لماذا لم ينفذ أتفاق سنجار؟
لا شك بأن جعل كمدينة سنجار خالية من الفصائل المسلحة سواء المحلية أو الخارجية أو الدخيلة كما سمها المتحدث بأسم رئيس الوزراء هي مصلحة عراقية راجحة، وكان يمكن أن تشكل هذه الخطوة بداية لمرحلة جديدة لحل المشاكل العالقة والمتنوعة أثنياً ودينياً وأمنياً وإدارياً وإقليمياً، ومنها إرجاع المهجرين من مدينة سنجار والقرى المحيطة بها، وكذلك إرسال رسالة تطمينية واضحة الى تركيا مفادها بأن العراق يراعي علاقات حسن الجوار، ولن يسمح لهذا الحزب بالتواجد على أراضيه أو استخدامها لتكون منطلقاً للهجمات عليها، كما إن هذه الخطوة قد توقف القصف التركي الذي يتم بدوافع تهديد الأمن القومي التركي نتيجة تواجد هذا الحزب على الأراضي العراقية، الأمر الذي تسبب بفقدان الأمن والاستقرار في هذه المناطق الشمالية التي يتواجد فيها الحزب، ولكنه الاتفاق اصطدم بواقع وتحديات كثيرة مما جعل هذا الاتفاق حبراً على ورق، وذلك لعدم قدرة الحكومة على تنفيذه بنوده لأسباب كثيرة منها:

أولا/ إن من يسيطر على المدينة هي قوات أجنبية جاءت من خارج الحدود وهي غير راغبة في ترك هذه المناطق التي أصبحت ضمن نفوذها الأمني والإداري والاقتصادي، خصوصاً وإن خروجها من المدينة يتقاطع مع مصالحها، ويقوض نفوذها في المنطقة، علماً إن هذا الأمر سيشكل محل أعترض بالنسبة لبعض الأطراف الكردية و الميليشياوية التي تربطها علاقة قوية مع حزب العمال الكردستاني.

ثانيا/ عدم قدرة الحكومة على مواجهة الميليشيات التي تسيطر على المدينة بشكل كامل على غرار مناطق “جرف الصخر”، و”العوجة”، و”يثرب”، و”عزيز بلد”، والكثير من القرى في محافظة “ديالى”، و”صلاح الدين”، و “نينوى”، و”سامراء” وهي عاجزة حتى عن الدخول اليها، وقد حاول وزير الداخلية الغبان الدخول الى “جرف الصخر ” فتم احتجازه، لذا فهي تأتي ضمن هذا السياق الحكومي في التعامل مع هذه المناطق، ومع هذه الميليشيات.

ثالثا/ إن هذا الاتفاق سيسمح بعودة الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوات البيشمركة مرة أخرى الى سنجار وهم الذين تسببوا في المعاناة التي حصلت للمكون الايزيدي بعد أن انسحبت قوات البيشمركة تاركة المدينة تواجه مصيرها مع تنظيم الدولة عام2014م، علماً بأن هذه المدينة هي خارج سلطة الإقليم وليس هناك أية دوافع لإدخال الإقليم في أدارتها أو حتى في إقحامها بهذا الاتفاق، لذا فأبرام الاتفاق مع الإقليم جاء لبناء علاقات سياسية لحسابات انتخابية قادمة تتعلق بمنصب رئيس الوزراء، يضاف الى ذلك إن هذا الأمر سيفتح الباب لخلافات كردية- كردية، وكذلك خلافات مع ميليشيات الحشد الشعبي، ومع محافظة نينوى التي ترى بأن القضاء يعود أدارياً للمحافظة وهي أحق بإدارته كما جرت عليه السياقات، لذا فجميع هذه الأطراف ترى أنها متضررة من تطبيق الاتفاق فالأفضل ألا يطبق.

