الباحث: حسين صالح السبعاوي
في سابقة لم تحدث في العالم الديمقراطي، يشهد العراق بدعة تعويض الخاسرين في الانتخابات النيابية التي أجريت في ١٠ تشرين الأول من هذا العام، علما أن قانون الانتخابات العراقية المعدل سنة ٢٠٠٩ والفقرة “أ” من البند الخامس من المادة ١٣٨ من الدستور يشيران إلى كون المقاعد التعويضية التي من ضمنها ٥% الممنوحة للأقليات ككوتا ( حصة ثابتة) من المقاعد التعويضية شرط أن لا تؤثر على نسبتها في حال مشاركتها في القوائم الوطنية بمعنى تمنح المقاعد التعويضية للأقليات العرقية والدينية مثل المسيحيين والصابئة والشبك وغيرهم وليس حسب الأغلبية الوطنية .
إذاً كيف يكون التعويض؟
هل يتم تعويضهم من القوائم الفائزة ؟
أم يتم تعويضهم بزيادة عدد مقاعد مجلس النواب ؟
أم يتم تعويضهم بعدد من الوزارات متجاوزين الاستحقاق الانتخابي؟
إن مثل هذه الطروحات لا تصلح إلا عندما تكون العملية السياسية هجينة يتصارع عليها مجموعة من الفاسدين .
إن كلمة التعويض لا تصلح في الشأن السياسي إلا للأقليات والكوتا، أما من خسر الانتخابات بسبب فشل مشروعه السياسي وقد عاقبه الناخب على خطأه السياسي فليس له إلا أن يراجع نفسه ويعود إلى جادة الصواب.
إن فكرة تعويض الخاسرين هو نسف لمبدأ الديمقراطية ولنتائج الانتخابات، وإلا ما قيمة هذه الانتخابات التي صرف عليها المليارات إذا كان المتنافسين لا يقبلون بنتائجها وأن لا تتشكل الحكومة وفق نتائجها ؟
إن ما يسمى ( الإطار التنسيقي الشيعي ) الرافض لخسارته في الانتخابات لا يعي بأن مشروعه السياسي المستورد من الخارج وولائه لإيران وما فعله ضد الشعب هما السبب في خسارته، وما عاد يتقبله الشارع العراقي وخاصة في مناطق الوسط وجنوب العراق الذي كان يعتبرها عمقه الاستراتيجي وحاضنته الشعبية التي أصبحت على وعي تام بما يحاك لها من مؤامرات لتدمير اللحمة الوطنية مع باقي مكونات الشعب العراقي، ومن الجدير بالذكر أن هذا الوعي الوطني نما بفضل القوى الوطنية التي تصدت للمحتل وأعوانه وكشفت مؤامراته ضد الشعب العراقي فتجلى هذا الوعي بخروج غالبية الشعب في انتفاضة تشرين ٢٠١٩ التي أكدت على الهوية الوطنية بدل الهويات الفرعية وأكدت بأن الولاء للوطن وليس الولاء للخارج.
إن أي عملية تعويض للقوى الخاسرة وبأي وسيلة مهما كانت ستكون نهاية العملية السياسية – الفاشلة أصلا – التي فرضتها أمريكا وإيران على الشعب العراقي وهي تثبت صحة رأي المقاطعين للانتخابات بأنه لا جدوى من المشاركة ولن يحدث أي تغيير على الأرض في العراق .
إن مجرد الحديث عن تعويض الخاسرين في الانتخابات يدعو إلى السخرية والمهزلة التي وصلت إليه هذه الأحزاب وكأنهم يمتلكون تأمين على حياتهم السياسية كما تقوم الشركات والحكومات بالتأمين على حياة المواطنين وممتلكاتهم رغم أنهم لم يقدموا أي تعويض لمواطني المدن العراقية المنكوبة وهو من صميم عملهم .
إن الانتخابات الأخيرة أثبتت أن القوى السياسية العراقية وخاصة الطائفية منها لا تؤمن بالديمقراطية ولا تقبل بما يفرزه صندوق الانتخابات، في الوقت الذي حذر المقاطعين من مشاركتهم في الانتخابات لأنهم جزء من المشكلة ولن يكونوا جزءً من الحل خاصة في حال خسارتهم لأنه سوف تكشف عورتهم ويظهرون على وجههم الحقيقي حينما يفقدون مكاسبهم السياسية والمادية فيقومون بحرق العباد والبلاد من أجل الحفاظ على مصالحهم ونفوذهم في الدولة .
السيناريوهات المحتملة :
١- إذا أصر التيار الصدري على تشكيل حكومة أغلبية مع الفائزين من المكونات الأخرى فسوف نشهد صراعا مسلحا شيعيا – شيعيا.
٢- في حال تعويض الخاسرين في الانتخابات – وهذه تعتبر مخالفة دستورية – سوف تفقد الانتخابات شرعيتها القانونية وبهذا سوف لن يذهب الناخب العراقي لأي انتخابات تجرى لاحقا رغم أن من ذهب للانتخابات هم أقلية من الشعب لكن حتى هذه الأقلية سوف لن تذهب.
٣- هناك سيناريو آخر قد طرح من قبل الخاسرين وهو إلغاء نتائج الانتخابات، بمعنى إعادة الانتخابات مرة أخرى، وهذا السيناريو سوف يصطدم مع موقف الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذين رحبا بالانتخابات ونتائجها، وهذا السيناريو وإن فرضه الخاسرون فإن الانتخابات التي إن أعيدت سوف تشهد مقاطعة أكبر من الأولى لأن المواطن سيفقد الثقة كاملة في العملية السياسية موقنا أنه لا مجال للتغيير من خلال الانتخابات لطالما هيمنت هذه القوى الفاشلة على المشهد السياسي.
إن الشعب العراقي قد ضاق ذرعا من هذه القوى السياسية الفاشلة في إدارة الدولة على مر السنين بسبب فسادها وسلاحها الموجه ضد الدولة والشعب في الوقت الذي سلم منه العدو الخارجي، ثم يأتي اليوم وهي متفاجئة من نتيجة الانتخابات وتطالب بالتعويض عن خسارتها وتريد أن يتساوى الخاسر والفائز، وكأن الانتخابات لم تجر في البلد وهذه البدعة لم يحدث مثلها في العالم إلا في العراق المليء بالبدع السياسية.
إن مشكلة الأحزاب السياسية في العراق هي جهلها التام بالعمل السياسي ولا تعرف سوى مشاركة في حكومة، أما أن تجلس في البرلمان وتمارس دور المعارضة السياسية من داخل البرلمان فتعتبره إقصاء لها وتهميشا لأن المشاركة في الحكومة – من وجهة نظرها – يفتح لها مجال أوسع للفساد ونهب المال العام ويزيد من هيمنتها على مقدرات الدولة، أما القبول بالخسارة والجلوس كمعارضة سياسية فهي لا تتقن مثل هذا العمل الوطني، كما أنها تدرك بأن أي حكومة قادمة لا تستطيع الرقابة عليها ولا محاسبتها لأنها أكثر فساداً منها وأكثر مخالفة للدستور والقوانين منها أيضا، ولا يمكن لفاسد أن يحاسب فاسدا مثله.
إن العملية السياسية في العراق وصلت إلى طريق مسدود ودخلت في نفق مظلم لا يرى نهايته، وكل الاحتمالات واردة من فوضى أو اقتتال داخلي (شيعي – شيعي) ويتحمل ساسة المكون الشيعي المسؤولية كاملة على كل ما جرى ويجري مستقبلا في العراق.

