الباحث: حسين صالح السبعاوي
إن من أهم مبادئ وأهداف الأمم المتحدة هو تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء، فعلى هذه المبادئ تأسست الأمم المتحدة!
لكن هذه المبادئ والأهداف بقيت حبراً على ورق خاصة في المنطقة العربية والإسلامية بسبب هيمنة الدول الكبرى على هذه المؤسسة الدولية تحت مسمى “أعضاء دائميين” وبالأخص الولايات المتحدة الأمريكية، فالذي تعجز عن فعله الولايات المتحدة تقوم به الأمم المتحدة حتى أصبح دورها مكملا لها، فمثلا لا يوجد دور للأمم المتحدة في أفريقيا، والسبب لأن الأخيرة ضمن الهيمنة الفرنسية، كما لا يوجد دور للأمم المتحدة في تركستان لأنها ضمن النفوذ الصيني، وكذلك ليس للأمم المتحدة دور في العراق لأنه ضمن النفوذ الأمريكي وهكذا النفوذ الروسي والبريطاني أينما كان فلا يكون للأمم المتحدة أي دور أو تكون غائبة تماما.
وهنا أريد أن آخذ ثلاث مناطق حدثت فيها صراعات وحروب وكيف تعاملت الأمم المتحدة من خلال ممثلي الأمين العام مع شعوب هذه المناطق وكيف انحازت لقوى الإحتلال والأنظمة الوظيفية التي عينها الاحتلال نفسه:
أولا: العراق:
يعاني العراق من احتلالين أمريكي وإيراني منذ عام ٢٠٠٣ وإلى الآن، وبسبب هذا الاحتلال قتل مئات الآلاف من الأبرياء ودمرت عشرات المدن وهجر الملايين إضافة لعشرات آلاف من المعتقلين والمخفيين قسريا، وكذلك دمر الاقتصاد العراقي ودمرت بنيته التحتية، فماذا كان دور الأمم المتحدة أمام هذه الكارثة التي حلت في العراق يا ترى؟ كان دورها منحازا بالكامل لأمريكا وإيران وحلفائهم في الداخل، وليس التقرير الأخير الذي قدمته ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة “جينين بلاسخارت” في ٢ شباط من هذا العام إلا دليل واحدا لهذا الانحياز، فقد أشادت بلاسخارت في التقرير بحكومة الاحتلال رغم كل ما يعانيه الشعب العراقي، كذلك لم تتطرق في تقريرها الأخير ولا في تقاريرها السابقة عن أي إدانة ضد أمريكا أو ضد إيران كونهما المسؤولين عن جميع ما تعرض له الشعب العراقي من انتهاكات منذ ٢٠٠٣ وإلى الآن، ولم تتطرق ممثلة الأمين العام للمعتقلين من ضحايا المخبر السري، ولم تتطرق إلى معاناة المهجرين والنازحين من جرف الصخر وغيرها من المدن العراقية، وهناك الكثير من الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب العراقي كلها غابت عن تقريرها. أليس هذا هو التخادم الحاصل بين قوى الإحتلال والأمم المتحدة؟
ثانيا: اليمن:
منذ عام ٢٠١٤ يعاني اليمن من انقلاب جماعة الحوثي المرتبط بإيران ضد السلطة الشرعية في البلاد، وقد دفعت اليمن ثمناً غالية بسبب هذا الانقلاب، حيث هناك آلاف الضحايا وملايين المهجرين، وقد دمرت البنى التحتية بسبب هذا الانقلاب، وكالعادة عيّن الأمين العام للأمم المتحدة عدة ممثلين له في اليمن كان آخرهم “ديفيد غريسلي” من الولايات المتحدة منسقاً للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي يساوي في تعامله بين الجلاد والضحية، وبين الشرعية والانقلاب، وبين الدولة والمتمردين، وبهذا التعامل قد ضرب بعرض الحائط جميع الأهداف والمبادئ التي تأسست عليها الأمم المتحدة، بل أحيانا ينحاز للمتمردين الحوثيين ضد السلطة الشرعية، وكلما تحققت انتصارات للجيش الوطني اليمني ضد عصابات الحوثي بدأ صراخ ممثل الأمين العام عن حقوق الإنسان، ووجوب وقف العمليات العسكرية، ولكن عندما يكون العكس تجد ممثل الأمين العام يبلع لسانه ولا ينطق ببنت شفة، وهكذا تعامله مع كافة الانتهاكات التي مارستها عصابات الحوثي المدعومة من إيران، والآن بفضل الأمم المتحدة أصبح الحوثي يسيطر على العاصمة صنعاء ومدن الشمال اليمني وحصل على الشرعية في انقلابه على السلطة وأصبح طرفا سياسيا يراد له السيطرة على كامل اليمن، كل هذا بسبب التخادم بين الأمم المتحدة من جهة وأمريكا وبريطانيا من جهة أخرى حيث وقفوا بجانب الحوثي ضد اليمن.
