شاهو القره داغي

في احاطتها أمام مجلس الأمن حثت مبعوثة الأمم المتحدة إلى العراق جينين هينيس بلاسخارت الطبقة السياسية العراقية على الخروج من المأزق الذي تمر فيه مؤسسات البلاد منذ أكثر من 7 أشهر، وحذرت من مخاطر حدوث اضطرابات شعبية مجددا.

وقالت بلاسخارت في توصيف الوضع السياسي في العراق أن: “العراق ليس بحاجة إلى حكام مسلحين ينصبون أنفسهم زعماء”. وشدّدت مرة أخرى على الأهمية البالغة لتأكيد سلطة الدولة، محذرة من احتقان شعبي، وقالت “لا يمكن أن نسمح بالعودة إلى الأوضاع التي شهدناها في أكتوبر/تشرين الأول 2019” في إشارة إلى الاحتجاجات الدامية التي شهدتها البلاد.

على الرغم من المواقف السابقة لجينين بلاسخارت ولقاءاتها المتكررة مع قادة الفصائل المسلحة والميليشيات، وخاصة في فترة الصدامات بين القوات الامنية والمتظاهرين العراقيين والتي أدى لنشوء انطباع سلبي لدى العراقيين من أدوار السيدة بلاسخارت و خاصة مع زيادة الضغوطات الشعبية على الطبقة السياسية والمطالبة بدور إيجابي للأمم المتحدة في العراق، إلا أن إحاطتها لمجلس الأمن الأخيرة جاءت ملامسة للواقع الذي يعيشه العراقيون في ظل الانسداد السياسي وفشل الأطراف السياسية من تشكيل الحكومة بعد ٧ أشهر من الانتخابيات.

هذه التصريحات على هذا المستوى العالي وأمام العالم يعطي صورة واضحة عن ملامح المنظومة السياسية في العراق وأنها على الرغم من المحاولات الحثيثة للحكومة خلال الفترة السابقة من تجميل الواقع العراقي عن طريق الندوات والمؤتمرات ومحاولة لعب أدوار للوساطة بين الدول وتقديم العراق كدولة متمكنة وقادرة على إدارة نفسه دون التدخلات الخارجية أو تدخلات الفواعل من غير الدول ، إلا ان تصريحات بلاسخارت ساهمت في كشف الواقع الحقيقي بعيدا عن عمليات التجميل وأعطت رسالة واضحة للداخل والخارج عن غياب الدولة العراقية وغياب رجال الدولة الحقيقيين وعن تصارع قادة الأحزاب على المكاسب والمصالح دون أي اكتراث بمستقبل الدولة العراقية.

ويبدو واضحا هذه المرة أن تصريحات بلاسخارت تعبير واضح عن نبض الشارع العراقي ونتيجة طبيعية للتظاهرات والاحتجاجات العراقية التي استمرت لأشهر وحاولت إرسال رسالتها إلى الداخل والخارج العراقي برفض المنظومة السياسية القائمة على أساس ومبدأ المحاصصة وتقاسم السلطة بين الأطراف السياسية وإدامة الفساد وغياب الشفافية والذي أدى إلى خلق وضع مشوه ومستقبل غامض للعراقيين.

وبالرغم من استخدام السلطة لكل أنواع العنف والقوة لقمع التظاهرات وإخماد الحراك الشعبي، إلا أن صوت الشارع وصل – وإن متأخرا – إلى الجميع وأصبح يتداول على أعلى المستويات، مع تحذير الأحزاب السياسية بضرورة الإصلاح خوفا من موجة احتجاجية أخرى قد تكون أقوى وأشد من السابقة، في ظل عدم استجابة النظام لمطالب المواطنين وتأجيل الحلول والتعويل على تخدير الشارع لإطالة أمد العملية السياسية دون القيام بأي تغييرات أو إصلاحات قد تؤثر على مكاسبهم ومصالحهم الذي جمعوها خلال السنوات الماضية.

وعلى الرغم من صراحة خطاب بلاسخارت ومحاولتها توصيف الواقع بصورة منطقية، إلا أنها تجنبت ذكر أسماء السياسيين وقادة الميليشيات المتورطون بأعمال القتل والفساد وتغييب المواطنين، إذ من المهم تحديد المسؤولين والقادة الحزبيين الذين يتحملون مسؤولية إيصال العراق إلى حافة الإنهيار نتيجة لتراكم السياسات الخاطئة وانتشار المحسوبية والسلاح المنفلت وتغليب المصالح الحزبية والشخصية والخارجية على المصالح الوطنية .

شعرت الأطراف السياسية والميليشيات بخطورة تصريحات بلاسخارت على مستقبلها وخاصة أنها كشفت جزءاً مهما من حقيقة النظام السياسي أمام العالم، فتحدث الأمين العام لميليشيا عصائب أهل الحق قيس الخزعلي في لقاء تلفزيوني عن تصريحات السيدة بلاسخارت وقال: “إن ما تقوله بلاسخارت ليست تحليلا بل تهيئة وإعداد لإيجاد الفوضى، وأنها ليست طرفاً حياديا وإنما جزء من أدوات الاجندة الخارجية، وأنها مسؤولة بصورة مباشرة عن تزوير الانتخابات”!، ومن المعروف عن وكلاء إيران في العراق أنهم يتهمون خصومهم فوراً بالعمالة والخيانة والمشاركة بالتآمر على العراق، واليوم يحاول الموالون مجدداً الاستخفاف بتصريحات بلاسخارت بحجة أنها مؤامرة على محور المقاومة وإعداد لشيء أكبر حتى يحرفوا التصريحات عن مسارها الطبيعي و يضعوها ضمن الصراع الإقليمي والدولي الموجود بين دول المنطقة وليس تعبيراً عن الواقع العراقي الفعلي.

يبدو أن هناك شعور واضح لدى الأطراف الدولية بصعوبة استمرار الأوضاع في العراق على ما هو عليه، وترى ضرورة الاستعداد لكافة الاحتمالات والسيناريوهات على غرار ما حصل مع احتجاجات تشرين التي ساهمت في فتح صفحة جديدة في تاريخ الاحتجاجات العراقية وجمع أصوات العراقيين بالرغم من الركون إلى كافة وسائل الخوف والعنف والقتل ومحاولات خلق الفتنة الطائفية والمذهبية والقومية لإنهاء هذا الحراك، ويبدو واضحاً أن الأطراف السياسية تخشى من موجات احتجاجية أكثر تطوراً في الأيام القادمة في حال استمر الانسداد السياسي وتأثيره السلبي على الواقع العراقي.

الطبقة السياسية الحالية في العراق لا تكترث للتحذيرات والدعوات الدولية التي تحث صناع القرار والقادة السياسيين إلى إعادة النظر في خطواتهم وقراراتهم وعدم الاستمرار على السياسات الخاطئة التي أدت بإدخال البلاد إلى نفق مظلم، بل تحاول دائماً وبكل الوسائل تقديم صورة مختلفة عن الواقع العراقي وعدم الاكتراث بالتحذيرات الداخلية والدولية والإصرار على السير على السياسات والتوجهات الخاطئة التي أدت وتؤدي إلى نتائج كارثية يدفع ثمنها المواطنون أولا وأخيرا.

تصريحات بلاسخارت اكدت مجددا أن العراق محروم من المؤسسات الحقيقية وأن لغة السلاح هي اللغة الحاسمة والفاصلة وأن الشعارات الديمقراطية مجرد حبر على ورق وغير موجودة على أرض الواقع وأن البلاد ذاهبة إلى المجهول في ظل بقاء هذه العقلية السائدة.

مقال خاص براسام