شاهو القره داغي
يؤكد السياسيون في العراق على أن الفساد أخطر من الإرهاب ، لأن انتشار الفساد يؤدي الى تغذية الإرهاب والتسهيل للعمليات الإرهابية. وإذا كان الإرهاب قد كلف العراق من 2014 إلى 2017 أكثر من 100 مليار دولار ، فإن تكلفة الفساد كانت اكبر وقد كلف العراق مئات المليارات من الدولارات ، مما أدى إلى تلكؤ المشاريع و تراجع الأداء و غياب البنى التحتية و فقدان الأمن و الإستقرار و انتشار المحسوبية و الفوضى في جميع دوائر الدولة .
وعلى الرغم من خطورة الفساد و دوره الكبير في تغذية الإرهاب، إلا ان السلطات الرئيسية و الأحزاب السياسية لم تبادر في إجراء إصلاحات جذرية حقيقية لاقتلاع الفساد ومحاسبة الفاسدين وإغلاق الباب أمام الإرهابيين الذين يلعبون بأرواح المواطنين و ينشرون الرعب و الدمار. وبعد وقوع أي حادث إرهابي ، يخرج القيادات السياسية لنشر عبارات الحزن و التنديد و التضامن مع الشعب، إضافة إلى بيانات أمنية تحاول طمأنة المواطنين وتؤكد على الحرص على سلامتهم و السهر لحمايتهم، دون أية محاسبة او مسائلة للمقصرين او المتواطئين مع الجريمة ، ما يهدد بتكرار الجريمة مراراً في أوقات وأماكن أخرى في ظل هذا التهاون و التقصير .
يوم الخميس الموافق 21 يناير عاد كابوس التفجيرات مرة أخرى إلى العراق، وخاصة في ساحة الطيران وسط العاصمة العراقية بغداد. حيث قتل 32 مدنياً على الأقل و أصيب أكثر من 110 آخرين في تفجيرين انتحاريين بحزامين ناسفين في سوق للملابس المستعملة ، في مكان يجتمع فيه الفقراء للعمل و التسويق لبضاعتهم المتواضعة بحثاً عن لقمة العيش .
وعلى الرغم من إعلان العراق هزيمة تنظيم داعش في نهاية عام 2017 بالتعاون مع التحالف الدولي ، إلا ان التنظيم الإرهابي قد تبنى العملية في بيان منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يؤكد فيه مسؤوليته عن الهجوم
ويعتبر التفجير هو الأكثر دموية منذ تفجيرات يناير 2018 ، والذي راح ضحيته أكثر من 30 شخص في السوق نفسه، وكانت بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية .
وبادر رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي بإجراء سلسلة تغييرات في صفوف الأجهزة الأمنية و الاستخبارية على خلفية الهجومين الانتحاريين في إجراء مشابه للحكومات السابقة التي كانت تعلن عن اقالات لقيادات أمنية او نقلهم او إبعادهم دون محاسبة جدية للمقصرين.
هناك مقولة مشهورة للكاتب جورج اورويل يقول فيها : ” السياسيون في العالم كالقرود في الغابة إذا تشاجروا أفسدوا الزرع وإذا تصالحوا أكلوا المحصول ” ، والعراقيون مع هذه الحوادث يكررون هذه المقولة ولكن بصورة أخرى “إذا اتفقوا سرقونا، واذا اختلفوا قتلونا” ، وخاصة أن هذه التفجيرات تتصاعد في ظل الازمات السياسية او مع أوقات الانتخابات و يتم استغلالها من قبل الأطراف السياسية لغرض التحشيد و التخويف و الترهيب و إعادة الشعب الى التخندقات الطائفية والمذهبية تمهيداً للانتخابات .
وكما كان متوقعاً فإن الكثير من المنصات الإعلامية التابعة للميليشيات الموالية لإيران بدأت بنشر خطاب الكراهية و محاولة خلق فتنة طائفية و استغلال التفجير لإرسال رسائل عديدة للمواطنين لإشغالهم بالصراعات الطائفية مجدداً وتقسيم واضعاف الشعب و إنهاء مخاطر اندلاع التظاهرات و الحراك الشعبي مجدداً.
انتشار الفساد داخل الأجهزة الأمنية و العسكرية و الاستخباراتية من ابرز أسباب هذه الحوادث و الاختراقات الأمنية. فالعراق بحاجة إلى أجهزة أمنية قوية و محايدة و تطبق القانون على الجميع ولا تخاف من الميليشيات ولا تسمح للإرهابيين بالقيام بنشاطاتهم الاجرامية. لكنه من المؤسف أن تكون الميليشيات قادرة على صنع القنابل و العبوات الناسفة و نقلها بعرباتها بحرية في شوارع بغداد و زرعها أو إلقائها على المحلات و المراكز دون أن يكون هناك أي دور للقوات الأمنية لعرقلة هذه العمليات. ومن هنا يزيد الشكوك حول دور الأجهزة الأمنية التي تحتل المراتب المتقدمة في تخصيصات الموازنة في كل عام بينما أداؤها على أرض الواقع لا يتوافق مع حجم الإنفاق المالي عليها ، ما يعني وجود فساد كبير يعرقل عمل هذه الأجهزة .
من يتحمل المسؤولية ؟
على الرغم من تعهدات رئيس الوزراء الكاظمي بعدم السماح بتكرار هذه الهجمات و التصريحات النارية من القيادات الأمنية والسياسية ، إلا أن المواطن ينظر إلى هذه التصريحات بنظرة شك و قلق، وخاصة إن القوات الأمنية فشلت حتى الآن في القبض على مرتكبي الكثير من الجرائم بحق المتظاهرين و المواطنين المسالمين. إضافة الى فشل هذه الأجهزة عن ملاحقة خلايا الكاتيوشا و الجماعات الإرهابية التي تطلق الصواريخ العشوائية على المؤسسات الرسمية. وبالتالي من الصعب أن تنجح الحكومة في تنفيذ هذه التعهدات وهي فشلت في تحويل وعودها إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع في باقي الملفات الأمنية .
الفساد و الإرهاب و التقصير الأمني و انتشار الميليشيات جميعها أسباب تؤدي الى حدوث اختراقات أمنية من قبل التنظيمات الإرهابية و حصول تفجيرات انتحارية. وهناك العديد من الأسئلة و الاستفسارات التي ستبقى دون جواب حول توقيت هذا الهجوم الانتحاري المزدوج و كيفية نجاحهم في الوصول إلى هذه المنطقة بسبب غياب التحقيق الجدي في الانفجار و كشف النتائج للرأي العام. بل كما هو معروف سيتم إنهاء القضية عن طريق البيانات و الإدانات و إشغال الرأي العام و توجيهه نحو قضايا أخرى و استغلال التفجير سياسياً من قبل الأحزاب و الميليشيات التي تستعد لخوض الإنتخابات القادمة.
مقال خاص براسام

