أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
الصحافة العراقية أواخر العهد العثماني واهتماماتها الاقتصادية
الرسوم والضرائب:
تطرقت الصحافة العراقية إلى الرسوم والضرائب أواخر العهد العثماني٬ فقد تطرقت جريدة (زوراء) في صفحاتها إلى الرسوم الكمركية المفروضة على البضائع الواردة إلى العراق عن طريق البصرة٬ حيث كانت الدولة العثمانية تفرض ٨٪ على قيمة البضائع الواردة إلى الدولة العثمانية منذ عام ١٨٦١م عندما عقدت معاهدة التجارة والملاحة بين الدولة العثمانية وبريطانيا٬ فبالنسبة لرسوم الترانسيت كانت ١٪ ولكن عند دخول البضائع المراد إرسالها إلى إيران عن طريق العراق كان عليها أن تدفع رسما كمركيا قدره ٨٪ على أن تستعيد الفرق وهو ٧٪ من قيمة البضاعة في خانقين قرب الحدود الإيرانية عندما يتم التأكد من تصديرها خلال فترة لا تزيد على ستة أشهر٬ أما صدرت عن طريق طرابزون فيعاد الرسم الكمركي كله لان ذلك الطريق كان معفي من رسم الترانسيت٬ أما السلع الأجنبية التي لها ما يماثلها في العراق فلابد من ايداعها في دوائر الكمرك فيها إذا كان التاجر يرغب في تصديرها ثانية إلى البلاد الأخرى وإن لم يفعل ذلك فعليه دفع الرسم الكمركي كاملا أي ٨٪ كما لا يحق له استرداد الـ (٧٪) مرة أخرى عند الحدود.
كما أشارت جريدة زوراء بعددها الصادر في كانون الأول ١٨٨٠م إلى رسوم الجسور التي كانت تمنح بالالتزام٬ وكان الملتزمون يسيئون كثيرا من جبايتهم ويتجاوزون حدود امتيازاتهم ففي العمارة مثلا كانت على الباخرة أو السفينة أن تدفع عشرين قرشاً والجنبية (الدوبة) عشرة قروش باسم رسم المرور عبر الجسر.
ونشرت جريدة (زوراء) بعددها الصادر في أيار ١٨٦٨م الضرائب المفروضة على المحاصيل الزراعية ومنها القطن٬ إذ كانت الدولة ترغب زيادة محصول القطن٬ فكانت تفرض على محصول القطن العشر فقط٬ وأوضحت (زوراء) ان رسوم الأغنام (الكودة) صارت تؤخذ في عام ١٨٧٤م بحساب مئة بارة على كل رأس من الغنم أي قرشان ونصف القرش.
في حين أشارت جريدة (البصرة) بعددها الصادر في حزيران ١٨٨٦م٬ إلى دائرة كمرك في البصرة بانها كانت تتقاضى رسوما مختلفة سواء الرسوم الكمركية أو الأرضية أو الحمالية وغيرها بموجب تعريفات خاصة٬ ويتم الدفع بالليرة العثمانية الذهبية وأحيانا بالمجيدي الفضي والباون الإنكليزي الذهبي والنقد الألماني الذهبي٬ مع الأخذ بنظر الاعتبار فروقات العملة بموجب تقديرات دار الكمرك٬ ولا تسلم البضائع إلى أصحابها مالم تؤخذ رسومها.
الغلاء:
تناولت (جريدة زوراء) بعددها الصادر في ٢٦ حزيران ١٨٧٢م٬ مسألة الغلاء ورأت أن توسع المدن العراقية واستمرار حاجة الأسواق المحلية إلى البضائع الأجنبية الحديثة٬ رفعت الأسعار في الأسواق وهذه الزيادة مثلت تعقيدات اقتصادية على فقراء المدن والفلاحين المعدمين كانوا في غنى عنها. كما أشارت الجريدة إلى زيادة حالات التسول بسبب ظاهرة الغلاء.
