يبدو بأن محافظة ديالى تعود الى واجهة الأحداث الأمنية والسياسية مرة أخرى، خصوصاً وأنها أصبحت مرتعاً للميليشيات المسلحة، والسلاح المنفلت، والتنظيمات المسلحة التي تمارس القتل الجماعي والتهجير والتطهير العرقي، والاغتيال، وجميع هذه الجرائم لها دوافع وأهداف طائفية لغرض العودة بالوضع العراقي الى الاقتتال الطائفي الذي حصل بعد تفجيرات سامراء عام 2006، علماً بأن هذه الجرائم مستمرة ولكنها تختفي لفترة معينة من الزمن لتعود بثوب جديد وخاصةَ في بعد عام2014، حيث تم التركيز على المحافظات الجنوبية التي خرجت في احتجاجات رافضة للطبقة السياسية الحاكمة، التي فشلت في إدارة الوضع العراقي وتقديم أبسط الخدمات للشعب، كما تم التركيز الميليشيات على العاصمة بغداد ومحافظة صلاح الدين وديالى التي شهدت اعتقالات واغتيالات وتنفيذ جرائم قتل جماعي شملت الكثير من الابرياء، وسأذكر منها على سبيل المثال الجرائم الأخيرة في المقدادية التي وقعت في قرية نهر الأمام (الهواشة) عام2021، حيث أبلغت القوات الأمنية أهالي القرية بعدم قدرتها على حمايتهم من الميليشيات، واليوم تأتي جريمة الجيايلة استكمالاً للمشهد الدموي المستمر في هذه المحافظة، وفي كلتا الجريمتين تقف الميليشيات المسلحة وراء تنفيذ هذه الجرائم البشعة، حيث أقدم مسلحين ينتمون الى فصائل مسلحة تعمل خارج إطار الدولة على تنفيذ جريمة قتل منظمة في قرية “الجيايلة” في محافظة ديالى بدوافع طائفية، وأمام أنظار القوات الأمنية التي لم تتدخل للسيطرة على الوضع الأمني المتأزم وأكتفت بالتفرج على ما يفعله المجرمين وكأنها غير مسؤولة عن فرض الأمن وتطبيق القانون، وهنا أسأل عن جدوى وجود هذه القوات التي أذا حضرت لا تعد وأذا غابت لا تحتسب في ظل الانفلات الأمني.

يقول النائب “رعد الدهلكي”، بأن “الجريمة لا تحمل أي خلفيات لنزاعات عشائرية كما يحاول البعض الترويج لها”، وقد وصف الحادثة بأنها “جريمة ميليشياوية يراد منها تأجيج الفتنة، وخلط الأوراق، وتهجير الأهالي، وزرع الرعب، والسيطرة على الممتلكات والأراضي”، علماً بأن هذه القرية هي منزوعة السلاح تماماً، لذا فالحادثة ليست نزاعاً عشائرياً، بل هي تصفية حسابات حزبية داخلية، خصوصاً وأنها ترافقت مع عودة مسلسل الاغتيالات في محافظة ديالى، حيث تم اغتيال الدكتور “أحمد طلال المدفعي” اختصاصي الأمراض القلبية، واللواء المتقاعد “عامر إسماعيل المجمعي” كمل تم أغتيال العقيد “أحمد طاهر” مسؤول دائرة الحماية السابقة في الجبهة التركمانية العراقية في مدينة كركوك، مما يعني بأن مسلسل القتل والاغتيالات وتكميم الأفواه وإسكات الأصوات الحرة التي تنادي بأستعادة الدولة قد عاد مرة أخرى وهناك استهداف للمواطنيين الأبرياء الأمر الذي سيؤدي الى زعزعة الأمن والاستقرار في الداخل العراقي، كون المجرمين و القتلة لا يحتكمون الى قانون، أو دستور، أو قضاء، أو عرف عشائري، وإنما يحتكمون الى قوة السلاح، في ظل ضعف الإجراءات الحكومية التي تنشط في تشكيل اللجان التحقيقية فقط بدون أي نتائج تذكر.

إن ملخص العملية هو إن في الأيام التي سبقت ارتكاب هذه الجريمة هاجم مسلحون مجهولون قرية “البوبالي” المجاورة لقرية “الجيايلة” وقتلوا عدداً من الاشخاص، وتم اعتقال (9) أشخاص على أثر هذه العملية من قرية “الجيايلة”، منهم (7) أشخاص محتجزون لدى الأجهزة الأمنية، وأثنان مصيرهم مجهول لغاية اليوم، الأمر الذي دفع قوة مسلحة ميليشياوية تتألف من (50) مسلح، ينتمون الى جماعات مسلحة للقيام بالهجوم على مزارعين من قبيلة “العزة” يعملون في مزرعتهم بقرية “الجيايلة” قضاء “الخالص” وذلك في الساعة الثانية ظهراً، الأمر الذي أدى الى مقتل (9) أشخاص من بينهم امرأتان، وجرح (10) آخرين من بينهم أطفال كما خطفوا أحد المزارعين وعذبوه بطريقة بشعة ثم عثر على جثته وقد مثل بها فيما بعد، وعليها أثار تعذيب، وقد حمل النائب “رعد الدهلكي” القوات الأمنية المسؤولية عن الأحداث التي تجري في محافظة ديالى وذلك بسبب فشلها في الكشف عن منفذي الجريمة الأولى التي نفذت ليلاً في قرية “البوبالي”، ثم فشلها الأخر عندما وقفت تتفرج على تنفيذ الجريمة الثانية في قرية “الجيايلة” والتي نفذت في وضح النهار وأمام مرأى ومسمع القوات الأمنية.

