نظير الكندوري
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، يعيش العراقيون أكثر تجربة حزبية فاشلة في تاريخه، تتمثل في عملية سياسية ثبت للعالم أجمع فشلها وعدم ديمقراطيتها. ولأجل ذلك، قامت الجماهير العراقية بالتعبير عن رفضها لهذه التجربة الفاشلة بكل قوة، وحمَّلت الجماهير الأحزاب المسؤولية عن كل الفساد والخراب الذي عمَّ البلد منذ ذلك التاريخ وحتى الان، وخرجت الجماهير العراقية بتظاهرات وانتفاضات عديدة رفضًا لهذه الأحزاب وعمليتها السياسية، لكن أبرز تعبير عن هذا الرفض كان ما شهده العراق من تظاهرات جماهيرية عارمة ضد هذه الأحزاب عام 2019 والتي سقط خلالها المئات من الشهداء والآلاف من الجرحى، والتي عرفت بتظاهرات تشرين.
هل ينطبق توصيف الأحزاب على من حَكَمَ العراق؟
وبمراجعة بسيطة للتكتلات السياسية التي حكمت العراق ما بعد 2003، والتي في غالبيتها العظمى جاءت مع المحتل من خارج العراق، نجد أنه من الصعوبة توصيفها بأحزاب سياسية، بل هي نفسها لا تدّعي أنها أحزاب سياسية، إذ تستعير بعضها مُسميات مثل منظمة أو تحالف أو تيار، وهي في غالبها كانت عبارة عن مليشيات مسلحة أو جماعات مقاتلة، وبالتالي فهي لم تعرف الحياة الحزبية أو التنافس الحزبي لا من بعيد ولا من قريب إلا من خلال فوهات البنادق، ولم يجمعها عامل مشترك سوى المظلة الأمريكية التي عمدت إلى جمع شتاتهم وزجتهم في عملية سياسية ثبت فشلها بعد زمن قليل من انطلاقها، بل إن معظم تلك الجماعات المسلحة التي لبست ثوب الأحزاب السياسية، لم تلبث أن عادت إلى سيرتها الأولى لتستلهم من تاريخها المليشياوي المسلح، في تصفية خصومها عبر التصفيات الجسدية.
هل بالإمكان صنع تجربة ديمقراطية من دون الأحزاب؟
من الطبيعي أن أية تجربة ديمقراطية، لابد لها من عناصر أساسية تتشكل منها، وأحد أهم تلك العناصر، هي الأحزاب السياسية المشكّلة من أفراد الشعب، والتي تتنافس فيما بينها للفوز بثقة الجماهير لغرض تمثيلهم في البرلمان أو في الحكومة، وتكون البرامج السياسية التي توضح فيها الأحزاب طريقتها في خدمة الشعب والوطن وخططها الاقتصادية والعسكرية وعلاقاتها الخارجية هي أساس تنافسها، وإذا ما اقتنع المواطنين ببرنامج حزبٍ ما، أعطوه ثقتهم من خلال التصويت له بالانتخابات ليقود البلد لفترة محددة من الزمن، وعلى هذا فإن الأحزاب هي جزء اصيل من أي عملية ديمقراطية في العالم.
لكن الذي حدث في ديمقراطية العراق المزعومة، أنها فشلت في تشكيل أحزاب حقيقية تمتلك برامج سياسية وتبتغي تمثيل الشعب لتراعي مصالحه، بل استندت إلى مجاميع مسلحة نزعت ثوبها لترتدي ثوب الأحزاب للفوز بالسلطة التي تعبرها مغنمًا تستطيع من خلالها الاستئثار بموارد البلد لصالح حزبها والطبقة القليلة المحيطة بها، أو لتراعي مصالح دولة كانت ترعاها في السابق، هذا ما جعل الجماهير العراقية ترفض كل تلك الأحزاب، وتحملها كل الفساد والخراب الذي حصل في البلد.
كيف يمكن للشعب أن يضغط على تلك الأحزاب؟
لم يكن العراق فريدًا في الحالة التي وصلها بسبب تلك الأحزاب، إنما حدث هذا الشيء في بلدان عديدة، حاولت فيه الأحزاب الاستئثار بالسلطة بطريقة لا تمت بصلة للديمقراطية، وتسببت في استمرار الفساد والخراب في بلدانها، لكن الشعوب الحية لا تعرف الملل أو الكلل في محاولاتها لانتزاع حريتها وتأسيس الديمقراطية الحقَّة وبطرق سلمية تضغط من خلالها على الأحزاب الفاسدة أو تلغي وجودها وتقصيها عن العمل السياسي، وفي الوقت نفسه تدعم تشكيل أحزاب حقيقية نابعة من الشعب وتمثل تطلعاته.