وأوضحت كذلك أن محصولي القمح والشعير شحّا في الأسواق في شهر تشرين الأول ١٨٨٦م وارتفعت أسعارهما بسبب استمرار موجات الجراد خلال عامي ١٨٨٥ و ١٨٨٦م٬ لذا عمدت الحكومة إلى الغاء الرسوم الكمركية المفروضة على استيراد القمح من الخارج بغية توفيره للمواطنين خوفا من الغلاء المتزايد والمجاعة. وأشارت جريدة البصرة إلى أن الحكومة المحلية في البصرة لم يعد بمقدورها الحصول على مقدار (١٢٥) طن من القمح لغرض إرساله إلى الحجاج لتلبية متطلبات الحجاج بسبب تضرر المحاصيل بفضل الشتاء الجاف والقارص البارد الذي ساد العراق عام ١٨٩٨م وأدى إلى ارتفاع الأسعار٬ فأعلنت الحكومة مناقصة لاستيراده من الهند وتعهدت باعفاء الصفقة من الرسوم الكمركية ووافقت على شرائه بسعر (١١) باوناً للطن الواحد.
أما مجلة (لغة العرب) فقد أشارت بعددها الصادر في نيسان ١٩١٣م٬ إلى ارتفاع أسعار الأطعمة والمواد الغذائية في شهر كانون الثاني ١٩١٣م بسبب تصديرها إلى خارج البلاد من قبل التجار٬ إذ كانت وزنة الحنطة في عام ١٩١٢م بمائة قرش صاغ (صحيح) وهذه السنة بمائة وخمسين قرش صاغ٬ إضافة إلى بقية الحبوب كالأرز والشعير٬ وأشارت المجلة إلى معاناة الفقراء اللذين يتضرعون جوعا بسبب حالة الأسعار المرتفعة.
كما تقدم مجلة بلدية بغداد طلبا في ١٨ كانون الثاني ١٩١٣م إلى مجلس الولاية لمنع تصدير التمور خارج ولاية بغداد حفاظا على حياة الناس خاصة الفقراء منهم ووافق المجلس على ذلك٬ كما أشارت المجلة ذاتها في عددها الصادر في تموز ١٩١٣م إلى أن الحكومة المحلية أصدرت قرارا بتنزيل الأسعار رفقا بالسكان ولاسيما الفقراء٬ فأنذرت الحكومة أصحاب المخازن في ٢٥ آذار ١٩١٣م ببيع الحقة بخمسة قروش صحيحة بعد أن كانت ثمانية قروش.
وتساءلت المجلة عن استمرار الحكومة في مراقبة هذه الحالة إلى حين استيراد الحبوب أم ستتراجع عن مراقبة حالة الغلاء. كما أشارت المجلة إلى ارتفاع السمن في ولاية بغداد في شهر حزيران ١٩١٣م بسبب احتكاره من قبل بعض التجار ودفع ثمنه في الأسواق٬ وطالبت المجلة من البلدية أن تضرب على أيدي هؤلاء (الجناة) كما وصفتهم المجلة٬ وارجاع أسعار السمن إلى ما كانت عليه قبل ذلك٬ فضلاً عن انتشار الجراد في بغداد في شهر حزيران ١٩١٣م٬ وأحدث ضرراً بالمزروعات وأشجار النخيل وتسبب في ارتفاع الأسعار من جديد٬ وأشارت (لغة العرب) إلى أن موجة الجراد جاءت من منطقة (نصيبين) بعد أن أضرت بمزروعاتها.
الصناعة والمعادن:
أولت جريدة (زوراء) بعددها الصادر في أيار ١٨٧١م٬ بالصناعة وأوضحت ان (مدحت باشا) اعتنى بتوسيع صناعة المنسوجات وأمر باستيراد مكائن للغزل والنسيج الصوفي من خارج البلد وبقوة سبعين حصاناً٬ وكانت صناعة النسيج في العراق تشكل أهم الصناعات العراقية٬ إذ تفوقت الموصل عن بقية المدن العراقية في صناعة المنسوجات القطنية والصوفية٬ وكانت تنافس في جودتها المنسوجات التي تستورد من أوربا فضلا عن رخص أسعارها.
وبينت جريدة (زوراء) تزايد أعداد الجيش واحتياجاته في عهد مدحت باشا إذ بلغ عددهم سبعة آلاف جندي وبسبب القرعة والمتطوعين تجاوز عدده اثني عشر ألفاً٬ فعمد (مدحت باشا) إلى تأسيس معمل النسيج٬ وكان ينتج يومياً (٣٠٠) متر من الأقمشة الصوفية (الجوخ) و (٤٠٠) متر من القماش القطني السميك ويسمى المعمل بــ (العباخانة)٬ كما جلب (مدحت باشا) معامل للطحين من فرنسا بقوة (٧٠) حصان بقيمة ألفي ليرة عثمانية.
