الكاتب: حسين صالح السبعاوي

لم تكن الأزمة الغذائية الأخيرة في العراق بسبب الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا كما صرح مسؤولون بأن العراق لا يمتلك خزين استراتيجي للمواد الغذائية سوى لمدة ٢٣ يوماً، بل هي بسبب سوء الإدارة والفساد وغياب التخطيط الاستراتيجي، سواء من الحكومة أو من قبل الوزارات المعنية بتوفير الغذاء والخزين الاستراتيجي، سيما أن العراق يمتلك موارد متعددة سواء كانت مالية أو بشرية إضافة لوجود الأراضي الخصبة مع وجود نهري دجلة والفرات وروافدهما، كما أن العراق هو من البلدان المهمة في زراعة التبغ والتمور، بسبب تنوع المناخ وخصوبة الأرض إضافة لزراعة الحنطة والشعير ومختلف المحاصيل، لكن سوء الإدارة والفساد المستشري في كافة مفاصل الدولة هو الذي جعل بلد مثل العراق يمتلك كل هذه الموارد يعاني من أزمة غذائية، وفي حقيقة الأمر أن العراق يعاني من أزمات عدة أبرزها أزمة النظام السياسي الذي بني على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية والتي بسببها أقصيت الكثير من الكفاءات العلمية والإدارية، فالأزمة السياسية هي من ولدت الأزمات الأخرى مثل الأمنية والإقتصادية وآخرها الأزمة الغذائية والتي يمكن تحديد أسبابها بما يلي :

١- الإعتماد على النفط كمصدر مالي ووحيد للدولة بحيث أي هبوط في سعر البرميل يعكس ذلك على كافة مؤسسات الدولة بما فيها رواتب والموظفين وكذلك على بقية الوزارات مثل التجارة والزراعة باعتبارهما الوزارات المعنية في تأمين المواد الغذائية للشعب ورغم أن صادرات العراق من النفط قد بلغت ٣ ملايين و ٦٠٠ ألف برميل وبسعر تجاوز ١١٠ دولار إلا أن الشعب العراق تفاجئ بتصريح الوزير بأن الخزين العراقي للمواد الغذائية لا يكفي لمدة شهرا واحداً وهذا يثبت سوء الإدارة والفساد لدى الحكومة العراقية ومؤسساتها .

٢- عدم إستثمار الزراعة في العراق رغم توفر الأراضي الزراعية الخصبة والمياه إضافة للأيدي العاملة سيما أن البطالة في العراق منتشرة وبلغت أكثر من ٣٠% ومع ذلك تجد العراق يستورد كافة المواد الغذائية بما فيها الخضروات .

٣- غياب الدعم الحكومي للفلاح سواء بتوفير الآلات الزراعية الحديثة أو الأسمدة الكيميائية المستخدمة في الزراعة إضافة لعدم التسويق الذي يعاني منه الفلاح وكثيرا ما شاهدنا بعض المزارعين يلقي بالمنتج الزراعي في الأرض بسبب عدم تسويقه من قبل الحكومة التي تشجع المستورد على المنتوج الوطني لأن أغلب التجار هم من الطبقة السياسية أو المدعومين من قبلهم .

٤- العامل الخارجي وخاصة إيران التي قطعت الأنهار التي تنبع من أراضيها وتصب في العراق مما أدى إلى تدمير الزراعة خاصة في مدينة ديالى المحاذية لإيران .

إن معالجة الأزمة الإقتصادية والغذائية في العراق لابد أن يسبقها معالجة المشكلة السياسية والأمنية من خلال إلغاء المحاصصة الطائفية والحزبية التي انهكت العراق منذ قرابة ٢٠ عاما والشروع في عملية سياسية وطنية يجتمع عليها كافة أطياف الشعب العراقي لا تقصي أحداً وتعتمد على مبدأ المواطنة والكفاءة إضافة لوضع الخطط الإقتصادية لدعم المنتوج الوطني الذي سوف يؤدي إلى الإكتفاء الذاتي من خلال توفير كل ما يحتاجه الفلاح من قروض مالية بدون فوائد وتوفير البذور الجيدة والآلات الزراعية الحديثة وأن تتبنى الدولة تسويق المنتوج الزراعي وعدم السماح بإغراق السوق بالبضائع الأجنبية على حساب المنتوج الوطني .

أما الخزين الستراتيجي للمواد الغذائية فلابد أن تقوم وزارة التجارة بتأمينه على الأقل لمدة سنة وفي حال عدم إمكانية توفير الخزين من المنتوج الوطني تقوم الوزارة باستيرادها من الخارج من خلال واردات النفط التي بلغت قرابة اربع مليارات شهرياً مبدل استيراد المواد الكمالية والثانوية لأن الغذاء جزء من الأمن القومي لأي بلد ومن لا يمتلك غذائه لا يمتلك قراره وفي العراق تجربة رائدة في مواجهة الأزمات الغذائية عندما فرض عليه حصار جائر عام ١٩٩١ وقد دام قرابة ١٠ سنوات لكن إستطاع العراق أن يعبر هذه الأزمة ويعتمد على نفسه ويحقق الاكتفاء الذاتي من خلال دعم الزراعة والسيطرة على التسويق وعدم السماح للتجار بالتحكم بقوت الشعب واعتمدت البطاقة التموينية التي استطاعت أن تحقق الحد الأدنى من إحتياج الأسرة من المواد الغذائية وكانت تجربة البطاقة تجربة ناجحة شهد لها العدو قبل الصديق .

اخيرا لا بد من حفظ سيادة العراق وعدم السماح للقوى الخارجية أن تتحكم في قراره السياسي والاقتصادي خاصة إيران وهذا لن يكون إلا من خلال مشروع وطني ينتج عنه حكومة وطنية كفوءة تحافظ على العراق وعلى موارده وحقوقه في المياه حتى لو اضطرت بالذهاب إلى المحاكم الدولية للحصول على حقوقها من المياه وعدم السماح لإيران وغيرها بالتدخل في شأنها الداخلي لكن وفق المعطيات الموجود في العراق فهذا الأمر مستبعد ولا يمكن لأي عملية إصلاح أن تتم بوجود هذه الطبقة السياسية الفاسدة التي لا يهمها إلا مصالحها الحزبية والشخصية وقد جعلت من نفسها أداة بيد القوى الخارجية المعادية للعراق تعمل لصالحها على حساب المصلحة الوطنية من أجل البقاء في السلطة .