الباحث: حسين صالح السبعاوي
غسيل الأموال هو جريمة اقتصادية تهدف إلى إضفاء شرعية قانونية على أموال محرمة، لغرض حيازتها أو التصرف فيها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها، بمعنى تجهيز العائدات الإجرامية لإخفاء مصدرها غير المشروع، وهذه العملية ذات أهمية خاصة لأنها تمكّن المجرم من التمتع بهذه الأموال المحرمة دون تعريض مصدرها للخطر، كما يقصد من عملية غسيل الأموال إخفاء المصدر الحقيقي لدخل مكتسب بطريقة غير شرعية، على سبيل المثال الأموال المكتسبة من تجارة المخدرات، أو الإتجار بالبشر، أو عمليات التهريب، أو عمليات الفساد الإداري والمالي مثل الرشاوى وسرقات المال العام، أو الخطف، أو الغش، أو الدعارة وغيرها من الأعمال الغير مشروعة.
مراحل غسيل الأموال:
ينطوي غسيل الأموال على ثلاث خطوات أساسية لإخفاء مصدر الأموال المكتسبة بطريقة غير شرعية وجعلها قابلة للاستخدام، وهي:
أولاً: الإيداع: حيث يتم إدخال الأموال في النظام المالي، عن طريق تقسيمها إلى العديد من الودائع تحت عمليات تجارية صغيرة ومتنوعة ومختلفة، وتودع بأسماء مختلفة مثل اسم الزوجة والابن والأخ أو تودع بحسابات أخرى مختلفة يثق بها المجرم حتى يستطيع السحب والتحويل، كل هذا لغرض خلط الأموال ومن ثم خلق مسافة بين الأموال وبين الجناة.
وهناك أساليب أخرى في عمليات غسيل الأموال، بحيث يتم التخلص من كمية كبيرة من النقود الغير شرعية بأساليب مختلفة مثل تحويل نوع العملة مثلا من الدينار العراقي إلى الدولار أو العكس، أو عن طريق شراء سيارات فارهة أو عقارات مرتفعة الثمن يسهل بيعها والتصرف فيها بعد ذلك.
وتعد مرحلة الإيداع هذه من أصعب العمليات؛ حيث إنها ما زالت عرضة لاكتشافها، خاصة أنها تتضمن في العادة كميات كبيرة جدا من الأموال، حيث أن التعرف على من قام بعملية الإيداع ليس بالأمر العسير، ومن ثم علاقته بمصدر هذه الأموال، لكن في العراق الأمر سهل لأن الجناة الذين يمارسون عملية غسيل الأموال إما سياسيين في السلطة أو شركاء مع السلطة وبهذا يفلت الجناة من المحاسبة والرقابة المالية حتى لو أودع المال باسمه الصريح.
ثانيا التمويه: هي عملية التجميع، حيث يبدأ الجناة بعد إدخال الأموال في قنوات النظام المصرفي القانوني، يقوم الجناة باتخاذ عدة خطوات والتي تتمثل في الفصل أو التفريق بين الأموال المراد غسلها عن مصدرها الشرعي عن طريق مجموعة عمليات معقدة من العمليات المصرفية المشروعة، والهدف هو جعل تتبع مصدر تلك الأموال الغير مشروعة أمراً صعباً، خاصة هناك مصارف تتبنى قواعد صارمة من سرية الإيداعات في بلاد أخرى، وهي ما يطلق عليها بالملاذات المصرفية الآمنة، وتتسم هذه الملاذات بتساهل قوانينها مع المودعين وأرباب الأموال.
ثالثا الإدماج: و هي المرحلة الختامية في غسل الأموال، لذلك يطلق عليها “مرحلة التجفيف” لأنه يتم دمج الأموال المغسولة في الدورة الاقتصادية والنظام المصرفي، لكي تبدو وكأنها عوائد مالية من خلال صفقات تجارية، مثل الشركات الوهمية، والفواتير الوهمية في مجال الاستيراد والتصدير.
طبعا هناك أساليب أخرى لغسيل الأموال خصوصا عبر الإنترنيت وخدمات الدفع المجهولة، والعملات الافتراضية مثل البيتكوين أدت إلى تعقيد اكتشاف التحويل غير القانوني للأموال، وفوق ذلك استخدام الخوادم الوكيلة وبرامج إخفاء الهوية يجعل غسيل الأموال متكاملا، ومن الصعب جدا اكتشافه.
كل ما ذكر أعلاه هو موجود حرفيا في العراق وأكثر من ذلك، فعمليات التزوير موجودة والشركات الوهمية موجودة بكثرة ونقل الأموال نقدا إلى الخارج موجودة أيضا وكذلك شراء العقارات التجارية، كلها وجدت في العراق.
الآثار السلبية المترتبة لعمليات غسيل الأموال على الاقتصاد الوطني:
1- تدهور العملة الوطنية وتشويه صورة الأسواق المالية كما هو الحال في العراق اليوم.
2- استقطاعات من الدخل القومي ونزيف الاقتصاد الوطني لصالح البنوك الخارجية.
3- انخفاض معدل الادخار نظرا لشيوع الرشاوى والتهرب الضريبي وانخفاض كفاءة الأجهزة المالية والإدارية وفسادها.
4- شراء ذمم رجال الأمن والقضاء والسياسيين مما يؤدي إلى ضعف كيان الدولة واستشراء خطر جماعات الإجرام المنظم، هو باختصار البحث عن إجابة كاذبة للسؤال المعروف (من أين لك هذا؟)
لماذا لا تنجح مكافحة عمليات غسيل الأموال في العراق؟
غياب الإرادة السياسية هو أحد أهم الأسباب الرئيسية لمعالجة هذه الآفة، لأن غالبية الطبقة السياسية تمارس الفساد وتحمي الفاسدين. فعادة ما يكون الجناة والفاسدون الذين يمارسون عمليات غسيل الأموال هم من أصحاب النفوذ والقوة ويمتلكون أذرع مسلحة تقوم بتصفية أي شخص أو أي مسؤول يعترض عليهم.
مقال خاص براسام