رابعا/ إن هذا الاتفاق يصطدم بمصالح أقليمية لدول مجاورة ومنها أنه يضر بمخططات إيران، وخاصة طريق الحرير الإيراني الذي يمر بهذه المدينة الحيوية والاستراتيجية وصولاً للحدود السورية ثم اللبنانية وصولاً للبحر المتوسط، لذا فالميليشيات الولائية التابعة لإيران لن تسمح بتطبيق هذا الاتفاق وهو ما حصل فعلاً.

خامسا/ الضعف الحكومي: إن هذا الاتفاق يعني خروج جميع الفصائل المسلحة من المدينة في وقت تقف فيه الحكومة المركزية عاجزة وغير قادرة على فرض هيبة الدولة وسيادة وتطبيق القانون كونها جاءت بتفاهمات سياسية وهي خاضعة لتوازنات داخلية وإقليمية لن يسمح بتجاوزها، لذا فهذا الاتفاق لم ينفذ نتيجة ضعف القرار السياسي للحكومة، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية والحكومية على مواجهة الميليشيات المسلحة، وكذلك بسبب التدخلات الخارجية التي تؤثر بصورة مباشرة على القرار السياسي والأمني الحكومي.

سادسا/ المشكلة بأن القرارات الحكومية لا تحمل بعد استراتيجي في التعامل مع التحديات والمشاكل العالقة بل أنها تعمل على حلول وقتة وغير جذرية، ومنها أنها تكلمت عن أخراج الفصائل المسلحة من سنجار بما فيها القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني، ولكنها لم تتكلم عن أخراج قوات(PKK)خارج العراق، مما يعني إن هذه المشكلة ستبقى قائمة وسيجري تحويلها وتأجيلها بسبب الضعف الحكومي والضغوطات الخارجية.

اشتباكات سابقة بين حزب العمال الكردستاني والقوات الحكومية:
إن تجدد الاشتباكات في مدينة سنجار هي ليست جديدة وإنما هي استمرار لكثير من الاشتباكات التي جرت في الفترة الماضية، ومنها الاشتباكات التي اندلعت بعد محاولة عناصر للحزب التسلل من الاراضي السورية إلى العراقية، حيث قالت خلية الاعلام الحربي الناطقة باسم قيادة العمليات المشتركة في بيان لها يوم 18 مارس/ اذار عام2019م، ذكر فيه: “إن الاشتباكات التي دارت بين قوة من الجيش العراقي تابعة للواء (72) ومسلحين لحزب العمال التركي الكردي في منطقة “سنوني” بقضاء “سنجار” كانت بسبب مهاجمة مجموعة من مسلحي الحزب تسللوا من سوريا لعناصر نقطة تفتيش تابعة للجيش العراقي في قرية “حصاويك”، وتم تطويقها في كمين للفرقة العسكرية (15) للجيش العراقي وأشارت الخلية إلى أنّه أثناء تطويق الكمين للمسلحين حضرت قوة من حماية سنجار التي تضم عناصر حزب العمال لمساعدة المتسللين، وعلى اثرها حدث اشتباك مسلح ادى إلى مصرع جندين عراقيين وجرح (3) آخرين وإصابة خمسة عناصر من قوة حماية سنجار، لذا فيما يجري في سنجار هو امتداد لكثير من المواجهات السابقة، بسبب استهتار حزب العمال الكردستاني، وضعف القوات الحكومية في السيطرة على مدينة سنجار التي تعتبر خارج السيطرة الحكومية منذ عام 2014م.  

إن هذه الاشتباكات التي تجري بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والميليشيات المسلحة التابعة له ضد القوات الحكومية، سبقتها الكثير من الاشتباكات مع قوات الشرطة الاتحادية، ومع الجيش العراقي، وهناك خلافات حادة بين هذه الميليشيات المسلحة وبين قوات البيشمركة، وكان رئيس هيئة الحشد الشعبي “فالح الفياض” قد دعا في زيارة سابقة له الى مدينة سنجار جميع القوات المتواجدة في المدينة الى الانضمام الى الاجهزة الرسمية في العراق، وقال إنه لن يُسمح لأي فصيل بالعمل كميليشيا!، وهذا يعطي دلالة واضحة على تعدد مراكز القرار في المدينة، وكثرة الميليشيات التي تعمل خارج إطار الدولة، بل إن هناك حالة أشبه ما تكون بالفوضى الأمنية في المدينة بسبب الضعف الحكومي، وتعدد مراكز القوى، مما جعلها غير قادرة على اتخاذ قرارات ومواقف حاسمة تحد من هذا الارتباك والانفلات الأمني والأداري، بالإضافة الى تواجد قوات أجنبية مصنفة على قوائم الارهاب الأمر الذي يتقاطع مع الدستور العراقي في المادة الثامنة والمادة التاسعة.

