الكاتب: نظير الكندوري
في حركة استعراضية من الصدر وأتباعه المعروفين بـ”سرايا السلام” – كانت تعرف سابقا بجيش المهدي – قاموا بالانتشار في شوارع بغداد والنجف وكربلاء، وهم مدججون بالسلاح ويستقلون سيارات الدفع الرباعي، بحجة أن هذا الاستعراض العسكري، جاء استجابة لمعلومات توفرت لدى وزير الصدر، حول تهديدات محتملة لمراقد مقدسة شيعية وسنية. وبعد مرور أكثر من 24 ساعة، أعلنت تلك المليشيات الصدرية انسحابها من الشوارع بسبب زوال الخطر!
هذا الانتشار المسلح لمليشيا مقتدى الصدر يذكرنا بما فعله “حسن نصر الله” حينما نشر قواته في بيروت واحتلها بشكل عملي عام 2008، ردا على قرار للحكومة اللبنانية التي اعتبرت شبكة الاتصالات الهاتفية التي أقامها “حزب الله” على امتداد الأراضي اللبنانية، عملا غير شرعي وغير قانوني واعتداء على سيادة الدولة، وكانت حجة حزب الله، أنه أقام هذه الشبكة للتصدي لعمليات التشويش الإسرائيلية.
رد حزب الله على قرارات الحكومة، على لسان قيادي في الحزب قائلا، إن “الفريق الآخر يلعب بالنار ومن يلعب بالنار يحرق يديه”. بما يشبه تصريحات المتحدث باسم ميليشيا السرايا، صفاء التميمي حينما غرد على موقع تويتر بإن “أيَ يد تمتد الى مقدساتنا سنقطعها”، وانطلقت مليشيات حزب الله لتحتل العاصمة بيروت وتغلق مطار رفيق الحريري الدولي، فيما التزمت قوى الأمن اللبناني بوحداتها وانسحبت من الشوارع، وهذا بالضبط ما فعلته القوات العراقية حينما انتشرت مليشيات الصدر.

ديمقراطية المليشيات
مؤخرا، كان الصدر يعد العدَّة لأخذ الأغلبية في الانتخابات القادمة ويضمن لتياره رئاسة الوزراء، لكنه وجد أن الطريق الأقصر للحصول عليها، هو من خلال “ديمقراطية المليشيات”، فهي الديمقراطية التي تتيح لمن لديه مليشيات مسلحة كبيرة، وتمتلك عدد أفراد أكبر وسلاح أقوى بالفوز بالاستحقاقات الانتخابية، هذه هي الديمقراطية التي يريدها مقتدى الصدر ومن مثله من باقي قادة المليشيات في العراق، ديمقراطية الأغلبية المليشياوية، في محاكاة لديمقراطية حسن نصر الله الذي يفرض نفسه اليوم على الحكومة اللبنانية بقوة ميلشياته وسلاحه ودعمه الإيراني الخارجي.
لقد بات واضحا أن الاستعراض الذي قام به الصدر ومليشياته في شوارع بغداد وباقي المدن، يأتي متزامنا مع محاولات نوري المالكي لطرح نفسه مرة ثانية لتولي منصب رئيس الوزراء، وهذه التراشقات ما بين المالكي والتيار الصدري والاستعراضات العسكرية، هي بمثابة دعاية انتخابية في زمن ديمقراطية المليشيات، فالديمقراطية بالعراق مختلفة جدا عن مثيلاتها في الدول التي تحترم شعوبها، فبدلا من نشر برامج انتخابية لهذا الحزب أو ذلك، تقوم احزابنا ومليشياتها بالاستعراضات العسكرية والتهديد بقطع يد من يتصدى لها.
وعلى هذا الأساس، فإن الاستعراض العسكري الأخير للصدر ومليشياته، يمكن اعتباره كحلقة ضمن صراع النفوذ بين الأطراف الشيعية على السلطة، فقد شهدت الأيام الأخيرة عودة للتراشق بين الغريمين الصدر والمالكي على الفضائيات، حينما ذكر نوري المالكي بأنه لن يسمح لعودة “البطة” لترعب الناس وتتحكم بالمشهد الأمني، و”البطة” هي تسمية شعبية في العراق لنوع من السيارات كان يستخدمها عناصر مليشيا “جيش المهدي”، التابع للصدر، في جرائم الخطف والقتل خلال فترة الفتنة الطائفية في العراق عامي 2006 و2007، مما جعل وزير الصدر صالح محمد العراقي، يرد على المالكي بتغريدة قال فيها: “من الممكن القول إن البطة هي الحل الوحيد للفاسدين، ولمن باعوا ثلث العراق لداعش”، في إشارة إلى المالكي الذي يتهم بالتسبب في سقوط الموصل ومدن عراقية أخرى بيد تنظيم “داعش” الإرهابي منتصف عام 2014.
رسالة أخرى كان الصدر يبتغي إيصالها لمن وجه له الإهانة، علنا في الناصرية ومدن أخرى، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي إهانات له ولتياره مؤخرا، يبتغي منها إعادة هيبته وهيبة أتباعه، بعد أن وصلت إلى الحضيض، معتقدا أن باستعراض غلمانه في الشوارع وهم مدججون بالسلاح، سيبعث الرعب في شبابنا ويثنيهم عن توجيه الإهانة له ولأتباعه، وفي هذا الصدد قال المتحدث باسم مليشيا السرايا: “إن الرسالة قد وصلت”، وهو يقصد، أن رسالة التهديد الصدرية قد وصلت لثوار تشرين، وأنه عازم منذ الأن فصاعدا، على استخدام أساليب التصفية الجسدية ضدهم حتى أخر شاب منهم.

