إن التطور الذي جعل العشيرة العراقية تنتظم ضمن كيان الدولة حتى أصبحت القوانين التي نظمتها الدولة هي الفيصل في أي نزاع أو صراع ينشب بين العشائر، بحيث تقدمت قوانين الدولة على جميع القوانين والأعراف العشائرية والمذهبية والمناطقية الأخرى، وأخذت العشيرة بالتراجع بحيث لم يبق لها دور ألا في القضايا الادارية التي تتعلق بالمناسبات، والافراح، وبعض القضايا العشائرية ذات الصبغة الريفية التي لا تصطدم و لا تتقاطع مع القوانين التي أصدرتها الدولة وأجهزتها التنفيذية، ويمكن أن نقول بأن الكثير من العشائر بقيت محتفظة بتقاليدها وقوانينها الداخلية التي لا تتقاطع مع قوانين الدولة، بحيث يمكن أن نصف العلاقة بينهما بأنها متوازنة، علماً بأن هناك شريحة واسعة من المجتمع لا تؤمن بالعشائرية وخاصة في المدن الحضرية، حيث  ابتعدت هذه الشريحة عن كل الانتماءات الدينية والعرقية والاجتماعية والعشائرية ولا ترى نفسها إلا من خلال الدولة المدنية التي تحتكم الى قانون الدولة الرسمي، ومن الجدير بالذكر هو إن العشائر العراقية لديها مشتركات كثيرة بالرغم من تنوعها المذهبي والعرقي فهناك عشيرة واحدة ينتمي أفرادها الى المذهب الشيعي وآخرون إلى المذهب السني، إي إن العشائر الأصيلة حافظت على السلم الأهلي والمجتمعي ولم تنخرط في الصراعات الطائفية.

تسليح العشائر منذ القدم:
إن اقتناء السلاح من قبل العشائر العراقية هو ظاهرة ليست جديدة بل هو جزء من أعراف وتقاليد اجتماعية متوارثة منذ زمن بعيد، بحيث كانت العشائر العراقية مسلحة في جميع المراحل التي مرت بها الدولة العراقية، وهذا لأنه نتاج طبيعي للبيئة البدوية والصحراوية التي تقطنها هذه العشائر في مختلف المحافظات العراقية، كما إن امتلاك هذه الاسلحة بكثرة وقوة يعد مفخرة لهذه العشائر كونه يمثل امتداد للعادات العربية الاصيلة والمتوارثة التي دأبت عليها العشائر العربية التي استخدمت السلاح بصورة علنية لمقاومة الاحتلال، والدفاع عن النفس، ونصرة المظلوم، ومع هذا كله فقد كانت الدولة العراقية تسيطر على هذا السلاح طوال الفترة الماضية وصولاً الى الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق عام 2003، حيث عمت الفوضى السياسية والأمنية في جميع مفاصل الدولة العراقية، وأصبح امتلاك المواطن للسلاح موضوع جدلي بسبب الفوضى الأمنية التي تضرب الشارع العراقي، وانتشار السلاح بشكل غير مسبوق ووصوله الى يد المجرمين والسراق على المستوى الفردي، وكذلك وصوله ليد العشائر والميليشيات على مستوى المجتمع، لأن السماح بانتشار السلاح وتسليح المجتمع بهذه الفوضى وبدون ضوابط سيكون على حساب تجاهل دور الدولة في تأمين حماية المواطن، وعلى حساب الأمن والنظام والقانون، وكذلك على حساب أرواح المواطنين واستقرار المجتمع والدولة، ولو كانت الرغبة في حماية الانسان لنفسه وعائلته أمر مفروغ منه، ولكن بضوابط وقوانين تطبق على الجميع، خصوصاً وإن هناك تجاوزات كبيرة على المصالح العامة والخاصة.

النظام العشائري في الدولة العراقية:
لقد عمل الاحتلال البريطاني الذي دخل الى مدينة البصرة عام 1914، الى الاهتمام بالعشائر العراقية لتسهيل السيطرة عليها، وفي عام 1916، وضعوا البريطانيين نظام للعشائر العراقية، ثم تم تطويره بعد ذلك حيث أعلن الاحتلال عام 1918، بأنه وضع نظام جديد أطلق عليه نظام “دعاوي العشائر” الذي منح بموجبه شيخ العشيرة السلطة في القضايا التي تحصل في الريف العراقي، من خلال لجنة تشكل من وجهاء العشيرة تخول في البت بالمشاكل التي تحدث، ومنها جرائم القتل التي يطلق عليها بـ”الفصل العشائري”، الذي يعد من العرف العشائري الذي تتوارثه الأجيال وتتلقاه بالتلقين، وتحرص على تعلمه وتنفيذه على الجميع، وغالباً ما تكون هذه الجرائم هي السائدة في المناطق العشائرية والريفية، والتي غالباً ما تكون عقوبتها الفصل، وإعطاء الدية، والتهجير لمدة معينة، أو المصالحة بتعويض المعتدى عليه ومنها العرف الشائع بالفصلية التي اشتهرت في المناطق الجنوبية، ويعد هذا القانون من أول القوانين التي سنها الاحتلال البريطاني في العراق، علماً بأن هذا القانون يخول المحتل البريطاني الصلاحية الكاملة في الموافقة، أو التعديل، أو نقض الحكم الصادر عن هذه اللجنة، بما فيها إحالة أي قضية للقضاء العام أو الى “دعاوي العشائر” من قبل الحاكم البريطاني.

