قراءة تحليلية في المشهد السياسي العراقي

سيناريو خطير:

لا شك بأن السيناريو الأخطر هو أن تجر البلاد الى حرب أهلية ومصادمات مسلحة وهذا قد يكون أخر الخيارات التي يمكن أن يلجأ اليها الطرفين بسبب تعنتهم وإصرارهم على مواقفهم وعدم تقديم تنازلات للتوصل الى حل مقبول وهذا السيناريو سيقود البلد الى شلل كامل لمؤسسات الدولة العراقية وتعطيل لحياة الناس، الأمر الذي سيقود لثورة شعبية عارمة قد تكون هي السيناريو الأخطر على الجميع، لأن هذه الثورة سينتج عنها تغير كامل لقواعد اللعبة السياسية التي وضعها المحتل في العراق، مما يعني أننا سنكون أمام وضع جديد قد يقود الى تغير النظام السياسي في العراق بأكمله بما فيها كتابة دستور جديد، ووضع خريطة طريق جديدة لبناء الدولة العراقية مدعومة بإرادة دولية وإقليمية وعربية، بحيث لا يمكن رفضها من قبل الأحزاب والكتل السياسية الحاكمة، خصوصاً أذا أنظمت الى هذه المظاهرات القائمة قوى عراقية شعبية أخرى من بقية المكونات العراقية بما فيها قوى تشرين، مما يعني أننا سنكون أمام خيارات صعبة قد تصل الى الصدام المسلح بين الإطار والتيار، أو صدام مسلح مع هذه الجماهير كما حصل في ثورة تشرين عام 2019، كما إن هذا الخيار قد يقود الى التدخل الخارجي في العراق لمنع هذا السيناريو وخاصةً إيران التي لن تقبل بتغير قواعد اللعبة في العراق، وقد يكون هناك من يسأل وأين ستكون القوات الحكومية من هذا السيناريو؟، نقول ستقف تتفرج كما حصل في السابق وكما حصل في قرية الهواشة لذا هي خارج الحسبة.

وأذا قلنا بأن الإطار التنسيقي سيقبل بحل البرلمان والذهاب الى أنتخابات مبكرة فهذا يعني إن مقتدى الصدر ستكون فرصته كبيرة للفوز بالانتخابات القادمة واكتساح الساحة الشيعية مع قوى تشرين أو قوى المستقلين، وهذا بلا شك سيكون على حساب مكتسبات ونفوذ الإطار التنسيقي، كما أنه يعني بأن الصدر سيهيمن على القرار السياسي الشيعي والعراقي معاً، وهذا ما يرفضه الإطار التنسيقي وترفضه إيران، خصوصاً وإن هناك رفض شعبي لهم بعد أن فقدوا الحاضنة الاجتماعية التي أستخدموا القوة ضدها في مظاهرات تشرين عام 2019، مما أضعف موقفهم في هذه الانتخابات وخسروا الكثير من المقاعد البرلمانية، لذا فهم لا يريدون الذهاب لهذا الخيار، خصوصاً وإن فوز الصدر في الانتخابات المبكرة ستجعله يفرض شروطه بقوة في تشكيل الحكومة القادمة، ولن يقبل بأعادة انتاج النظام السياسي الحالي، ولن يقبل بخلطة العطار كما وصفها، وسيقوم بتنفيذ جميع وعوده التي قطعها بحصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفاسدين وإحالتهم الى القضاء، وحل الحشد الشعبي، ودعم القوات الأمنية، وعدم السماح لدول الجوار بالتدخل في الشأن العراقي، مما يعني نهاية النفوذ الإيراني ونفوذ الميليشيات المسلحة التابعة لها، لذا فهم يراهنون على كسب المزيد من الوقت للتوصل لاتفاقات قد تكون مفيدة لهم قبل الدخول في صراع مسلح، أو حرب أهلية مدفوعة الثمن من قبل إيران التي ستقبل بهذا الخيار اذا رأت بأن هناك تهديد حقيقي لنفوذها، علماً أني أشك بأن الصدر سيقوم بتنفيذ جميع هذه النقاط.

إن المدة الزمنية التي حددها مقتدى الصدر لحل البرلمان هي نهاية الأسبوع الحالي، مما يعني أننا سنكون أمام خطوات تصعيدية جديدة لفتح اعتصامات أخرى أمام الوزارات، ودوائر الدولة الحيوية والسيادية، وذلك لشل مؤسسات الدولة العراقية بالكامل، وهذا قد يشمل الكثير من المحافظات الجنوبية ومؤسسات الدولة الاقتصادية لإجبار الإطار على تقديم التنازلات والقبول بحل البرلمان والذهاب الى أنتخابات مبكرة، علماً بأن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني قد وافق على الذهاب الى انتخابات مبكرة بشرط قبول الكتل السياسية بنتائج الانتخابات القادمة مهما كانت، وهذا يعني أننا سنكون أمام خطوات تصعيدية مقابلة للإطار التنسيقي ومنها عقد البرلمان وتشكيل حكومة مؤقتة لمدة سنة مما يعني بأن ثقل الدولة الرسمي سيكون تحت تصرف حكومة الإطار الأمر الذي قد يقود الى مواجهة مسلحة مع التيار الصدري، علماً بأن هناك مساعي يقودها هادي العامري لتقريب وجهات النظر وقد تفضي الى التوصل الى اتفاق سياسي للخروج من الأزمة السياسية، خصوصاً وأنه التقى مع السنة والكرد للتعرف على مواقفهم من الأزمة السياسية ورؤيتهم للحل، كما أنه سيلتقي بالصدر في وقت لاحق.

