الباحث: حسين صالح السبعاوي
تدهورت العملية التربوية في العراق وتراجع مستوى التعليم إلى أدنى المستويات منذ أن وطئ الاحتلال الأمريكي والإيراني أرض العراق سنة ٢٠٠٣ وإلى الآن، وما زال مستوى التدني في التعليم مستمرا بالانحدار حتى وصل القاع، وعلى كل المستويات التعليمية ابتداء من مرحلة الابتدائية وحتى الدراسات الجامعية، كلها تعيش نفس التراجع في المستوى التعليمي، وقد أصدر البنك الدولي تقريرا في تشرين الأول من عام ٢٠٢١ ذكر فيه أن أطفال العراق مهددون بخطر مؤكد بسبب تدني مستوى التربية والتعليم إلى الحد الأدنى، حيث تراجع العراق إلى أدنى المستويات مقارنة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والواقع التربوي يؤكد صحة هذه التقارير الدولية، وهنا لابد من تشخيص الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تراجع مستوى التعليم في العراق، ويمكن حصرها في أربع أسباب أساسية – حسب رأينا -هي التي أوصلت العراق إلى أدنى المستويات :
١- البنية التحتية للتعليم : صرح وكيل وزارة التربية فلاح القيسي يوم ٢٥ ديسمبر ٢٠٢١ أن العراق بحاجة إلى ١٠ آلاف مدرسة وأن عدد المدارس الطينية بلغت ٢٠٠ مدرسة وأن عدد الأميين في العراق قد بلغ ٨ ملايين مواطنا، كما أكدت لجنة التربية والتعليم في البرلمان العراق على لسان أحد أعضائها وهو رياض المسعودي بأن العراق يحتاج إلى ١٠ آلاف مدرسة كما يحتاج إلى ١٠ جامعات .
هذا فيما يخص المدارس فقط، ولم يتطرق المسؤولون إلى حجم النقص في المختبرات والمنشآت العلمية ومستلزماتها الرافدة للعملية التربوية، وبالرغم من الميزانيات العراقية سواء للتربية التي بلغت ٢ مليار دولار بما يساوي ٣ ترليون دينار عراقي أو عموم ميزانية الدولة التي تجاوزت ١٠٠ مليار دولار فإن العراق يعاني من كل هذا النقص في المدارس والجامعات، ولا يختلف اثنان على أن الفساد المستشري في وزارة التربية – كما في جميع مؤسسات الدولة – هو السبب الرئيس في عدم بناء المدارس والجامعات .
٢-المناهج التعليمية : دأبت الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال على التغيير في المناهج الدراسية على أسس طائفية بعيدا عن المهنية والأسلوب الأكاديمي، خاصة في العلوم الإنسانية، ويكفي أن نذكر حالتين فقط لمعرفة مستوى التحريف والتغيير في المناهج: الأولى: الإساءة لأعظم شخصيتين قاما بفتح القدس وتحريرها من الاحتلال الصليبي وهما عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) وصلاح الدين الأيوبي (رحمه الله) فكيف لمن يسيء لمن فتح القدس أن يحررها الآن؟!
والثانية: يسيئون إلى من بنى بغداد ومؤسسها أبو جعفر المنصور ويسيئون إلى باني حضارتها هارون الرشيد وهم يعيشون وسط بغداد ويحكموها!
فأصبح الحق عندهم باطلا والباطل حقا والظالم مظلوما والخائن مجاهدا ومن احتل العراق محررا، كل هذا وفق مناهج حكومات الاحتلال، فأصبح الطلبة يعانون من لوثة فكرية بسبب تناقض المعلومات التي يتلقاها، أما علوم المادة مثل الكيمياء والفيزياء والرياضيات فهناك جهل مطبق فيها، وكيف لا وهم دمروا كل المختبرات والمنشآت العلمية والتكنولوجية وغيرها من المؤسسات العلمية .