في عام 1929، عدل قانون (دعاوى العشائر) فأبطل حكم الفصلية التي تقضي بتعويض المتضرر بامرأة كبادرة لإصلاح ذات البين بين العشيرتين وإعلان بانتهاء القضية، ثم عدل مرة أخرى عام 1933، فأصبحت الإحالة الى دعاوي العشائر لا تصح ألا خارج حدود البلديات أي المناطق الريفية، ثم تم أبطال القانون بشكل كامل عام1958م، ثم صدرت تعليمات في السبعينات تقضي بإلزام المواطنين بعدم ذكر لقب عشائرهم في الوثائق المدرسية والحكومية، ومع هذا فقد أستمر الفصل العشائري في الدولة العراقية قبل الاحتلال رغم قوة الدولة آنذاك، ثم أزداد الاحتكام للعرف العشائري بعد الاحتلال بعد أن تعطلت مؤسسات الدولة وخاصةً القضائية والتنفيذية جراء الفوضى التي عمت البلاد، علماً بأن العشائر العراقية تعتبر هذه الأحكام هي لمساعدة الدولة وليس منافستها لأن المجتمع العراقي هو مجتمع عشائري.

لقد نص الدستور العراقي الصادر عام 2005، حسب المادة رقم (45) الفقرة (ثانياً)، والتي جاء فيها “تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزز قيمها الإنسانية النبيلة وبما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الإنسان”، كما أقر مجلس الرئاسة الاتحادي القانون رقم (13) لعام 2005، الذي عرف “الإرهاب” على أنه” كل فعل إجرامي يقوم به فرد، أو جماعة منظمة، باستهداف فرداً، أو مجموعة أفراد، أو جماعات، أو مؤسسات رسمية أو غير رسمية، وأوقع ضرراً بالممتلكات العامة أو الخاصة، بغية الإخلال بالوضع الامني أو الاستقرار والوحدة الوطنية، أو إدخال الرعب أو الخوف والفزع بين الناس أو إثارة الفوضى تحقيقاً لغايات إرهابية”.

إن من نتائج الاحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق هو الفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادي والاجتماعية، والتي كان لها الأثر الكبير في تدهور الأوضاع الداخلية، الأمر الذي ترتب عليه كثرة المشاكل العشائرية وخاصةً ما يسمى بـ”الدكة العشائرية”، التي أجبرت المشرع العراقي على تقديم قانون لمعالجة “الدكّات العشائرية” التي اعتبرت من الجرائم الإرهابية، حسب قانون مكافحة الإرهاب الذي أُقرّ في عام2005، “المادة الثانية” التي تنصّ على “إن التهديد الذي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أياً كانت بواعثه، يُعَدّ من الأفعال الإرهابية”،  وفي الحقيقة بأن جميع هذه القوانين لم تطبق ألا على المكون السني كونه الأضعف في المعادلة السياسية والأمنية، كما إن العشيرة في وسط وجنوب العراق أصبحت فوق الدولة وفوق القانون، وأصبحت المحاكم العشائرية في العراق واحدة من أهم مظاهر ما بعد الاحتلال الأميركي للبلاد عام 2003، علماً بأن القانون العراقي رقم (34) لسنة1981، ينص على إنزال عقوبة لا تقلّ عن (20) عاماً سجناً لكل من احتكم خارج منظومة القضاء الرسمية التابعة للدولة، بما فيها طرفي النزاع والسلطة التي حكمت مهما كانت صفتها دينية أو عشائرية، الأمر الذي أدى الى أضعاف السلطة الدينية والعشائرية، وعزز السلطة القضائية للدولة.

تغيرات مفصلية طرأت على المشهد العراقي:
إن الأحتلال الأمريكي-البريطاني للعراق أدى الى تغيرات كبيرة وخطيرة ومفصلية في بنية المجتمع العراقي شملت جميع مناحي الحياة السياسية والعسكرية والاقتصادية والأجتماعية، حيث تمكنت العشائرية والطائفية أن تحتل حيز كبير في مؤسسات الدولة السياسية والأمنية والاقتصادية، بعد أن أتاح لها النظام السياسي الجديد المشاركة المباشرة في العملية السياسية بحيث أصبح لديها وزراء ونواب في البرلمان العراقي، خصوصاً بعد أن أصبح مبدأ المحاصصة الطائفية داخل مؤسسات الدولة هو الحاكم والفيصل في توزيع المناصب على جميع المؤسسات الدولة، التي تحولت الى إقطاعيات تابعة للأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة على مستوى الوزارات وجميع دوائر الدولة نزولاً الى المناصب الادارية في المحافظات العراقية، بحيث أصبحت العشائر، والمال السياسي، والانتساب الى الميليشيات المسلحة من أهم العوامل التي تؤدي الى الوصول الى المناصب السيادية والادارية في الدولة التي تحول فيها الولاء للحزب والطائفة والعشيرة، الأمر الذي دمر البنى الأساسية للدولة التي أصبحت تعاني من فوضى على جميع المستويات.