ثالثا: سوريا:
يعاني الشعب السوري من نظام قمعي طائفي منذ عام ١٩٧٠ إلى الآن وقد ارتكب هذا النظام عدة مجازر ضد السوريين ونكّل بهم ومارس ضدهم جميع أنواع الإنتهاكات حتى ثار الشعب بأكمله عام ٢٠١١ ضده، وهنا أيضا كان للأمم المتحدة والمجتمع الدولي موقف منحاز بالكامل لصالح النظام الذي استدعى قوى الاحتلال الروسي والإيراني لقمع الشعب السوري وتدمير المدن السورية وتهجير السكان.
منذ عام ٢٠١١ عيّن الأمين العام عدة ممثلين له كان آخرهم “مارتن غريفيت” الذي أصبح انحيازه للنظام السوري ضد الشعب واضحا لا يخفى على أحد، حاله حال من كان قبله مثل النرويجي “غير بيدرسون” وقبله “ستيفان دي مستورا” الذين سكتوا عن جرائم النظام الذي استخدام السلاح الكيماوي في مدينة الغوطة قرب العاصمة دمشق ضد الشعب، واستخدم البراميل المتفجرة التي دمرت المدن السورية على رؤوس ساكنيها في حلب وحمص وغيرها من المدن، ولو لم يكن هناك تخادم بين النظام وممثلي الأمين العام لما تجرأ على هذه الانتهاكات ضد الشعب السوري.
وآخر ما تعرض له هذا الشعب هو الزلزال الذي ضرب الشمال السوري في ٦ شباط الجاري، فكان موقف الأمم المتحدة متخاذلا أيضا ولم يختلف عن موقف النظام السوري في المناطق التي تعرضت للزلزال، حيث تم ترك الناس تحت الأنقاض لمدة 5 أيام ولم تدخل إليهم فرق الانقاذ ولا المساعدات الدولية، لأنهم يدركون بأن 5 أيام كافية لموت من هم تحت الأنقاض، وبعدها بدأ النظام يسرق المساعدات التي أرسلت للمنكوبين وبعلم الأمم المتحدة. بل بدأت الأمم المتحدة تطالب بل تساوم المعارضة السورية بالتطبيع مع النظام مقابل تقديم المساعدات.
إن الأمم المتحدة قد تخلت عن مهمتها الحقيقية التي تأسست من أجلها بعد الحرب العالمية الثانية وأصبحت مهمتها مسح أو غسل جرائم الدول الاستعمارية وأنظمتها الوظيفية ضد الشعوب العربية والإسلامية، وأصبحت طرفاً في النزاع ضد الشعوب المظلومة، ولم تعد طرفا في حل المسائل الدولية وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية العامة وللناس جميعا، وفقدت مصداقيتها كمنظمة دولية ترفض التمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين.
من خلال ما ذكر في أعلاه نستنتج ما يلي :
١- أن إيران حاضرة في جميع هذه الدول التي تعاني من الصراعات والحروب وأنها مخلب تستخدمها الدول الكبرى في تدمير المنطقة وتمزيقها خدمة لمصالحها.
٢- جميع ممثلي الأمين العام للأمم المتحدة لا يمارسون سياسة هذه المؤسسة، بمعنى ما يقوم به ممثليها في الدول التي تعاني من صراعات وكوارث ليس حالة فردية تنتهي بتغيير المسؤول، بدليل أنه لم يحدث أي تغيير على الأرض عندما يتغير أي مسؤول تابع للمنظمة.
٣- أصبح وجود الأمم المتحدة في تلك الدول عبئا على الشعوب التي تعاني من صراعات وانتهاكات، لأنها تقوم بتخدير الحركات التحررية والثورية وتسحب البساط من تحت أقدامها من خلال تقديم وعود كاذبة لا يتحقق منها شيء على الأرض.
مقال خاص براسام

