الباحث : حسين صالح السبعاوي

عرف العراقيون ظاهرة التهجير القسري بعد الإحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣ والتي يعدها القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية، وتعرضت منطقة حزام بغداد بشكل كبير لهذا النوع من التهجير .
يعرف التهجير القسري بأنه ممارسة ممنهجة تنفذها حكومات أو قوى شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية بهدف إخلاء مناطق معينة وإحلال مجاميع سكانية أخرى بدلا عنها .
ويكون التهجير القسري إما مباشرة أي ترحيل السكان بالقوة، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق دفع الناس إلى الرحيل من خلال إستخدام وسائل الضغط والترهيب والاعتقال والتهديد كما يحدث الآن في حزام بغداد .
يُعرف القانون الدولي التهجير القسري بأنه إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها، وهو يندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وقد اتفقت معاهدة جنيف ١٩٤٩ وميثاق روما سنة ٢٠٠٢ المادة ( ٦ ) على هذا التعريف ولا خلاف جوهري بينهما .
تسكن حزام بغداد عشائر عربية سنية من جهة الجنوب من بغداد وأهم هذه العشائر هي عشيرة الجنابيين وعشائر الجبور والدليم وبني تميم وخزاعة وبني خالد وبني سعد وعشائر أخرى، وتتوزع هذه العشائر في قضاء المحمودية والمدن والقرى التابعة لها مثل ناحية اللطيفية واليوسفية وناحية الرشيد، وتقدر مساحة قضاء المحمودية والمدن التابعة لها بحوالي ١٤٠٠ كم2 أما عدد سكانها فيبلغ أكثر من ٤٦٠ ألف نسمة حسب إحصائية ٢٠١٤، أما ناحية جرف الصخر فتقع جنوب غرب بغداد وتبعد حوالي ٦٠ كم عن بغداد وتبلغ مساحتها ٥٠ كم2 ويسكنها ٤٠ الف نسمة تقريبا حسب تقديرات عام ٢٠١٤ أغلبهم من قبيلة الجنابيين، وتكثر فيها زراعة النخيل وأشجار الفاكهة، كذلك يكثر فيها أحواض الأسماك بسبب قربها من نهر الفرات وتزرع فيها محاصيل الحنطة والشعير، أما في شمال بغداد فيوجد قضاء الطارمية ويعتبر من أهم الأقضية الستة التي تحيط ببغداد حيث يربط بين بغداد وصلاح الدين وديالى ويتبع القضاء ناحية المشاهدة وناحية العبايجي وتبلغ مساحته ١٩٢ كم2 ويسكنه قرابة ٩١ الف نسمة متشكلة من عشائر متعددة منها المشاهدة والسلمان والحياليين والبوفراج والجبور والعبيد .
عانت منطقة حزام بغداد شمالا وجنوبا من عملية اضطهاد وتهجير ممنهجة بدأت بعد الاحتلال الأمريكي ووصول القوى والأحزاب الطائفية إلى سدة الحكم وقد استخدمت كافة الوسائل لتهجير السكان فيها سواء بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة مثل الإعتقال والضغط الأمني والتهم الكيدية والابتزاز، يقول النائب مظهر الجنابي عن القائمة العراقية أنه في شهر أيلول فقط من سنة ٢٠١٣ هجرت مائة عائلة من ناحية اللطيفية لوحدها بسبب العنف الطائفي، أما منطقة جرف الصخر فقد هجر السكان فيها على بكرة أبيهم وبطريقة مباشرة من قبل المليشيات الطائفية وخاصة حزب الله منها واليوم يعيش سكان هذه المنطقة في مخيمات الحبانية ومخيم عامرية الفلوجة منذ أكثر من ٦ سنوات ولا يستطيعون العودة إلى مناطقهم بسبب رفض المليشيات، بينما الحكومة تقف عاجزة ومكتوفة الأيدي أمام إصرار هذه المليشيات على عدم عودتهم، وقد صرح رئيس الوزراء الأسبق أياد علاوي رئيس القائمة العراقية بأن السبب في عدم عودة المهجرين من أهالي جرف الصخر هو رفض إيران عودتهم، بينما أتباع إيران ملأوا الدنيا ضجيجا حول السيادة الوطنية !؟

أساليب التهجير التي اعتمدتها الحكومات العراقية ضد السكان في حزام بغداد :
١- التهجير المباشر من خلال استخدام القوة ضد السكان كما حصل في منطقة جرف الصخر .
٢- التهديد بالاعتقال والسجن .
٣- التهم الكيدية سواء بالإرهاب أو بالانتماء لحزب البعث وغيرها من التهم .
٤- الابتزاز من قبل المليشيات وأخذ الأتاوات من التجار أو من المزارعين .
٥- إهمال المنطقة من حيث الخدمات الأساسية والبنى التحتية بحيث لا تصلها أي خدمات مما يضطر السكان للنزوح والهجرة .
٦- فسخ العقود الزراعية للفلاحين بحجة اتهامهم بتهم باطلة أو بحجة عدم زراعتها، وكيف يزرعونها وهم مهجرون ولا تسمح لهم المليشيات بالعودة؟!

هذه الأساليب وغيرها استخدمتها الحكومة العراقية ومليشياتها ضد السكان في حزام بغداد.

أما عدد المهجرين والنازحين فمن الصعب معرفة العدد الحقيقي وبدقة لأنه لا توجد بيانات رسمية لا من الحكومة العراقية ولا من وزارة الهجرة عن عدد النازحين حسب المناطق والمدن والأقضية والنواحي، وما هو متداول هي أرقام عامة عن كافة النازحين والمهاجرين في العراق عموما، وما موجود هو مجرد تصريحات إعلامية لمسؤولين محليين، وهذا الأمر هو مقصود ومتعمد لكي لا يظهر نوع التهجير ولا تنكشف الأهداف المرجوة منه، إلا أن الأمر واضح وجلي لكل متابع ويدرك بأن الغاية من هذا التهجير هي التغيير الديمغرافي والاستيلاء على الممتلكات والأراضي الزراعية، وقد نجحوا نوعا ما في الوصول الى هذه الغاية، حيث نرى اليوم أن حزام بغداد – وخاصة من جهة الجنوب – أصبح تحت هيمنة مليشيات طائفية.
أماكن النزوح والهجرة :
انقسمت هجرة سكان حزام بغداد إلى قسمين :
١- الهجرة الداخلية وهي مخيمات النزوح في الحبانية وعامرية الفلوجة، وإلى إقليم كردستان في محافظة أربيل والسليمانية والأقضية والنواحي التابعة لهما .
٢- الهجرة إلى خارج العراق وخاصة إلى تركيا وبعض الدول العربية مثل مصر والأردن، وقسم آخر هاجر إلى أوروبا عن طريق البحر المتوسط وبحر ايجة من تركيا ثم إلى اليونان ومن بعدها إلى بقية الدول الأوروبية، ومن الجدير بالذكر أن عدد اللاجئين في تركيا أكثر من ٤٠٠ ألف لاجيء حسب بيانات وزارة الداخلية التركية ودائرة الهجرة التابعة لها لسنة ٢٠١٧ وتعتبر الجالية العراقية ثاني أكبر جالية بعد الجالية السورية .

إن جريمة التهجير والتغيير الديمغرافي في العراق مستمرة ولم تتوقف، كما أنها لم تقتصر على مناطق حزام بغداد فحسب بل شملت جميع المدن المعرضة للتغيير الطائفي أو العرقي سواء في بغداد أو ديالى أو صلاح الدين أو الموصل أو كركوك أو غيرها من المدن.

وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ .

مقال خاص براسام