٣-الهيئات التدريسية : هناك تراجع كبير في مستوى أداء الهيئات التدريسية بسبب قلة الكفاءة والفساد والشهادات المزورة التي ملأت العراق، خاصة فيما يخص الدراسات العليا شهادات الماجستير والدكتوراه، وأبرزها فضيحة الجامعة الإسلامية في لبنان التي أنشأها ويديرها المجلس الشيعي الأعلى، فقد بيعت أكثر من ٢٧ ألف شهادة ماجستير ودكتوراه للعراقيين بينهم مسؤولين كبار في الدولة وأعضاء في البرلمان العراقي، فقد كان ثمن شهادة الماجستير ٥ آلاف دولار وثمن شهادة الدكتوراه ١٠ آلاف دولار، وقد فتحت تحقيقات في هذا الأمر حتى اضطر المجلس الشيعي في لبنان إلى طرد رئيس الجامعة وأربع من رؤساء الأقسام بعد ثبوت إدانتهم ببيع الشهادات لطلبة عراقيين، فكيف لأمثال هؤلاء المزورين أن يتولوا عملية التربية والتعليم؟ وكيف سيكون مستوى الطلبة الذين سوف يتخرجون على أيديهم؟ سيما أن هذا الرقم المنشور هو نقطة من بحر في قضية تزوير الشهادات، وقد ذكرت الدكتور سعاد العزاوي أن هناك أكثر من ٨٠٠ ألف طالب يدرسون في إيران بطريقة ( أون لاين )!؟ وكلنا نعلم الدور الإيراني في العراق فهي المسؤولة عن دمار العراق وإلى ما وصل إليه من تدهور في الأمن والإقتصاد والتربية والتعليم.
٤- الطالب : يعتبر الطالب هو المتلقي وهو الإناء الذي تصب فيه الجهود العلمية من بنى تحتية ومناهج وتدريس، فإذا كان كل ما سبق مبني على الفساد والتزوير فلا بد أن يكون الطالب هو الضحية، وكلنا يعلم اليوم أن ترويج المخدرات بين الطلبة وحالة التسكع والتهرب من الحصص الدراسية صارت ظاهرة تتسع يوما بعد آخر، وقد كشف مجلس القضاء الأعلى في العراق أن نسبة إدمان الشباب على المخدرات تصل إلى ٥٠% – حسب تصريح قاضي محكمة تحقيق المسيب في بابل القاضي نبيل الطائي -، وهذه نتيجة طبيعية عندما يكون مروجي المخدرات وتجارها ممن يتبعون الأحزاب الحاكمة.
وكيف يتحسن مستوى الطلبة إذا كانت الأسرة لا تتابع وأستاذ لا يحاسب ولا مسؤول قدوة يقتدى به؟ فلا غرابة إذا أن تجد طالبا بلغ إلى الدراسة المتوسطة وهو لا يستطيع القراءة والكتابة، بل وطالب جامعي لا يتقن الإملاء لأن همه فقط نيل الشهادة والحصول على الوظيفة.
إن ما يحدث من تراجع وانحدار في مستوى التعليم في العراق هو أمر مخطط له من قبل الاحتلال، ومن ينفذ هذا المخطط هم أدواته في السلطة، لأن التعليم هو الوسيلة التي يرتقي بها شأن الإنسان ويرتفع إلى أعلى المراتب، والعلم هو السلاح الذي يحارب به الفقر والمرض والجهل، وقد قيل “من فتح مدرسة اقفل سجنا” وهذا ما لا يريده الاحتلال وأدواته، فهم يتقنون بناء السجون وتهجير الناس وإثارة الفتن الطائفية بين أفراد المجتمع، كما يتقنون نشر الجهل والمخدرات والترويج لها وتعاطيها، ويكفي أن أكثر من ١٧ ألف متهم تم إلقاء القبض عليهم خلال فترة ٢٢ شهر حسب تصريح مدير مكافحة المخدرات التابعة لوزارة الداخلية العقيد زياد القيسي.
لم يمر على العراق عبر تاريخه أسوء من هذه الفترة التي يعيشها الآن فهي بحق فترة مظلمة يعيشها اليوم ويتحمل الاحتلال الأمريكي والإيراني وأدواتهما كل ما يجري من تراجع للعملية التربوية والتعليمية في العراق الذي أصبح فيه الحرُّ متهما والعبد سلطانا.
مقال خاص لراسام

