د. جاسم الشمري

في كلّ بلدان العالم من الممكن أن تقع حالات التغييب، ومن الممكن  أنّ المصابين بأمراض ذهنيّة، وفقدان الذاكرة والزهايمر أن يفقدوا القدرة على الاهتداء لمنازلهم؛ وبالتالي يُحسبوا من ضمن الغائبين، وهذه حالة طبيعيّة.

في العراق لم تكن قضيّة المغيّبين ظاهرة مجتمعيّة إلا بعد العام 2003، وحينها صارت من المصطلحات المتداولة للتعبير عن ضياع أثر بعض المواطنين!

المغيّبون جماعة من الناس كانوا في مكان ما يحيون حياة هانئة بسيطة، وفي لحظة من لحظات الرعب والخوف، اعتقلوا- وربّما قتلوا- ثمّ بعد أيّام وأيّام انقطعت أخبارهم، وقيل إنّهم في عداد المغيّبين!

الكتابة عن المغيّبين هي ببساطة ليست محاولة لتسطير بضع كلمات مؤثّرة لتحريك عواطف منْ يمتلكون ذرّة من إحساس بقيمة الإنسان والحياة، وإنّما هي صرخة لتحريك الساكن، وهزّ الضمائر، ودفع العقول، وإنعاش الذاكرة، وعصر الفكر، وتنقية الأرواح من أدران الأحقاد والكراهية وروح الانتقام، ولإعطاء هذه الكارثة الوطنيّة حقّها من الاهتمام!

الأعداد الرسميّة حول أعداد المغيّبين غير دقيقة، وهنالك حديث عن (15) ألف مغيّب!

المغيّبون قضية مجتمعيّة بحاجة لعلاج جذريّ، وليست مجرّد وعود لا تجد طريقها للتنفيذ، لأّنّنا نتحدّث عن إنسان لا اثر له، وهنالك منْ يترقّب عودته!
حينما تتحدّث الإحصائيات الرسميّة العراقيّة عن أكثر من (15) ألف مواطن غُيّبوا فهذا يعني أنّنا نتحدّث عن (15) ألف عائلة منكوبة، وربما أكثر من عشرة آلاف أم مَكْلُومة، وأكثر من عشرة آلاف زوجة مصدومة، وأكثر من (30) ألف طفل فقدوا آبائهم، ومن هنا فإنّ القضيّة قضيّة اجتماعيّة خطيرة لا تقف آثارها عند حدود بعض الأشخاص، وإنّما هي كارثة ساحقة، وآثارها التخريبيّة، السياسيّة والاجتماعيّة، لا حدود لها!

القضيّة التي نتحدث عنها تتعلّق بآلاف المواطنين غُيّبوا، أو قتلوا، بعد حوادث محدّدة، ومنها العمليّات العسكريّة، التي خاضتها الحكومة ضد الجماعات الإرهابيّة في بعض المدن!

في تلك الأيّام، وفي لحظات الهروب من أرض الموت، وقعت حالات تغيّيب لمواطنين فارّين بأرواحهم من الجحيم، ومع مرور الزمن لم يهتد ذويهم إلى أيّ مكان يمكن أن يكون سبباً لنشر الطمأنينة في قلوبهم، ويتأكّدوا بأنّ أولادهم مازالوا على قيد الحياة!

وفي نهاية شهر آب/ أغسطس الماضي دعت “أليس وولبول” نائبة الممثّل الخاصّ للأمم المتّحدة في العراق ” الحكومة العراقيّة إلى التحقيق في جميع حالات الاختفاء القسريّ، وتحديد مصير المفقودين وأماكن وجودهم، وإعادة المحتجزين إلى عائلاتهم، وتحديد المسؤولين عن عمليّات الاختطاف والقتل ومحاكمتهم”.

التراخي الحكوميّ في التعامل مع كارثة المغيّبين دفع بعض العراقيّين للمطالبة بتدويل قضيّتهم، وهذه خطوة مهمّة لكنّها لا يمكن أن تحسم هذا الملفّ، لأنّ القضيّة عراقيّة بحتة، أيّ أنّ المغيِّب، والمغيَّب، الجاني، والمحني عليه جميعهم من العراقيّين؛ وعليه فإنّ القضيّة ينبغي أن تُحسم عبر لجان محلّيّة في كلّ مدينة وناحية وقضاء حصلت فيها جرائم الاختفاء، ويشارك في اللجنة ممثّلون لوزارات العدل والداخليّة والدفاع والصحّة ووجهاء تلك المناطق، وعلماء الدين!

وساعتها تحاول لجان التحقيق الاستعانة بمنْ كانوا مع هؤلاء المغيّبين قبل لحظة الافتراق، حيث يمكن لهؤلاء أن يحدّدوا الطرف الذي نفّذ عمليّة الاعتقال، وهذا الخيط الرفيع سيقود إلى الطرف الذي ارتكب جريمة التغييب!

المرارة تأتي من جانب أنّنا نتكلم عن حالات تغييب، وليست اعتقالات!

في حالات الاعتقال المجرم يُسلّم إلى القضاء، أما حالة التغييب فهي حالة مرفوضة لأنّها تَضييع لإنسان، وهدم لكيانه، وهذا الفعل لا يتفق مع الدين، ولا مع المبادئ الإنسانيّة العامّة!

القضيّة، ببساطة، تتطلب تَحركاً لحسم ملفّات المغيّبين، وتحديد مصيرهم بين الموت، أو الحياة، أو الاعتقال، لأنّ استمرار حالة التغييب لا تتّفق مع مفهوم “وجود دولة”، التي من أهمّ واجباتها الحفاظ على حياة المواطنين وممتلكاتهم وحرّيّاتهم؛ ولهذا فكلّ سياسة لا تحافظ على هذه المبادئ هي سياسة بحاجة إلى إعادة نظر، ولا تساهم في الحفاظ على السلم المجتمعيّ.

فمتى ستحسم الحكومة واقِعة المغيّبين؟