التهديدات التركية باجتياح سنجار:
لقد هددت تركيا في الفترة الماضية بأنها على وشك القيام بعمليات عسكرية كالتي أطلقتها غرب الفرات في سوريا لمواجهة التمدد الكبير لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق والذي يشكل تهديد مباشر للأمن القومي التركي، أذا لم تتخذ حكومة بغداد الإجراءات اللازمة لمنع ذلك، بما فيها منع الحزب من القيام بعمليات عسكرية ضد المناطق الحدودية التركية، بما فيها خروجه من مدينة سنجار، وإن أنقرة تنتظر إجراءات حقيقة من حكومة بغداد حول ذلك، كما أشارت الحكومة التركية الى أنها مستعدة لتقديم أي مساعدة في ذلك، بل أنها مستعدة للمشاركة في عمليات عسكرية مشتركة لإنهاء التواجد العسكري لحزب العمال في شمال العراق، و لكن الحكومة لم تصغي لذلك بسبب ضعف القوات الحكومية، وغياب القرار السياسي، وهيمنة الميليشيات المسلحة والتدخلات الخارجية، علماً بأن الرئيس التركي هدد عدة مرات باجتياح مدينة سنجار(شنكال)، ومنها التهديدات التي أطلقها في 22 يناير/كانون الثاني عام2021م، كونها تشكل خطر مستقبلي يهدد الأمن والاستقرار في تركيا، وقال:” إن بلاده قد تتدخل بنفسها من أجل إخراج عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) من قضاء سنجار شمالي العراق” وأضاف ” قد نأتي على حين غرة ذات ليلة هذه هي خلاصة الأمر”.

إن العملية العسكرية التركية التي انطلقت في شمال العراق والتي أطلق عليها(قفل المخلب)، جاءت نتيجة توفر معلومات استخبارية تفيد إن حزب العمال يخطط للقيام بعمليات عسكرية في داخل الأراضي التركية، أي هي عمليات وقائية أو إجهاضية، كما إن المعلومات تشير الى وجود أنفاق، وكهوف، ومخازن عتاد، وتحصينات، تستوجب القيام بعمل عسكري لتدميرها، كما أنها جاءت نتيجة التوسع الكبير لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق، والذي بدأ ينتشر على مساحة كبيرة وسيطر على مناطق حيوية تمتد من جبل “قنديل”، الى الحدود السورية، نزولاً الى مدينة سنجار باتجاه سوريا، الأمر الذي أثار حفيظة الدولة التركية، علماُ إن تركيا قد أطلقت العديد من العمليات العسكرية ضد هذا التنظيم في شمال العراق ومنها  عملية “فولاذ” أو “الصلب” عام1995م، وكذلك عملية المطرقة وعملية “الفجر” عام1997م، وعملية الشمس عام2007م، وعملية “مخلب النمر” أو “النسر” عام2020م، والتي نفذت بثلاث مراحل، وآخرها عملية “قفل المخلب” في 18 أبريل/نيسان عام2022م، التي ركزت على مناطق “متينا”، و”زاب”، و”أفاشين”، و”بازيان”، في شمال العراق، ناهيك عن الضربات الجوية التي لم تتوقف منذ فترة طويلة، لغرض أضعاف قدرات الحزب و إمكانياته وموارده الاٌقتصادية والعسكرية، وتحجيم نفوذه وإجباره على خفض عملياته العسكرية في الداخل التركي.