الموقف على الجبهة الجنوبية(المصرية)التي تعتبر الجبهة الرئيسية لهذه الحرب، لذا فقد اعتمدت الاستراتيجية العسكرية الصهيونية لهذه الحرب على توجيه ضربة جوية شاملة، تستهدف مهاجمة القوات الجوية العربية في بلدان المواجهة الثلاث لتدمير الغطاء الجوي العربي، وخاصة القوة الجوية المصرية كأسبقية أولى، لقوتها، وتأثيرها، والعمل على أخرجها من المعركة منذ الساعات الأولى للحرب، لتحقيق السيادة الجوية، والتفوق الجوي، مستفيدةً من وجود سفينة التجسس الأمريكية “ليبرتي” التي كانت ترابط في البحر المتوسط قبالة الشواطئ المصرية لتقوم بالتشويش على الرادارات المصرية، بحيث تظهر الصورة على شاشة الرادار المصري بيضاء، مما أمن المباغتة والمبادأة للضربة الجوية الاسرائيلية الأولى، والتي تبعها هجوم بري واسع يستهدف الجبهة المصرية بجهد رئيسي، وتثبيت الجبهتين الشرقية(الأردن)، والشمالية(سوريا) بجهد هجوم ثانوي، لحين الانتهاء من تحقيق الأهداف الصهيونية الاستراتيجية على الجبهة المصرية، وقد كانت فكرة العلميات تعتمد على تنفيذ الهجوم بالمراحل التالية:
• المرحلة الأولى: الهجوم على الجبهة المصرية والوصول الى قناة السويس، واحتلال سيناء، وقطاع غزة، وخان يونس.
• المرحلة الثانية: بعد نجاح المرحلة الأولى تبدأ هذه الصحفة بالهجوم على الجبهة الأردنية للاستيلاء على الضفة الغربية لنهر الأردن، والسيطرة على كثير من المناطق الفلسطينية التي كانت تحت سيطرة القوات الأردنية.
• المرحلة الثالثة: بعد نجاح المرحلتين الأولى والثانية يتم الهجوم على الجبهة السورية لاحتلال مرتفعات “الجولان” كمرحلة ثالثة.

المراجع:
(1) كتاب: الأيام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد بغداد 1967، طبع بمطابع دار الجمهورية.
(2) كتاب: شاهد على حرب1967، الفريق صلاح الدين الحديدي، مطابع الاهرام التجارية، رقم الايداع بدار الكتب3429/1974، دار الشروق.
(3) كتاب: الأيام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد بغداد 1967، طبع بمطابع دار الجمهورية.