ونشرت جريدة (زوراء) بعددها الصادر في تشرين الثاني ١٨٧٢م٬ مقالاً أوضحت فيه أن الصناعة الوطنية للأقمشة بدأت تتعرض منذ بداية سبعينات القرن التاسع عشر إلى منافسة الأقمشة المستوردة وأخذت تهددها بالزوال٬ وعبرت (زوراء) عن ذلك بقولها: “… إن الثوب من القماش (الألباني) نوع من الأقمشة الهندية البريطانية يكلف باونا وسبعة شلنات في حين ان الثوب من القماش المحلي لا يكلف سوى ثلاثة عشر شلنا ولكن رغم ذلك بدأ الناس يميلون إلى الأقمشة المستوردة رغم أقمشتنا الوطنية أكثر متانة …”.
وتطرقت جريدة (زوراء) بعددها في كانون الأول ١٨٧٢م٬ إلى مسألة عدم اتخاذ أية خطوة في العراق للاستفادة من خامات الصوف٬ ونبهت (زوراء) على ضرورة الإصلاح٬ إذ كان يباع الصوف بأسعار بخسة إلى المصدرين الأجانب وطالبت زوراء بفتح الطرق وتشييد المخازن وتطوير المصانع للاستفادة من المنتجات والخامات المحلية الموجودة في البلد على غرار ما تفعله البلدان الأوربية.
أما جريدة النجاح فقد أشارت إلى الحاجة لتأسيس مدرسة للصنائع ونشرت مقال بعنوان (مزايا الصناعة) أكدت على أهمية مواكبة العصر وشجعت الأهالي على الحاق أبنائهم بالمدارس٬ وجاء في المقال: “… فالعصر عصر العلم٬ عصر النور والكهرباء٬ عصر تنقرض فيه الأمة العاطلة وتحيا فيه الأمة العاملة”، جاء فيه أيضاً: “إن خير كسب الرجل الكسب من الصناعة والزراعة لا من التجارة والإمارة … فالصناعة لا تخل بالمجد الأثيل والشرف الرفيع … فالمأمول من أهل الحل والعقد أن يبذلوا الجهد في تأسيس مكتب للصنائع”.
أما مجلة لغة العرب أشارت في عددها الصادر في حزيران ١٩١٢م٬ إلى قيام والي بغداد (جمال بك) بإقامة معرض صناعي زراعي يعرض فيه كل ما هو من نتاج هذين السببين من أسباب النجاح والفلاح٬ وألفت لجنة لهذا الغرض من ذوي الهمة المعروفة ومنهم (لطفي بك) و (وجيه بك) مدير الزراعة وغيرهم٬ ورأت المجلة أن هذا المعرض يؤدي إلى رقي البلاد وسعادته.
أما فيما يتعلق بالمعادن أشارت جريدة (زوراء) في أيار ١٨٧١م٬ إلى محاولة السلطات العثمانية في العراق في بداية سبعينات القرن التاسع عشر التحري عن الفحم الحجري ووجدت كميات منه قرب زاخو٬ واستعد لأجل ذلك بعض المهندسين غير أنه وجد بكميات قليلة تكاد لا تكفي لسد النفقات ورغم ذلك أهابت السلطة بالتجار اللذين لهم مصلحة في تسهيل النقل للتبرع بالبغال لنقل الفحم لأغراض استهلاك البواخر وتم جمع ما يقارب (١٤٠) بغل٬ إلا ان المشروع فشل في النهاية بسبب صعوبة المواصلات.
كما اهتم الوالي (مدحت باشا) بالتنقيب عن المعادن لا سيما بعد تطور وسائل النقل البحرية وظهور الحاجة إلى مواد الطاقة٬ فأرسل (مدحت باشا) هيئة فنية للتنقيب عن الفحم تمكنت من استخراج خمسة أطنان من الفحم٬ وفي عام ١٨٧٠م جرى التنقيب عن البترول وثبتت وجود كميات منه في منطقة خانقين وتم استخراج مقدار ألفين حقة في كل أسبوع واستخدمته في اضاءة مدينة بغداد٬ وتقرر في العام التالي بيع الفائض من الإنتاج إلى المواطنين بقيمة خمسة قروش للحقة الواحدة فضلا عن تصدير الفائض إلى الخارج بعد زيادة الإنتاج.
