أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

كنت أطالع مجلة ثقافية عامة صادرة ببغداد في منتصف السبعينات من القرن الماضي، أجرت لقاءا مع المؤرخ العراقي المعروف (عبد الرزاق الحسني) صاحب المؤلفات عن تاريخ العراق خلال العهد الملكي وأبرزها (تاريخ الوزارات العراقية) بأجزائه العشرة، يتحدث عن حادث فريد من نوعه، وهو أن أحد رؤساء الوزراء في العراق الملكي (كفنه الذي أعده لنفسه لم يكفه حينما مات) ؟ فما هو الحل ؟ والشرع لا يجيز المخيط للكفن كما معروف.
وهنا نتساءل :-
هل نتعظ من هذا الدرس البليغ ؟
إذا علمنا أن الذي مات هو :-
ملّاك وإقطاعي وأملاكه تمتد من حي جميلة ببغداد إلى ديالى.. شغل مناصب إدارية كبيرة في الدولة حتى إنه استوزر لأكثر مرة وغدا رئيسا للوزراء (الوزارة الثانية والعشرون) للفترة من (٣٠ تشرين الزول ١٩٣٦ ولغاية ١٢ آب ١٩٣٧)، جاء إثر انقلاب قادة الفريق بكر صدقي وكان من المساهمين فيه ضد حكومة ياسين الهاشمي، واتسم بالجرأة حينما طلب وزارة الداخلية قبيل الانقلاب من ياسين الهاشمي وقال له (الهاشمي):”هذه حصة (رشيد عالي الكيلاني)” فأجابه : ” نحن لسنا ممن يأخذ المناصب صدقة بل نأخذها عنوة والأيام بيننا وسوف ترى”.
إنه حكمت سليمان.
فمن هو (حكمت سليمان) وما هي القصة التي دونها المؤرخ عبد الرزاق الحسني ؟
بدءا هو : عارف حكمت بن سليمان فائق بك وأخوه محمود شوكت الذي شغل منصب الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في زمن الدولة العثمانية عام ١٩١٣م.
ولد (حكمت) ببغداد عام ١٨٨٩م وبها نشأ وتعلم القرآن وأكمل دراسته في بغداد وتخرج من الإعدادية الملكية عام ١٩٠٧م، ثم سافر الى إسطنبول ودرس في جامعتها، حيث درس الحقوق ثم انتمى إلى المدرسة الشاهنشاهية ونال شهاداتها في شباط ١٩١١م، دخل بعد ذلك مدرسة المشاة وتخرج ضابطا احتياطيا في تشرين الأول ١٩١١م.
ألحق بعد تخرجه بحاشية آمر اللواء المرابط في (بك أوغلي) بالعاصمة التركية (إسطنبول) ثم نقل الى حاشية والي إسطنبول في نيسان ١٩١٢م ولغاية تشرين الأول ١٩١٣م .
خلال الحرب العالمية الأولى كان في بغداد حيث عين نائبا للوالي العثماني، وسافر إلى برلين ومكث فيها مدة، بعدها قدم الى بغداد مع حاشية الوالي جاويد باشا وعين قائممقاما لمركز بغداد في ٢٥ شباط ١٩١٤م، ثم مديرا لمدرسة الحقوق، ومعاونا لمدير المعارف ثم مديرا في ١٩ تشرين الأول ١٩١٥م.
وبعد قيام الحكم الملكي في العراق، عين مديرا عاما لدائرة البرق والبريد عام ١٩٢٣م، كما تولى في الوقت نفسه إلقاء محاضرات بمدرسة الحقوق وجمعت محاضراته في كتاب (علم المال) طبع عام ١٩٢٤.
انتخب نائبا في مجلس النواب العراقي / الدورة الانتخابية الأولى عام ١٩٢٥م، وأخيرا وزيرا للعدلية واستقال منها عام ١٩٢٨م.
من الجدير بالذكر أن (حكمت سليمان) هو الذي أنشأ دار المعلمات الابتدائية والمدرسة المأمونية الابتدائية وعين وزيرا للمعارف وبعدها للداخلية، وغدا رئيسا للوزراء في حكومة الانقلاب حتى ١٢ آب ١٩٣٧.
وبعد اغتيال الفريق بكر صدقي بالموصل، اجبر على الاستقالة، واعتقل وحكم عليه بالسجن خمسة أعوام.
ذكر الطبيب البريطاني (سندرسن) في مؤلفه (عشرة الاف ليلة وليلة) أنه زار (حكمت سليمان) في السجن، ويقول : “حيث أودع كمجرم عادي وكان في ضيق شديد وفي حالة قلق وخيبة … وساءت حالته الصحية في الصيف فنقل بناء على توصية الطبيب إلى منطقة بنجوين في جبال كردستان تحت حراسة مشددة، بعدها تعافى واستمر يمارس حياته”، كان له مجلس ثقافي بداره في الصليخ ببغداد وله مؤلفات ومقالات في الصحف والمجلات. وقد وافته المنية في ٦ صفر ١٣٨٤هجرية / الموافق ١٦ حزيران ١٩٦٤.
وعن وفاته يروي المؤرخ عبد الرزاق الحسني قائلا : ” لما توفي غاندي (زعيم الهند) ذهبت إلى السفارة الهندية ببغداد يوم ١٥ حزيران ١٩٦٤ لتقديم التعزية وعند العودة زرت (الأستاذ حكمت سليمان) في داره واستفسر مني عن وجهتي القادم منها، فلما علم ذلك طلب مني المجيء غدا للذهاب للسفارة الهندية لتقديم التعزية أيضا، وبالفعل يقول (الحسني) حضرت صباح اليوم التالي وكان يتناول الفطور وعند ذهابه للمغاسل سقط أرضا وتوفي، ولأن المرحوم كان يمتاز بضخامة جسمه، تبين أن الكفن الذي أعده لنفسه لن يكفيه، فيذكر (الحسني) أنه تم الاتصال بمفتي العراق آنذاك الشيخ (الزهاوي)، حيث أشار إلى استخدام خوص النخيل لربط أطراف الكفن بعضها ببعض”. وهكذا انتهت حياة (حكمت سليمان) بكفن لا يكفيه ؟
– هل أفادته أملاكه الكبيرة ؟
– هل أفادته مناصبه التي شغلها ؟
– هل أفادته مكانته الاجتماعية ؟
– فهل نتعظ ؟!

المصـــــــادر :
أولا : عكاب يوسف الركابي : حكمت سليمان حياته ودوره في السياسة العراقية حتى عام ١٩٦٤، جامعة البصرة، كلية الآداب، ٢٠٠٥م).
ثانيا : مير بصري، أعلام السياسة في العراق، ج٢، (لندن، ٢٠٠٤).
ثالثا : محمود فهمي درويش، الدليل العراقي الرسمي لعام ١٩٣٦.
رابعا : وليد الأعظمي، أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران، (بغداد، ٢٠٠١).
خامسا : عبد الغني الدروبي، البغداديون: أخبارهم ومجالسهم، (بغداد، ١٩٥٨).


مقال خاص براسام