الباحث: حسين صالح السبعاوي

رغم أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلا أنه كانت هناك موارد أخرى ترفده مثل الزراعة والصناعة والتجارة والسياحة – سواء الدينية أو السياحة العامة -، فكل هذه قد ساهمت في بناء اقتصاد العراق ما قبل الاحتلال الأمريكي والإيراني عام ٢٠٠٣، بدليل أنه عندما فرض الحصار الجائر على العراق والذي دام قرابة ١٠ سنوات استطاع العراق أن يعتمد على نفسه ويكتفي ذاتيا بالحد الأدنى من دون الاعتماد على النفط، وذلك من خلال دعم الزراعة المحلية والصناعة الوطنية، وكانت تجربة البطاقة التموينية من أفضل التجارب الاقتصادية على المستوى العالمي، فرغم صعوبة فترة الحصار إلا أن العراق استطاع أن يتجاوز تلك الفترة بأقل الخسائر ومن غير الاعتماد على النفط كمورد مالي رئيسي، إلا أنه ما بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ أصبح العراق يعتمد على واردات النفط بنسبة ٩٩% بسبب تدمير المنشآت الصناعية من خلال القصف الجوي والصاروخي ونهب ما تبقى منها من قبل أمريكا وإيران وإغلاق البقية منها وإهمال الزراعة، إضافة لعدم دعم المنتوج الوطني والاعتماد كلياً على الاستيراد فقط، أما السياحة فهي معطلة بسبب الظروف الأمنية التي يمر بها العراق، كل هذا جعل العراق يعتمد على واردات النفط دون غيرها، وحتى النفط لم تستطع حكومات الاحتلال السيطرة عليه بسبب التهريب وسيطرة المليشيات على بعض الآبار النفطية.
ويمكن تلخيص أسباب تدهور الاقتصاد العراقي بما يلي :
١- السياسة الاقتصادية الخاطئة: والتي تعكس في أدائها السياسة العامة للدولة العراقية التي يسودها التخبط وغياب التخطيط وسوء الإدارة بسبب إبعاد الكفاءات العلمية والاعتماد على الطائفية والمحسوبية في إدارة الدولة.
٢- الفساد: لا يختلف اثنان على وجود فساد في كافة مؤسسات الدولة وبشهادة كبار المسؤولين في الحكومة، وقد أصبح الفساد سرطانا ينخر في جسد الدولة العراقية بحيث لا يمكن معالجتة بالمهدئات والعقاقير، بل لابد من عملية جراحية لإستئصاله وإلا سوف يقضي على ما تبقى من واردات الدولة، سيما أن الفساد المالي والإداري في العراق قد انتشر أفقيا وعمودياً في كافة مؤسسات الدولة، ومن نماذج هذا الفساد أن أغلب الموانئ والمطارات والحدود هي ضمن سيطرة الأحزاب الطائفية ومليشياتها، علما أن هذه المواقع تعتبر سيادية ووارداتها يجب أن تكون لخزينة الدولة من ضمن الدخل القومي والناتج القومي الذي يفترض أن يساهم في البناء الاقتصادي، وقد نتج عن سيطرة المليشيات على هذه المواقع السيادية عجز الحكومة عن معرفة حجم الدخل القومي للعراق.
٣- البطالة: نشر البنك الدولي ومنظمة اليونيسف عام ٢٠٢١ تقريرا عن الوضع الاقتصادي في العراق ورد فيه أن نسبة الفقر في العراق قد تجاوزت ٣٠% وأن نسبة البطالة في تزايد مستمر رغم ارتفاع أسعار النفط العالمية.
والبطالة في العراق موجودة بشقيها (البطالة الاعتيادية والبطالة المقنعة)، ونسبة الأخيرة أكبر من نسبة الأولى بسبب موظفين فضائيين مسجلين في أغلب مؤسسات الدولة، وبالرغم من أن تعداد نفوس العراق لا يتجاوز ٤٠ مليون نسمة، يوجد فيه ٦ ملايين موظف منهم مليون و ٢٠٠ ألف في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وهذا العدد من الموظفين مقارنة بعدد السكان يعتبر كبيرا جدا، إذ لا يوجد مثيل له في كافة دول العالم، وهذا بسبب – كما قلنا- وجود البطالة المقنعة التي تعرف على أنها إذا ترك الموظف أو العامل وظيفته لا تؤثر على كمية الإنتاج!! فكم دائرة حكومية اليوم فيها من الموظفين أكثر من العدد المطلوب؟ وكم هو عدد الموظفين الفضائيين؟ وكم مواطن يتقاضى أكثر من راتب واحد من الدولة بحيث إزالة جميع هؤلاء لا يؤثر على الإنتاج؟
٤- العامل الخارجي: والمتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وإيران اللذين ساهما في تدمير الاقتصاد العراقي، فالأولى دمرت كافة المنشآت الصناعية العراقية من خلال القصف الجوي، حيث تم تدمير المنشآت الصناعية التي كانت تابعة لوزارة الصناعة، أما إيران فقامت بنهب ما تبقى منها، إضافة إلى تدمير الزراعة من خلال قطع مياه الأنهار التي تصب في العراق من جهة إيران بالدرجة الأساس، مثلما حدث في مدينة ديالى – التي تحد إيران من جهة الشرق – مما أدى إلى تدمير الزراعة فيها وتحولت الكثير من الأراضي الخضراء إلى صحراء قاحلة إضافة إلى سيطرة إيران على القرار الاقتصادي في العراق بحيث لا تسمح بالاستيراد من غيرها، وما مشكلة الغاز الأخيرة ببعيدة، فعندما أراد العراق أن يبحث عن مصادر أخرى للتزود بالغاز من بعض دول الخليج لغرض معالجة أزمة الكهرباء بدأت بالضغط على الحكومة من خلال تحريك أذرعها من الأحزاب والمليشيات ضد الحكومة لمنعها من إبرام أي عقد مع دول الجوار.
٥- تدمير القطاع الخاص: اغلقت أغلب المعامل والمصانع التي تتبع القطاع الخاص أبوابها بسبب سوء الأوضاع الأمنية وبسبب فرض الأتاوات عليهم من قبل المليشيات، واضطر أصحاب المعامل والمصانع إلى الهجرة إلى خارج البلاد للبحث عن بيئة آمنة يستثمرون فيها بعيدا عن العراق، بينما كان من الممكن للقطاع الخاص أن يساهم في معالجة البطالة المنتشرة في العراق من خلال تشغيل العاطلين عن العمل ورفد الأسواق المحلية بما تحتاجه من البضائع بدل استيرادها من الخارج.

هذه الأسباب وغيرها جعلت العراق يعيش في وضع اقتصادي متدهور تكثر فيه البطالة وينتشر فيه الفقر ويعيش شعبه في حالة بؤس وحرمان وتكثر فيه جرائم السرقة والرشوة وتنتشر المخدرات بشكل واسع فضلا عن غياب التنمية وعدم تعدد مصادر الدخل والاعتماد كليا على واردات النفط لتسديد نفقات الدولة ورواتب الموظفين الذين لا يساهمون أصلا في عملية الإنتاج ولا تنمية اقتصاد الدولة، وسوف ينتج عن هذه السياسة الاقتصادية الفاشلة مجتمع طبقي يتكون من أقلية مترفة وأغلبية فقيرة من خلال القضاء على الطبقة الوسطى في المجتمع التي بوجودها يتوازن طبقياً واقتصادياً.

مقال خاص براسام