الخاتمة:

لقد أصبح من المعروف بأن الوضع السياسي في العراق يعاني من اشكالات دستورية كثيرة جعلت من تشكيل الحكومة العراقية معضلة تعانى منها الكتل والقوى السياسية بعد كل أنتخابات برلمانية، بسبب بنية النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية التي حولت الولاء للحزب والطائفة، وقد دأبت القوى السياسية على تشكيل حكومات توافقية بصفقات وتنازلات تقدم من قبل الاحزاب والقوى التي ستشكل الحكومة، ولو كان ذلك على حساب مصالح العراق العليا، حيث تراكمت الخلافات والمشاكل بعد أن فشلوا في قيادة وإدارة الدولة حتى وصلنا الى عدم قدرة الكتل السياسية على تشكيل الحكومة بسبب الانقسام والتنافس السياسي، خصوصاً بعد إن أظهرت نتائج الأنتخابات البرلمانية في2021م، تراجع النفوذ الإيراني في العراق بشكل كبير بعد أن فاز التيار الصدري بالكتلة الأكبر، والذي دعا لتشكيل حكومة أغلبية وطنية بعيدة عن الإطار التنسيقي، الأمر الذي رفضه الإطار الذي يدعو لتشكيل حكومة توافقية، حيث فشل البرلمان في المضي لأنتخاب رئيس الجمهورية بعد أن فسرت المحكمة الأتحادية بوجوب حضور ثلثي البرلمان لأنتخاب رئيس الجمهورية، وبذلك يكون الإطار قد نجح في أيجاد الثلث المعطل، مما أدى الى تجاوز التوقيتات الدستورية، ودفع الصدر الى سحب نوابه من البرلمان مما أضعف موقفه الدستوري، مما جعل الإطار في وضع قانوني ورسمي أفضل بكثير من الصدر وبذلك بما يمكنه من تشكيل حكومة جديدة برئاسة “محمد شياع السوادني” الذي رفض ترشيحه بشكل قاطع.

إن دعوة الصدر لأنصاره بالتظاهر ثم الدخول الى المنطقة الخضراء ثم الاعتصام فيها حول مقر البرلمان أحرجت الإطار بشكل كبير، خصوصاً وإن الصدر دعا أنصاره للبقاء معتصمين لحين حل البرلمان والذهاب الى أنتخابات مبكرة، حيث رفض الإطار هذه الخطوات التصعيدية ورد المالكي على ذلك قائلاً: أنه لا حل للبرلمان ولا ذهاب الى أنتخابات مبكرة مالم يكن ذلك من خلال الأطر الدستورية، والأجماع الوطني بعقد البرلمان لتشكيل حكومة مؤقتة لمدة سنة تأخذ على عاتقها مهمة التحضير لانتخابات مبكرة، وكتابة قانون انتخابي جديد، وترتيب ملف المحكمة الاتحادية، الأمر الذي جعل الإطار يدعو انصاره للتظاهر والاعتصام حول بوابة المنطقة الخضراء من جهة الجسر المعلق في اعتصام مضاد للتيار الصدري الذي يرفض الذهاب لهذه الخطوات، كونه يخشى من تشكيل حكومة تمكن الاطار من الوصول الى ثقل الدولة الرسمي الذي سيستخدمه لمواجهة التيار الصدري، لذا فهو يدعو لبقاء حكومة الكاظمي، والقبول بالقانون الانتخابي السابق، وحل البرلمان، والذهاب الى انتخابات مبكرة، في معركة يمكن أن نصفها بكسر الأرادات السياسية التي تحولت من قبة البرلمان الى الشارع العراقي والتحشيد الشعبي بعيداً عن الأوزان السياسية، علماً بأن الصدر دعا القضاء والمحكمة الاتحادية لحل البرلمان وتحديد موعد للانتخابات المبكرة، وقد رد مجلس القضاء الأعلى على دعوة الصدر ببيان أكد فيه “عدم أمتلاكه أية صلاحيات تخوله التدخل في السلطتين التشريعية والتنفيذية”، هذا الحق الدستوري لحل البرلمان، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي الذي قد يصل الى قيام ثورة شعبية عارمة قد تأتي على النظام السياسي الحاكم بأكمله، كما يجب الأشارة الى إن دخول ممثلة الأمم المتحدة على خط الازمة السياسية قد ينتج عنه حلحلة الأزمة السياسية وأيجاد حلول مقنعة لجميع الأطراف؟.