الكاظمي يرد على استعراضات الصدر العسكرية بتغريدات البلابل
رئيس الوزراء العراقي الكاظمي الذي عرف عنه أنه مدعوم من الصدر، يبدو أن الأخير قد رفسه وألقى به بعيدا، ورجع الصدر إلى أصوله المليشياوية القديمة، ليتصرف حسب قواعدها، ويترك الكاظمي حائرا غير قادر على فعل شيء يذكر أمام طعنة الظهر التي تلقاها من حليفه. ففي الوقت الذي كان يحتمي الكاظمي بالصدر ومليشياته من المليشيات الولائية التي تتحداه وتريد قطع أذنه، وجد أن مقتدى الصدر لا يختلف عنهم كثيرا ويتصرف مثلهم، ويقوم بنفس فعلهم الذي فعلوه قبل أيام حينما انتشرت مليشيا العصائب في شوارع بغداد.
وأقصى ما استطاع الكاظمي فعله هو القيام بالتغريد كالبلابل على انتشار الضباع المسلحة بشوارع بغداد، فقال: “لن نتنازل عن بناء الدولة وهيبتها، أنجزنا الكثير لحل الأزمات الأمنية والاقتصادية والصحية، الانتخابات استحقاق وطني يحتاج إلى التضامن السياسي والاجتماعي، البناء لا يتم بالتجاوز على الرموز والمقدسات الدينية والوطنية وضرب المؤسسات وقطع الطرق، بل بدعم الدولة، لن نتهاون مع المتجاوزين.”

موقف باقي الأحزاب والمليشيات من تحديات الصدر
كيف سيكون موقف باقي الأحزاب والمليشيات على الصدر وتحدياته العسكرية ورغبته بالاستئثار بالحكم بالقوة ورغما عن انوفهم؟ في الوقت الذي هي – الأحزاب – منهمكة في التحضير للانتخابات القادمة، من المؤكد إنها لن تبقى مكتوفة الايدي وهي ترى مقتدى الصدر يحاول انتزاع رئاسة الوزراء بالقوة وبانتخابات مزورة وعلى طريقة “الديمقراطية المليشياوية”، فهم جميعا لديهم مليشيات ولديهم السلاح والمال الذي يمكنهم أن يتصدوا للصدر وتياره.
لكن لنكن صرحاء، فالصدر وتياره وطيلة الثماني عشرة سنة، قد اكتسب خبرة وقوة ومكاسب، ليس من السهل انتزاعها منه، وسيدافع عنها بكل قوة، واليوم أصبحت طموحاته أكبر، وبدا له أن من الحكمة أن يأكل كعكة السلطة لوحده دون تقاسمها مع أحد من حلفائه القدماء أو الجدد، وهذا الطموح لا محالة سيجعله يتصادم مع باقي الأحزاب الشيعية، وسيدخل البلد في فوضى معارك بينية لا تحمد عقباها.
ورغم أن هذا النوع من التصادم كان يمكن أن يحدث في السنوات السابقة، لكن قاسم سليماني كان له الدور الحاسم في تسوية خلافاتهم، أما الآن فخليفة سليماني ليس بالحنكة والخبرة التي تمكنه لعب ذات الدور الذي لعبه سليماني بالسابق، وبالتالي فإن حصول صدام بين الصدر وباقي المليشيات أمر متوقع وبقوة خلال الأيام أو الأشهر القادمة.