ومن تلك المحاولات الشعبية هي تشكيل التيارات الشعبية الضاغطة والتي يكون على عاتقها ترشيد العمل السياسي في البلاد وإعادة توجيهه نحو الديمقراطية الحقيقية، ويعود السبب في تشكيل التيارات الشعبية، هو أن أفراد الشعب ليس جميعهم يريدون العمل بالسياسية، أو يتطلعون للوصول للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية، أنما يريدون العيش في بلدٍ يحترم تطلعاتهم ويعمل في خدمة مصالحهم، وبالتالي بإمكانهم فعل ذلك من خلال صنع التيارات الشعبية الضاغطة، التي تضغط على الأحزاب الفاسدة وتُشجع الأحزاب الوطنية، ويمكن للجماهير من خلال فعالياتهم الشعبية، فرض حضورهم الشعبي على تلك الأحزاب وإجبارها على العمل من أجل الصالح العام.
هل يمكن تشكيل تيار شعبي ضاغط في العراق؟
إن الشعب الذي استطاع الخروج بتظاهرات عفوية سلمية لم يشهد لها العراق مثيلا في تاريخه الحديث، قادر على تشكيل مثل هذا التيار الشعبي الضاغط مع العلم بأن تشكيل التيارات الشعبية هو أسهل بكثير من تشكيل الأحزاب، فالأمر لا يتطلب سوى التوافق على جملة من المبادئ والشعارات الوطنية من قبل شرائح مجتمعية كبيرة، وهنا يأتي دور النخب العراقية المثقفة العراقية في بلورة تلك المبادئ والترويج لها بأوساط المجتمع العراقي، ومن ثم تنظيم الفعاليات الشعبية التي تطالب بتحقيق تلك المبادئ، عبر التظاهرات أو الاعتصامات أو حتى بالعصيان المدني.
ويمتد دور التيارات الوطنية الشعبية إلى ما بعد تأسيس النظام الديمقراطي، فالتيار الشعبي قادر في ظل النظام الديمقراطي من ترجيح كفة الحزب الذي يأخذ شعارات ومبادئ التيار الشعبي كبرنامج سياسي له في الانتخابات، فيما لا يدعم أي حزب يتخلى عن المبادئ التي ترفعها الجماهير كبرنامج سياسي له.
هكذا تجربة نجحت في كثير من بلدان العالم، فعلى سبيل المثال دول أمريكا اللاتينية وبعد أن كانت تشتعل بنار الحروب الأهلية طيلة الفترات السابقة، نجحت فيها الكثير من الأحزاب التي كانت ضد الأنظمة العسكرية التي تحكم بلدانها في الوصول إلى السلطة بتأثير من التيارات الشعبية الضاغطة في بلدانها، ونرى ذلك حتى في بلدان قريبة مثل تركيا التي استطاع حزب العدالة والتنمية الاستفادة من التيار الشعبي الذي تقوده جماعات دينية وسياسية وحصل على دعمهم وفاز عدة مرات في الانتخابات، وفي تونس يعتبر الاتحاد العام للشغل، أحد أكبر التيارات الشعبية الضاغطة في البلاد، وإذا ما عدنا إلى العراق فإننا نرى أن بعض التيارات الدينية التي لا تحمل أي برنامج سياسي يعود بالنفع إلى العراق، قد استفادت من التيارات الشعبية الدينية الضاغطة للوصول إلى السلطة، مثل التيار الصدري الذي حصل على الأغلبية في الانتخابات الأخيرة.
تيار وطني شعبي عراقي ضاغط
وعلى هذا فإن التيارات الشعبية الوطنية التي تريد للعراق الانعتاق من الفساد والتبعية لدول الجوار والانطلاق نحو التقدم، عليها أن تصنع تيارا وطنيا شعبيا ضاغطا، وبالأخص في الوقت الحالي الذي تريد الأحزاب والمليشيات ادخال البلاد في أتون حرب مليشياوية من أجل السلطة، ويجب أن يكون هذا التيار عابرًا للطائفية والقومية التي مزقت مجتمعنا، ولعل تأسيس مثل هذا التيار الوطني الشعبي ربما سيكون هو الأمل الوحيد المتبقي للعراقيين حتى لا ينزلق البلد في أتون حربٍ مليشياوية لا تبقي ولا تذر.
أما مستقبلًا، فإن التيار الشعبي الوطني، سيكون حافزًا لتأسيس أحزاب وطنية عراقية، تستند في قوتها على التيار الشعبي الوطني الضاغط الذي ستعمل النخب العراقية على تأسيسه، ومع أننا ندرك إن ثمار جهود هذه التيارات الشعبية، لن تكون وشيكة ليتم قطفها من قبل الجماهير، وندرك أيضًا أن المعركة مع الفاسدين والمليشياوين ربما ستكون طويلة، لكننا ندرك أيضًا، بأن الشعوب كلما زاد وعيها بحقوقها، وزادت فطنتها، وكشفت زيف الأحزاب الفاسدة، كلما اقترب موعد انعتاقها من ربقة الأحزاب العميلة، واقتربت ساعة تحررها.
مقال خاص براسام

