الباحث: حسين صالح السبعاوي
منذ توقيع المعاهدة الأمنية بين العراق وأمريكا سنة ٢٠٠٨ والتي تنص على خروج كافة القوات الأمريكية من العراق في ٣١ كانون الأول سنة ٢٠١١ كحد أقصى، لكنها لم تخرج كاملا من العراق وبقي عدد كبير من هذه القوات في عدة قواعد عسكرية من أبرزها قاعدة عين الأسد في الرمادي وقاعدة التاجي في بغداد وقاعدة حرير في أربيل إضافة إلى تواجدها في مطار بغداد الدولي وفي مناطق أخرى سرية لم يعلن عنها.
ولأن بنود الاتفاقية الأمنية فيها نصوص مطاطية قابلة للتأويل ويمكن تفسيرها بعدة وجوه، صار كل طرف يتمسك في تفسيره للنص حسب مصلحته، وعلى سبيل المثال تشير أحد البنود إلى أنه (متى تعرض العراق لتهديد داخلي أو خارجي أو هدد نظامه الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة يجتمع الطرفان ويبدأ الحوار الاستراتيجي) وقضية الإرهاب بدون شك حاضرة في كل وقت وهي حجة للتدخل الدولي، كما أن خطر المليشيات أيضاً حاضرة باعتبارها تهدد (النظام الديمقراطي ومؤسساته المنتخبة) ما يبرر للطرف الأمريكي تدخلها العسكري متى ما تشاء أو إبقاء القوات الأمريكية على الأراضي العراقية لأمد أطول، وقد لاحظنا سنة ٢٠١٤ كيف طلب العراق بنفسه من الولايات المتحدة الأمريكية بالتدخل عندما سيطرت داعش على عدة مدن عراقية وبالفعل عادت القوات الأمريكية إلى العراق ومعها تحالف من عدة دول أجنبية أخرى، ثم بدأ ما يسمى بـ (الحوار الاستراتيجي) بين الدولتين حول خروج القوات الأمريكية أو تغيير مهمتها من قتالية إلى تدريبية والاستشارية، وهنا أريد أن أتطرق إلى هكذا نوع من الحوارات قبل الدخول بتفاصيلها ونتائجها، وكما هو معلوم للحوار الاستراتيجي شروط من أهمها:
أولا: تكافؤ الطرفين المتحاورين، ومن المعلوم بالضرورة أنه لا يوجد أي تكافؤ بين العراق وأمريكا .
ثانيا : لأن الموضوع استراتيجي فيجب تحقيق مصلحة استراتيجية بين الطرفين وعدم زج مواضيع فرعية وجانبية في أصل الحوار وبنوده، على سبيل المثال حشر مواجهة كورونا في موضوع أمني أو سياسي، وهذا ما تابعناه خلال الحوار الأخير حيث طُرح موضوع مواجهة كورونا أكثر مما ذكر موضوع عدد القوات الأمريكية في العراق وتحديد دورها!!.
ثالثا : حصول توافق وطني على المواضيع الاستراتيجية والتي تخص سيادة الدولة لا أن ينفرد بها جماعة دون أخرى خصوصا من الطرف العراقي، سيما وأن الطرف العراقي هو من استقدم القوات الأمريكية ثم اعتبرها (قوات تحرير) وليس قوات احتلال، لكنه بعد تثبيت وتعزيز سلطته عاد مغيرا لموقفه واعتبر القوات الأمريكية قوات احتلال!! بل وبدأ – الطرف العراقي الحاكم – يشكك بنوايا الشركاء في الوطن باعتبارهم يتماشون مع الموقف الأمريكي ضد العراق، حاصرا لمفهوم الوطنية في نفسه بادعائه الجهة المطالبة (بإخراج قوات الاحتلال).