وأشارت مجلة لغة العرب بعددها الصادر في حزيران ١٩١٢م٬ إلى نفط عبادان إذ رست في موقع عبادان الباخرة (سلطان وان كويتي Sultan van koeti) في شهر أيار ١٩١٢ وشحنت ثلاثة آلاف طن في يوم واحد واتجهت إلى جاوة (جزيرة في اندونيسيا)٬ كما شحنت الباخرة (منلا Minlla) في نفس الشهر ألف طن من النفط ونقلت إلى الهند٬ ثم أقبلت بعدها الباخرة (جلنار التابعة لشركة لنج ونقلت (١٠٧) برميل كبير من النفط٬ كما أشارت (لغة العرب) إلى أن موقع عبادان وما فيه من الأبنية والأدوات والآلات والمعدات والسفن لاستخراج النفط.
أما مجلة (إكليل الورد) وهي مجلة دينية وهي أول مجلة تصدر في العراق٬ التي صدر عددها الأول في كانون الأول ١٩٠٢م٬ وهي مجلة دينية أدبية علمية شهرية أصحاب الامتياز الإباء الدومنيكان وصدرت بثلاث لغات (عربي – فرنسي – كلداني) نشرت احصائيات عن انتاج النفط وأهميته ففي عددها الصادر في كانون الأول ١٩٠٧م نشرت مقالا بعنوان “البترول: كم طنا من البترول كان يستخرج كل سنة منذ نصف قرن!” جاء فيه: “في سنة ١٨٥٧م بلغت الكمية المستخرجة (٢٥٧) طنا٬ وبعد ذلك بعشر سنوات أي في ١٨٦٧م بلغ البترول المستخرج في العالم (٤٣٥٦٧٦) طنا”.
وفي سنة ١٨٧٧م استخرج مقدار (١٧٨٨١١٩) طنا٬ وفي ١٩٠٦م استخرج (٢٨٠٧٦٢٩٧) طنا٬ ولولا حوادث روسيا ثورة (١٩٠٥)م ليبلغ مجموع البترول المستخرج من الأرض ما يربو على ٣٠ ألف طن”.
وخاتمة القول: إن الصحافة العراقية أولت اهتماما وأعطت آرائها وبينت مواقفها في تقييم الحالة الاقتصادية في العراق٬ وتنبه المسؤولين على مواطن الخلل لمعالجتها٬ كما عكست حالة المواطن الاقتصادية ومعاناته جراء ارتفاع الأسعار وقلة المواد الغذائية وتخلف الأساليب المتبعة في الزراعة واقتصار الصناعة على المهن والحرف اليدوية مقابل تطور الصناعات الاوربية التي غزت أسواق العراق المحلية كما عكست الصحف تراجع الاعمال التجارية والصناعية والملاحية في العراق أمام الشركات الأوربية المتطورة.
إن الرغبات الفردية ذات التوجه البرجوازي والتي عملت على تطوير القطاع الصناعي إبان الاحتلال البريطاني وتطبيق الانتداب (١٩١٤ – ١٩٢٠م) دفعت بريطانيا لتبني سياسة مزدوجة يتجه محورها الأول نحو دعم شيوخ العشائر والملاكين بغية الاعتماد عليهم في تسيير أمور الحكم٬ في حين اتجه المحور الثاني نحو تنمية فئات اقتصادية داخل المجتمع العراقي والارتكاز عليها وهو ما يطلق عليه (البرجوازية الكومبرادورية)، الذي سنتحدث عنها في الحلقة القادمة.
المصادر المعتمدة:
– محمد عصفور سليمان: العراق في عهد مدحت باشا (١٨٦٩ – ١٨٧٢م) رسالة ماجستير (كلية الاداب٬ جامعة بغداد٬ ١٩٨٩م).
– حسين محمد القهواتي٬ دور البصرة التجاري في الخليج العربي ١٨٦٩ – ١٩١٤م٬ مطبعة الارشاد (بغداد٬ ١٩٨٠م).
– إبراهيم خليل أحمد٬ نشأة الصحافة العربية في الموصل٬ (الموصل٬ ١٩٨٢م).
– عباس ياسر الزيدي٬ تاريخ الصحافة العراقية منذ نشأتها حتى سنة ١٩٣٦م٬ أطروحة دكتوراه٬ كلية الآداب٬ جامعة عين شمس ١٩٧٥م.
مقال خاص براسام