تحالف العمامة وسلاح المليشيات
وفي خضم كل هذه الاحداث – التي لا تبشر بخير – نجد أن المرجع الديني الشيعي علي السيستاني – الذي طالما كان له الدور الحاسم في تأسيس الحكومات والدعوة للتصويت لهذا الحزب أو ذلك – صامت إلا فيما يخص المواضيع التي لا تخدم المتظاهرين ومطالبيهم، ومؤخرا وبعد أن انتشرت الدعوات القوية التي تدعو للعصيان المدني كسبيل للتصدي لهذا النظام ومليشياته قام بإصدار فتوى تحرّم التخلف عن الدوام الرسمي، أو الانقطاع عنه، وهو بذلك يدعو إلى عدم تفعيل العصيان المدني، اعترافا منه بأهمية العصيان المدني، كأحد أهم الأساليب التي يمكنها اسقاط حكم المليشيات.
إن على ثوار تشرين، أن يدركوا خطورة تحالف العمامة وسلاح المليشيات، ويعملوا على مواصلة ثورتهم وعصيانهم المدني، فهو السبيل الوحيد للخلاص من هذا النظام، ومن تحالف العمامة وسلاح الميلشيات المؤذي للعراق والعراقيين.
وما يدل على غض طرف المرجعيات عما تفعله المليشيات، هو بقاء المرجعية صامتة عما يفعله الصدر وميليشياته وكيف أنها تستهدف الناشطين والثائرين، فالصدر وهو في طريقه لانتزاع السلطة بالقوة، يجد أن ثوار تشرين، حجر العثرة الوحيد المتبقي أمام طموحاته، ويجب عليه إزالته، بالتخويف والقتل والاختطاف، ففي الأيام الأخيرة شهدت مدن الناصرية والكوت والبصرة، عمليات قتل واختطاف واعتداءات كثيرة ضد الناشطين، ففي هذا الشأن أكد ناشطون على أن مسلحين تابعين للسرايا قاموا بشن حملات دهم واعتقالات واعتداء على الناشطين، وعثر على الناشط رائد الدعمي مكبلا ومعصوب العينين في إحدى مقابر مدينة كربلاء، فيما ظهر الناشط أحمد الحلو في فيديو وهو يصف ما تعرض له من اعتداء بالضرب المبرح من مسلحين في مدينة النجف، موجها التهمة في ذلك لميليشيا السرايا الصدرية، كما تم قتل المتظاهر فؤاد الماجدي في مدينة الكوت بمحافظة واسط، وإمعانا منه في إرجاع رموز الطائفية، قام الصدر بتعيين حازم الاعرجي المعروف بالتحريض الطائفي لقتل البعثيين والسنَّة، كممثل له في البصرة، حتى يرضخ شبابها ويجعلهم طوع ما يريد.

كيف يتعامل شباب تشرين مع هذه الاحداث؟
إن من المهم أن يدرك شباب ثورة تشرين، أن ليس أمامهم سوى الاستمرار بثورتهم، وعدم الركون إلى أية وعود من الكاظمي أو من المليشيات، وأن قوتهم هي باستمرار ثورتهم، وبنفس الوقت، يجب عليهم التعامل بحذر مع تطورات الاحداث، فالأمور ربما هي ماضية إلى طريق التصادم بين المليشيات والأحزاب للاستئثار بالحكم، ومن أجل ذلك فهم يستخدمون السلاح، بينما شباب تشرين ليس لديهم سلاح سوى إيمانهم بهذا الوطن وقواه الفاعلة، فالمطلوب منهم اليوم هو التحشيد للعصيان المدني، لأنه الأسلوب الوحيد الذي يتجنب فيه الشباب المواجهة مع تلك المليشيات، والاكتفاء بالجلوس في البيوت مقاطعين مؤسسات الدولة، مع انتداب بعض الشباب منهم للعمل على قطع الطرق أمام تصدير النفط بواسطة الشاحنات، أو حث العاملين بالمجال النفطي على عدم الذهاب إلى أماكن عملهم، أو قطع الطريق عليهم، حتى لا تستعين المليشيات والنظام الحاكم بواردات النفط في اضطهادها لشعبنا، إن الاكتفاء بهذه الفعاليات في الوقت الحاضر ربما هو كاف في الوقت الحاضر، ريثما تنجلي الأحداث عن تطورات يمكن التفكير في حينها ما يجب على الشباب فعله، فلكل مقام مقال.


مقال خاص براسام