رابعا : الحوار الاستراتيجي لا يحتمل إلا الجدية في الحوار مع مراعاة المصلحة الوطنية، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل الأحزاب العراقية الحاكمة جادة في إخراج القوات الأمريكية؟ وهل الأمريكان جادين في الحوار وسوف يلتزمون بمخرجاته؟
الحقيقة التي يجب أن تقال أن الولايات المتحدة لا تؤمن بحوار استراتيجي مع العراق باعتبار أن العراق ضمن نفوذها ولا يمكن أن يكون الحوار معه إلا بأسلوب التبعية وليس إسلوب الشراكة التي تتكلم عنه في الإعلام ومن المعلوم أن الولايات المتحدة لا تصرح بما تريد فعله للإعلام بل تبقيه طي الكتمان في الغرف المغلقة، وما تسربه لوسائل الإعلام هو للاستهلاك الإعلامي فقط، وقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في ٢٤ تموز من هذا العام نقلا عن مسؤولين في البنتاغون بأنهم سيحافظون على عديد القوات الأمريكية في العراق من خلال تغيير وظائفهم على الورق!
وهل الحكومة العراقية والقوى السياسية الحاكمة جادة في (إخراج) هذه القوات التي أوصلتهم إلى السلطة ؟
إن حقيقة هذه الحوارات هي حوارات تكتيكية وليست استراتيجية وهما يخدمان بعضهما البعض ومتفقان على لعبة تبادل الأدوار في العراق .
كما هو معلوم فقد دخل العراق في عدة حوارات – وكما تسمى استراتيجية – مع الولايات المتحدة كان أبرزها في في ٧ نيسان من هذا العام وكان من نتائج هذا الحوار تغيير مهمة القوات الأمريكية من مهام قتالية إلى مهام تدريبية، وهذا شيء طبيعي، فبعدما تنتهي مهمة القوات الأمريكية في مواجهة تنظيم الدولة ( داعش ) أن تتفرغ هذه القوات للتدريبة، ولكن هل ستبقى هذه القوات تدريبية فعلا أم أنها ستعود لمهام قتالية بحجة مكافحة الإرهاب؟؟
في شهر تموز/ يوليو الجاري عاد نفس الحوار وأفضى إلى نفس النتيجة التي كانت في الحوار السابق، إذن فما هو المتغير في هذه الحوارات وما هو الموضوع الاستراتيجي الذي يتحدثون عنه إذا كانت نتيجة الحوار مجرد تغيير مهمة القوات من قتالية إلى التدريب؟ سيما أن مجلس النواب قد صوّت على (إخراج) كافة القوات الأجنبية من العراق بما فيها القوات الأمريكية في الخامس من كانون الثاني عام ٢٠٢٠ بعد يومين من مقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس القائد البارز في الحشد الشعبي.
إن هذا الضجيج الإعلامي الذي تبنته القوى السياسية وخاصة الفاعل السياسي الحاكم ما هو إلا للمزايدة على بقية القوى السياسية الأخرى التي لا تستطيع حتى إبداء رأيها خشية الاتهام بالعمالة وما إلى ذلك من اتهامات جاهزة، علما أن الإدارة الأمريكية لا تتعامل مع هؤلاء – الفئة الحاكمة والمطبّلة للحوار- إلا كأدوات لقطع الطريق على القوى الوطنية الرافضة للتواجد الأمريكي والإيراني على الأراضي العراقية. والمضحك أن الأحزاب المطالبة بخروج القوات الأمريكية تنسب لنفسها (المقاومة والممانعة)!!
إن الشعب العراقي يواجه أسوء مرحلة تشويه للحقائق التاريخية التي حدثت على أرضه منذ الاحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣ وإلى الآن، لكن الحقيقة التاريخية ستبقى فاضحة للذين جاؤوا بالمحتل الأمريكي واستلموا السلطة بقوة سلاح المحتل، فهذه الحقيقة باقية لا يستطيع أحد إنكارها فالشمس لا تغطى بالغربال، وستبقى الحكومة العراقية والاحتلال – الأمريكي والإيراني – وجهين لعملة واحدة.
مقال خاص براسام

