الباحث : حسين صالح السبعاوي
أجريت الإنتخابات الأمريكية في ٣ تشرين الثاني وبغض النظرعن إرهاصات الإنتخابات وماشابها من خلافات وشبهات في طريقة أدائها لكن في نهاية المطاف أعلنت وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية فوز المرشح الديمقراطي جو بايدن على منافسة الرئيس دونالد ترامب .
إن سبب متابعة العالم العربي للانتخابات الأمريكية هو بسبب تأثير نتائجها علينا نحن العرب وخاصة في العراق لأن للرئيس الأمريكي سلطة ونفوذ على النظام العربي أكبر من نفوذه على الشعب الأمريكي نفسه ففي أمريكا مؤسسات وفصل حقيقي للسلطات مما يجعلها تحد من سلطات وصلاحيات الرئيس أما عندنا فنظامنا يوالي من يوالي الرئيس ويعادي من يعادي الرئيس الأمريكي…
يرى البعض بأنه لن يكون هناك تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق وهذا القول لا يمكن قبوله بالعموم إلا في بعض الاستثناءات كما إن الرئيس في أمريكا هو ليس سلطة تشريفية أو ملكية دستورية بل هو سلطة تنفيذية وله صلاحيات وسلطات حددها الدستور الأمريكي لأن النظام فيها نظام رئاسي، لكن على المستوى الإستراتيجي نعم هناك توافق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي وجميع المؤسسات الأمريكية كلها متفقة على تدمير العراق ودعم العملية السياسية التي جاءوا بها بعد احتلالهم العراق سنة ٢٠٠٣.
لكن علينا أن نعلم بأن السياسات تتغير والخطط تتبدل بما فيها الخطط الاستراتيجية لأن من يضع الخطط عادة ما يضع الخطة البديلة لها، كذلك يجعلها مرنة قابلة للتعديل إذا ما واجهت خطته تحديات وعوائق، أيضاً سياسة الحزبين وطريقة إدارتهم مختلفة عن بعض فلكل حزب طريقته في التعامل مع مناطق النفوذ بدليل أن سياسة ترامب مختلفة عن سياسة سلفه أوباما فكذلك ستكون سياسة بايدن مختلفة عن سلفه وهكذا…
اذاً لا بد أن نستشرف مستقبل العلاقة ما بين العراق وأمريكا في عهد بايدن مستقبلا آخذين بنظر الإعتبار سياسة من كان قبله من الديمقراطيين وهو الرئيس الأسبق أوباما مع عدم تجاهل الدور الإيراني صاحب أكبر نفوذ في العراق، وقد لا حظنا هناك فرح وبهجة لدى المسؤولين الإيرانيين وحلفائهم بفوز بايدن في الإنتخابات لأنهم يعتقدون أنه سيكون امتداد لسياسة الرئيس أوباما في تعامله مع العراق ومعهم على وجه الخصوص علماً أن بايدن كان نائباً للرئيس في تلك الفترة فمن الممكن العودة إلى الإتفاق النووي الذي أبرم معهم ومع بقية مجموعة ٥+١ والذي انسحب منه ترامب بعد تسلمه الرئاسة عام ٢٠١٦ وفرض عدة عقوبات على إيران أدت الى إنهاكها اقتصادياً …
تعتقد إيران أن بمجيء جو بايدن إلى السلطة في أمريكا سوف تتنفس الصعداء ويتحسن اقتصادها ويقوى نفوذها في العراق وفي المنطقة مقابل التنازل عن السلاح النووي وتحويله إلى برنامج نووي سلمي، لكن هذا ليست نهاية المطاف لأن بايدن الرئيس ليس بايدن نائب الرئيس وأنه صاحب مشروع التقسيم في العراق من خلال الفدرالية ومن ثم تطويرها إلى كونفدرالية وهذا لا يخدم إيران الآن بعد هيمنتها على العراق، كما إن لبايدن تحديات أخرى داخلية وهي الانقسام الحاد في الشعب الأمريكي ومن الصعب على بايدن الكاثوليكي أن يوحد شعب منقسم على أساس عرقي ومذهبي ولا يستبعد أن يكون مصيره كمصير الرئيس الأسبق جون كينيدي … وتحدي خارجي الصين التي أصبحت أكبرتحدي لأمريكا مستغلة الخلاف الأمريكي مع أوروبا وخاصة مع فرنسا التي لها مواقف سلبية من حلف الناتو وترغب بتفكيكه ولأمريكا مشاكل أخرى مع بقية حلفائها مثل تركيا وبعض الدول العربية وحتى في أمريكا اللاتينية مثل المكسيك وفنزويلا فهي ليست متفرغة للمطالب الإيرانية والأهم من كل هذا هو رفض الشعب العراقي للهيمنة الإيرانية عليه وخاصة في مناطق الوسط والجنوب التي كانت تعتبرها إيران عمقها الاستراتيجي وحاضنتها لمشروع ولاية الفقيه على خلاف فترة حكم أوباما الممتدة من ٢٠١٢ إلى ٢٠١٦ كان الرفض لإيران محصورفي المناطق الغربية والموصل وبعبارة أدق كان الرفض من قبل العرب السنة وقلة في المناطق الجنوبية أما الآن فالأمر مختلف وليس من السهولة أن تأخذ إيران تفويضاً من بايدن بالهيمنة الكاملة على العراق حتى لو تعهدت بالحفاظ على المصالح الأمريكية علماً أن موقف العرب السنة اليوم من الأمريكان هو غير موقفهم سنة ٢٠٠٣ عندما كانوا قوة إحتلال .
نعتقد أن سياسة الديمقراطيين هي أكثر برغماتية من سياسة الجمهوريين وأكثرها مرونة وأقلها حدية، كما إن إيران وحلفاءها متشبثين بالعراق إلى آخر نفس ويمكن أن يقدموا تنازلات كثيرة من أجل بقاء هيمنتهم كما إن العراقيين مستعدين لتقديم التضحيات من أجل الخلاص من إيران وحلفائها وأمام هذه المعادلة الثلاثية يكون الفوز لمن يمتلك الصبر والقدرة على التفاوض ومستعد للتضحيات حتى ينال مراده لكن لا طريق أمام العراقيين إلا الرفض للمشروع الإيراني والضغط على الجانب الأمريكي للقبول بخيارهم وقادم الأيام تنبئنا بما هو آت .
ومهما بلغت أمريكا وإيران من دهاء وخبث ومهما أتقنت التخطيط والمكر فإن إرادة الله فوق كل إرادة وقدر الله نافذ لا محالة وعلى العراقيين أن يكونوا أصحاب عزيمة وإرادة قوية فإن إرادة الشعوب لا تقهر وتأتي بعد إرادة الله تعالى والمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف …
(ومكر أولئك هو يبور )
( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون )
مقال خاص براسام