إن جريمة “الجيايلة” في محافظة ديالى تعيد الذاكرة الى مسلسل التطهير العرقي، والقتل على الهوية، والتهجير والتغيير الديمغرافي، وانتشار فرق الموت التي طالت الكثير من المدن السنية منذ بدأ الاحتلال عام 2003، مروراً بتفجيرات سامراء عام 2006، حيث ظهرت الميليشيات بلباس رسمي بعد أن دمجت في المؤسسة الأمنية والعسكرية، لذا فهذه الجريمة هي أستمرار لمسلسل القتل والتهجير التي ترتكب في المناطق السنية بغطاء حكومي وخاصةً بعد عام 2014 بحجة مواجهة الإرهاب، حيث أصبح لهذه الميليشيات المسلحة صفة رسمية ضمن القوات المسلحة، وأصبح لديها غطاء سياسي وقانوني لجميع جرائمها الطائفية التي نفذتها في قضاء الصقلاوية، والكرمة، ومعبر الرزازة، وتكريت، ومحافظة ديالى، والموصل، بعد أن غابت عنها مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والإدارية، وجميع هذه الجرائم تكشف مأساة العرب السنة الذين تعرضوا للظلم والاضطهاد، ولا زالوا يتعرضون لذلك فقد زادت في الفترة الأخيرة جرائم الميليشيات الطائفية التي نفذتها في قرية “البدور” بمحافظة صلاح الدين، وجريمة “جبلة” في محافظة بابل والتي راح ضحيتها(20)شخصاً من عائلة واحدة، بالأضافة الى جرائم محافظة ديالى وخاصةً جريمة “المقدادية”، وجريمة قرية “نهر الإمام”، وأخيراً جريمة “الجيايلة”.

إن من يتابع تطور الأحداث في جريمة قرية “الجيايلة” يقف أمام عدد من الملاحظات المهمة حول دور القوات الأمنية في المنطقة خصوصاً وأن لن تتدخل لمنع الجريمة، وهذا يثير الكثير من علامات الاستفهام حول الأوامر التي صدرت لهذه القوات بعدم التدخل؟، بالإضافة الى سبب وجودها أذا كانت لم تتدخل لضبط الأمن والاستقرار في المنطقة بعد أن تخلت عن واجباتها في حماية المنطقة، حيث وقفت تتفرج على عملية القتل التي جرت للرجال والنساء والأطفال في قرية الجيايلة بوضح النهار، في تواطئ واضح مع القتلة والمجرمين، دون أن تتخذ أبسط الاجراءات لوقف هذه الجريمة البشعة التي نفذت في مزرعة قرية الجيايلة، وهذا يطرح سؤال حول مهمة وواجب هذه القوات في المنطقة؟، كما يطرح سؤال مهم حول السياسية الطائفية المزدوجة التي تتعامل بها أجهزة الدولة الأمنية حول قضية حيازة الأسلحة في هذه المناطق/ وكيف سمح لقرية “البوبالي” بالاحتفاظ بالأسلحة ومنعت قرية “الجيايلة” من حيازتها؟.

إن فشل مؤسسات الدولة الأمنية في فرض هيبة الدولة وسيادة القانون ووقفوها على الحياد، وعدم تدخلها في فرض الأمن والاستقرار جعل المواطنين يفقدون الثقة بهذه المؤسسات، كما جعل أهالي هذه المناطق بين مطرقة التنظيم وسندان الميليشيات المسلحة الطائفية التي أصبح سلاحها أقوى من سلاح الدولة ومؤسساتها، خصوصاً وأنها تنفذ مخطط طائفي إقليمي لإثارة الرعب، والقتل، وإجراء التغيير الديمغرافي، وتغيير التركيبة السكانية في الكثير من هذه المناطق، وذلك بالابتزاز، والتهديد، والاعتقال، والاغتيال، وتلفيق التهم الكيدية، وارتكاب المجازر وجرائم القتل، لإجبار السكان المحليين على بيع أراضيهم والهجرة من هذه المناطق، لذا فهذه الجرائم يتم تنفيذها في وضح النهار لأنهم يرون أنفسهم فوق القانون، لأن معادلة القوة هي من تحكم الوضع السياسي والأمني في العراق، لذا فهذه الجرائم هي جزء من مخطط كبير يجري تنفيذه في العراق.

إن تنفيذ هذه الجرائم هي تأكيد لسياسية الميليشيات الطائفية التي تعمل خارج إطار الدولة، وتحاول السيطرة والتحكم في المناطق التي تحت سيطرتها، خصوصاً وإن الكثير من المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة لا زالت تحت سيطرة الميليشيات الطائفية التي ترفض الخروج منها، وسط عجز حكومي كامل، وشلل تام لمؤسسات الدولة التي فشلت في ردع الميليشيات وانفاذ القانون على الجميع، لذا فمن يقول بأن هناك دولة في العراق عليه أن يعيد حساباته، لأن الدولة الغير قادرة على دخول جميع الأراضي العراقية لا يمكن لها أن تكون دولة، خصوصاً وأنها عجزت عن أخراج الميليشيات من جرف الصخر ويثرب والعوجة والعويسات وغيرها من المناطق الأخرى،  ولهذا نرى بأن هذا المسلسل من الجرائم مستمر بسبب عدم قدرة الدولة على مواجهة هذه الميليشيات التي استهترت وأصبحت أقوى من مؤسسات الدولة، بحيث تهدد وتفرض إدارتها بقوة السلاح.